منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 قراءة الكتب وتلخيصها وتطوير المهارة اللغوية

 قراءة الكتب وتلخيصها وتطوير المهارة اللغوية / د. سعيد حليم

1

 قراءة الكتب وتلخيصها وتطوير المهارة اللغوية

د. سعيد حليم

 

كثيرا ما يسألني الطلبة هذه الأسئلة: كيف ينبغي أن نقرأ الكتب؟ كيف نلخص مضامين الكتب المقروءة؟ كيف نطور المهارات اللغوية؟

أقول في الإجابة عن هذه الأسئلة:

أولا: كيفية قراءة الكتب:

لا بد أولا أن يختار الطالب الكتاب الذي يتوافق مع قدراته العقلية، وخصائصه النفسية. وهذا الاختيار قد يعتمد فيه على تجربته، أو على استشارة من هو أعلم منه، من أقرانه، أو من أساتذته.

بعد تحديد الكتاب؛ يبدأ في القراءة، مع التركيز على المقروء، واستبعاد المشوشات، والاسترسال في القراءة، مع الاستراحة من حين إلى آخر؛ لأن الدماغ يحتاج للراحة عند الشعور بالتعب والإرهاق. لا بد من التدرج في الساعات المخصصة للقراءة. نبدأ بالقليل، ثم نتدرج بعد ذلك رويدا رويدا.

يستحسن أن تكون القراءة الأولى استكشافية لمضامين الكتاب بشكل أولي. ثم تكون قراءة ثانية للمزيد من التركيز، وفهم المحتوى فهما دقيقا. مع التوقف بعد كل فصل لضبط أهم ماجاء فيه. ثم تكون القراءة الثالثة لمزيد من الضبط، وفهم المضامين الإجمالية، والمضامين الفرعية، والربط بين مباحث الفصل الواحد، والربط بين فصول الكتاب. القراءة الثالثة، قراءة نسقية، من شأنها ضبط العلاقة بين وحدات الكتاب؛ حتى تصير بنية واحدة في ذهن القارئ، مع ربط ذلك بإشكال الكتاب، والأهداف التي يتوخى الوصول إليها.

في نظري قراءة كتاب ثلاث مرات، خير من قراءة ثلاثة كتب. القراءة السريعة، قليلة الجدوى، ضعيفة الأثر. ربط قراءة الكتب بالعدد المذكور، مرتبط بطبيعة الكتاب، وقدرات الطالب. هناك كتب تقضي وطرك منها في قراءة واحدة. وهناك كتب تحتاج إلى قراءتين، وهناك أخرى تحتاج إلى أكثر من ذلك.

تحديد القراءة بالعدد المذكور على سبيل التدريب، وليس الناس على وزان واحد في القدرات، والرغبة، والصبر على تعب القراءة، التي تتحول إلى حلاوة عندما تنتقل من الفعل، إلى الحال، ثم إلى الملكة.

يستحن أن تكون القراءة في مكان خال من الضوضاء، والصوارف؛ حتى يكون التركيز على المقروء قويا. ويستحسن أن يضع الطالب برنامج زمنيا لقراءة الكتاب؛ من خلال تحديد عدد الصفحات التي تقرأ يوميا.

ومن المستحسن بعد القراءة، أن يحدث الطالب نفسه بمضمون الكتاب بصوت مسموع، وكأنه يتكلم مع شخص آخر. لأن ذلك يثبت المعلومات في الدماغ، ويرتبها ترتبيا حسنا، ويعين على تحسين مهارة المحادثة. اكتساب اللغة بصفة عامة، يحتاج إلى الممارسة. كلما مارسنا اللغة، اكتسبناها أكثر فأكثر.

ثانيا: كيفية تلخيص الكتب:

مما يحز في النفس؛ أن يطلب منك طالب في الماستر، أو في الدكتوراه، أن تطلعه على كيفية تلخيص الكتب. ومعنى هذا أن المدرسة بجميع مستوياتها، لم تؤهل المتعلمين لهذه المهارة. بدل أن نعلم المتعلمين كيفية التعلم، نركز على تعليمهم المعارف، ثم المعارف، ثم المعارف.

تلخيص الكتب؛ مهارة تتطور عبر الممارسة. ليس المقصود- في بداية المسار- من التلخيص، هو تحديد مضمون الكتاب الملخص. المقصود من التلخيص أولا؛ تطوير القدرات اللغوية، والقدرات المتعلقة بالفهم، والتركيب، والاستنباط… ولذلك يستحسن أن يمارس الطالب التلخيص باستراتيجيته، ولا يأبه في البداية لمستوى المنتوج. بل عليه بالصبر، والإكثار من التلخيص. بعد مرور أسابيع وشهور، ستتطور مهاراته رويدا رويدا، ومرحلة بعد مرحلة.

عندما يريد الطالب تلخيص كتاب؛ لابد أن يقرأ الكتاب أكثر من مرة. ثم يعمد إلى تسجيل العناصر المهمة في كل مبحث. ثم يجمع النقط المسجلة من كل فصل. وهكذا في جميع الفصول. بعد جمع العناصر المسجلة، ينتقل إلى كتابة التلخيص، ولا يدقق في العبارة في البداية. لأن الملكة لا تكتسب بين عشية وضحاها. الملكة تحتاج إلى شهور وأعوام. لا بد من الصبر؛ حتى ينطلق القلم سيالا يكتب بطلاقة وسلاسة.

لا بد بعد ذلك من مراجعة التلخيص مرات متعددة، في أوقات مختلفة؛ لضبط العبارات، وتحسين الأسلوب. ولا بد من مقارنة التلخيص بإشكال الكتاب، وأهدافه. هذا العمل ينبغي أن يسجل في دفتر خاص، يتضمن تلخيصات الكتب المقروءة.

يراجع الطالب التلخيصات مرات متعددة؛ حتى يثبت مضمونها في الدماغ؛ لأن نقل المعارف إلى الذاكرة البعيدة يحتاج إلى التدرج والتكرار. في بعض الأحيان قد نجد صعوبة في فهم بعض مضامين الكتاب، أو صعوبه في التعبير عن الأفكار. لا بد من الصبر، وإعادة الكرة في أوقات مختلفة. لا بد من التذكر أن الدماغ له طاقات محدودة. فهو في حاجة من حين إلى آخر للراحة، وتغيير الاتجاه.

ثالثا: كيفية تطوير المهارات اللغوية:

تطوير المهارات اللغوية؛ يرتكز أولا على الاطلاع على الضروري من القواعد المتعلقة بالنحو، والصرف، والبلاغة. أقول مرة أخرى: الاقتصار على الضروري من هذه العلوم. ثم الانصراف بعد ذلك إلى الإكثار من السماع. الاستماع إلى النصوص النثرية، والشعرية. السماع أولا، هو الذي يساعد على اكتساب اللغة. ثم بعد ذلك الإكثار من القراءة. الإكثار من القراءة لساعات طويلة. العلم يحتاج إلى أن تعطيه كله، حتى يعطيك بعضه. إذا أعطيته بعضك، أعطاك الفتات.

يحتاج الطالب إلى أن يوظف اللغة؛ سواء في التحدث مع نفسه، أو التحدث مع زميل يتعاقد معه على تطوير قدراتهما اللغوية عن طريق المذاكرة. الإغماس اللغوي؛ طريق مهم لاكتشاب اللغة. ومعنى الإغماس اللغوي، أن تمارس اللغة في وسط يتحدث باللغة الهدف. ثم بعد ذلك ينتقل الطالب للكتابة، وتلخيص المقروء كلما قرأ كتابا، أو مقالا.

الكتابة عقبة كؤود أمام الطلبة، والكثير من الأساتذة. هذه العقبة! هذا الجبل العظيم! يمكننا أن نتغلب عليه، ونتسوره بسهولة؛ بكثرة الكتابة. لا تهتم أيها الطالب في البداية بالإتقان. اكتب، ثم اكتب، ثم اكتب، ولا تلتفت. الإتقان يأتي مع كثرة الممارسة.

أرجو أن أكون قد وفقت في بيان المطلوب. والله من وراء القصد.

وكتبه الفقير إلى رحمة الله وعفوه: سعيد بن محمد حليم التهلاوي الورايني.

 

تعليق 1
  1. سمير أحمد يقول

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.