قيام رمضان في البيوت
سلسلة رمضان و الحجر الصحي ـ الحلقة الأولى ـ عثمان غفاري
يعد شهر رمضان الفضيل المطهر كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أكثر الأشهر التي يترقبها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بشوق من أجل إحياء شعائره، فرمضان هو مناسبة لمزيد من التعبد والتقرب لله تعالى بالفرض والنفل، إذ يحيون ليله بالقيام في المساجد ويحيون نهاره بالصيام، وهو أيضا فرصة لتلاقي الأسر حول مائدة الإفطار في موعد واحد، وللتكافل الاجتماعي مع الفقراء والمحتاجين بذلا وجودا وسخاء.
لكن يبدو أن فيروس كورونا المستجد ” كوفيد – 19″ الذي يبدو أن أمده سيطول إلى حلول شهر رمضان الكريم ، جعل هذا الشوق المعتاد يشوبه خوف وتوجس وقلق، ففي ظل عجز أغلب حكومات الدول الإسلامية عن احتواء المرض لوجستيكيا وطبيا ، اقتصر تدخلها على اتخاذ تدابير احترازية تمثلت في فرض الحجر الصحي بالمنازل وغلق أغلب الأماكن التي تشهد تجمعات كبيرة مثل المدارس والجامعات والأسواق والمراكز التجارية بل حتى المساجد.
واقع مرير يوحي بأن رمضان هذا العام سيأتي في ظروف استثنائية تستوجب تدابير إبداعية لاقتحام هذا الواقع البلاء حتى لا نحرم أجر وفضل هذا الشهر الكريم، ويتطلب أيضا اجتهادات علمية استباقية تقطع الطريق على المناوئين لهذا الدين ممن سارعوا إلى التشكيك والتشويش بالترويج لادعاءات متهافتة عارية عن الصحة مفادها أن الصيام يسهم في إضعاف مناعة الإنسان الصحيح، مما يهدد بإصابة الصائمين بفيروس كورونا المستجد ” كوفيد – 19″ وبنوا على هذه الدعوى الكاذبة غير العلمية، دعوات بإرجاء أو إلغاء الصيام لهذا العام.
وإذا كان سادتنا العلماء فرادى والمجامع الفقهية المعتبرة والمرجعيات العلمائية للأمة المعتمدة و حتى المؤسسات العلمية الرسمية ، قد أجمعوا بلا خلاف من خلال إصدار بيانات شرعية على أن وجوب الصيام في حق المسلم المكلف القادر الخالي من الموانع الشرعية حكم ثابت مؤكد بنصوص قطعية الثبوت والدلالة ، فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يفكر في ترك هذا الركن العظيم إلا بعذر مشروع أذن الله به ، محذرين في الوقت نفسه من الالتفات لأقوال مرسلة غير قائمة على دراسات وأبحاث طبية محكمة، بل معارضة للكثير منها ، لأن الأخذ بها يعتبر من التقدير الفاسد والاحتياط المتوهم، تأكيد وتحذير مصحوبان بوصايا ودعوات صريحة لعموم المسلمين من أجل اغتنام النفحات الربانية في هذا الشهر الفضيل بالاجتهاد في العبادة والذكر والدعاء حتى يرفع الله عنا هذا البلاء.
فكيف السبيل إلى تنفيذ هذه الوصايا و تفعيلها في حال استمرار الحجر الصحي وهو أمر غير مستبعد، فلن يكون هذا العام في المساجد، لا تراويح ولا مرابطة ولا اعتكاف ولا حلقات تعليم ولا أمسيات قرآنية ، ولا موائد إفطار جماعية لمئات الفقراء والمساكين مما اعتاد المحسنون والجمعيات إقامتها خلال هذا الشهر، ولا زيارات عائلية في ظل تطبيق التباعد الإجتماعي الذي يحظر التنقلات و الأسفار ويفرض المكوث في البيوت.
من هنا تظهر الحاجة الماسة إلى تظافر جهود جميع المسلمين بدون استثناء لاقتراح تدابير إبداعية وإطلاق مبادرات عملية لاقتحام هذا الواقع البلاء، حتى لا نجد أنفسنا محصورين محشورين في موقف ردود الأفعال وموقع الدفاع عوض الإبداع.
وتأتي هذه السلسلة المتواضعة خدمة لهذه الغاية وإسهاما في اقتراح برامج عائلية تنفذ في البيوت التزاما بالحجر الصحي، مع تأصيلها شرعا فإن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لله تعالى وصوابا موافقا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأفتتح هذه السلسلة مستعينا بالله تعالى متبرئا من حولي وقوتي بموضوع ” قيام رمضان في البيوت” من خلال ثلاثة محاور أساسية وهي :
1) تصحيح المفاهيم والأفهام ” الفرق بين التراويح والقيام والتهجد”
جرى العُرف بين العامة أنّ صلاة التروايح اسم خاص بالصلاة التي تؤدّى جماعة في المسجد في شهر رمضان بعد صلاة العشاء مباشرة وهي من قيام الليل؛ وإنما سميّ قيام الليل في رمضان بصلاة التراويح لأنّ السّلف رحمهم الله كانوا إذا صلّوها استراحوا بعد كلّ ركعتين أو أربع من اجتهادهم في تطويل صلاة قيام الليل اغتناما لموسم الأجر العظيم وحرصا على الأجر المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : ” مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ “(1) فتبين من هذا أن قيام الليل أعم وأشمل من التهجد ، والتهجد أعم وأشمل من التراويح، لذلك ندعو المسلمين إلى قيام ليالي رمضان كما أوصى بذلك العدنان عليه أزكى الصلاة والسلام، فالقيام “أن يكون المسلم مشتغلا معظم الليل بطاعة، وقيل: ساعة منه. يقرأ القرآن أو يسمع الحديث أو يسبح أو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم “ (2) وأما التهجد فهو خاص بالصلاة، وفيه قولان: الأول: أنه صلاة الليل مطلقا، وعليه أكثر الفقهاء والثاني: أنه الصلاة بعد رقدة، فعن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه أنه قال : ” يحسب أحدكم إذا قام من الليل يصلي حتى يصبح أنه قد تهجد، إنما التهجد أن يصلي الصلاة بعد رقدة ، ثم الصلاة بعد رقدة، وتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم “ (3)
فليكن إحياؤنا لرمضان هذا العام قياما ببرنامج متنوع الفقرات موزع على الأوقات، مشرك للأفراد والعائلات ، بالإكثار من الختمات، وليكن بصلاة التراويح في أول الليل مع الأسرة بما تيسر من ركيعات خفيفات تراعي ذوي الأعذار والحاجات ، وليكن في آخره تهجدا مع من تيسر له ذلك من أهل العزمات، بالذكر والمناجاة، وتحصيل الزاد الدافع لاقتحام أشد العقبات.
2) تدقيق الضوابط والأحكام “تفصيل الأمر في عدد ركعات التراويح والقيام”
صلاة التراويح بما هي قيام لليل سنة مؤكدة ندب إليها الشرع الحكيم ، لما ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة “(4) وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الوتر حق، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة”(5). وليس لصلاة التراويح عدد معين لا يمكن للمسلم الزيادة عليه أو الانقاص منه، بل يجوز للمسلم أن يصلي التروايح بأيّ عدد شاء، ويدل على ذلك عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ” صلاة الليل مثنى مثنى– ولم يحصرها بعدد- ” ويؤكده عمل الصحابة ، فقد صلى الصحابة عشرين ركعة خلف أبي بن كعب في خلافة عمر رضي الله عنهم جميعاً (6).
هذا وقد اختلفت أقوال أهل العلم في العدد المستحب من صلاة التراويح، فذهب بعض أهل العلم إلى أن المشروع في صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة؛ لأنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- لم يكن يزيد على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره، وذهبت الحنفية والحنابلة إلى استحاب صلاة التروايح عشرين ركعة تأسيا باجتهاد سيدنا عمر رضي الله عنه، أمّا المالكية فذهبوا إلى استحباب صلاة التراويح ستة وثلاثين ركعة ومستند ذلك أن أهل مكة كان يستروحون بين كل أربع ركعات من التروايح بطواف، فعزم أهل المدينة زمن الإمام مالك أن يجعلوا مكان الطواف المتعذر أربع ركعات فصار العدد ستة وثلاثون.
ومعلوم أن عدد الركعات يختلف باختلاف صفة القيام فمن كان يطيل الصلاة فإنه يقلل عدد الركعات كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان يخفف الصلاة رفقا بالناس فإنه يكثر عدد الركعات كما فعل الصحابة في عهد عمر، ولا بأس أن يزيد في عدد الركعات في العشر فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها وكان إذا دخلت العشر الأواخر شمر وشد المئزر و أحيا ليله وأيقظ أهله تحريا لليلة القدر (7)، وباستقراء الأحاديث النبوية في الباب نخلص إلى أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي داوم عليها طول القيام، وطول الأركان، وأنه يخص العشر بمزيد من الاجتهاد، وهذا يتطلب حفظ كثير من القرآن وهذا الأمر منتف عند كثير من المسلمين في هذا الزمان، فما العمل في هذه الحالة والمساجد مغلقة؟ هذا ما سنتطرق له في المحور الثالث.
3) تحقيق الإشكال والاستفهام ” حكم القراءة من المصحف في القيام”
المقصود بالاستفهام ها هنا هو ما حكم إمكانية الاستعانة بالقراءة من المصحف في الصلاة لغير الجامع للقرآن الكريم باعتبار هذا الفعل من جنس الصلاة وهو زائد عنها، فهل يترتب عن هذا الحمل آثار من قبيل الصحة أو البطلان أو لزوم سجود السهو، أما الإشكال فهو أنه من أفضل القربات والسُّنن الحَسَنات أن يجمع الإنسان بين الحُسنيين الصلاة وقراءة القرآن، ومن غير المتيسر لكل مسلم قابع في بيته، مضطر لصلاة التراويح مع أهله، حريص على ختم القرآن الكريم في صلاته، أن يقوم بذلك من حفظه ، ومن تم تكلم الفقهاء عن إمكانية حمل المصحف في اليد، أو حمل جهاز الهاتف النقال المخزن عليه القرآن الكريم، أو وضعه على حامل يُمَكِّن المصلي من القراءة، فاختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: مذهب الجمهور
القول بالجواز إذ لا تبطل الصلاة إذا قرأ المصلي القرآن من المصحف مباشرة لا فرق في ذلك بين فريضة أو نافلة، بين حافظ وغيره، وعند بعضهم اعتمد التفريق، واستدلوا بأدلة نقلية وعقلية وهي:
- من الأدلة النقلية نجد الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: “كانت عائشة رضي الله عنها يؤمها عبدها ذكوان من المصحف” (8) فالحديث يدل صراحة على صحة القراءة في المصحف أثناء الصلاة، فلو كان مبطلاً للصلاة، لما رضيت بذلك السيدة عائشة رضي الله عنها، وكذلك قولهم بأن النظر في المصحف عبادة، والقراءة عبادة، وانضمام عبادة إلى عبادة لا يوجب الفساد (9) بدليل قوله صلى الله عليه وسلم “أعطوا أعينكم حظها من العبادة قالوا يا رسول الله وما حظها منها، قال: “النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه” (10) وسُئِل الإمام الزهريُّ عن رجلٍ يقرأ في رمضان في المصحف، فقال: “كان خيارنا يقرأون في المصاحف“ (11) وقد قيل الختمة في المصحف بسبع؛ لأنَّ النَّظر في المصحف أيضًا عبادة (12).
- من الأدلة العقلية نجد إعمالهم لقاعدة “الوسائل تأخذ حكم المقاصد”، والمقصود هو حصول القراءة، فإذا حصل هذا المقصود عن طريق النظر في مكتوبٍ كالمصحف كان جائزًا؛ بذلك قال الإمام النووي: “لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنْ الْمُصْحَفِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ يَحْفَظُهُ أَمْ لَا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَحْفَظِ الْفَاتِحَةَ كَمَا سَبَقَ، وَلَوْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ أَحْيَانًا فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ” (13) ولأن القراءة في المصحف أثناء الصلاة يعد عملاً يسيراً غير متوالٍ، ولا تشعر بأن المصلي معرض عن الصلاة (14) وقراءة من كان قليل حفظ القرآن من المصحف أسلم من الغلط الذي قد يقع به الذي يقرأ عن ظهر قلب.
القول الثاني: مذهب أبو حنيفة
تبطل الصلاة إذا قرأ المصلي القرآن من المصحف، واستدل على بطلان الصلاة بالقياس لأن المصلي عندما يقرأ في المصحف وهو في الصلاة يحتاج إلى فكر ونظر، وتقليب للأوراق وهذا يعد عملاً كثيراً يفسد الصلاة، قياساً على الرمي بالقوس وهو في الصلاة (15)، ووجه القياس أن تقليب أوراق المصحف في الصلاة عمل كثير، والرمي بالقوس عمل كثير مبطل للصلاة، لذلك هذا التشابه يستدعي قياس الفرع على الأصل لاتحاد العلة، كما أن المصلي عندما يقرأ من المصحف فكأنه يلقن من المصحف تلقيناً، وهذا كأنه تعلم من معلم، وذلك يفسد الصلاة (16) و الراجح والله أعلم خاصة في صلاة النوافل هو عدم بطلان صلاة من يقرأ في المصحف أثناء الصلاة، وذلك لما يأتي:
- أن أدلة أصحاب القول الأول بعضها أدلة نقلية صحيحة ثابتة، مثل حديث ذكوان.
- يعد حمل المصحف في الصلاة من باب العمل اليسير عرفاً، ومن المعلوم أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة.
- ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت العاص وهو في الصلاة (17)، فلو كان ذلك يبطلها لقلنا ببطلان الصلاة بحمل المصحف، مع أن حمل أمامة ليس فيه مصلحة للصلاة، بخلاف حمل المصحف والقراءة فيه فهو يحقق مصلحة حقيقية للصلاة.
- رغبة غير المكثر من الحفظ الغيبي للقرآن الكريم أن يقرأ سوراً لا يحفظها، لزيادة الأجر والثواب بالقراءة من المصحف مباشرة.
- القراءة من المصحف أضمن من حيث الوقوع في الغلط، بخلاف القراءة عن ظهر قلب فهي عرضة للغلط في القراءة.
على سبيل الختم
مما سبق يتبين أن قيام الليل – سواء أكان من حافظ أو من قارئ للمصحف – هو دأب الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين، ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالهم، ويسألونه من فضله، فنفوسهم قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات، بتنويع العبادات المراعية للخصوصيات والقدرات، فلنحي ليالي رمضان لهذا العام في بيوتنا عسى الله أن يفرج عنا الكربات ويرفع الوباء والآفات.
(1) رواه البخاري رقم 36.
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية (34/ 117)
(3) المرجع نفسه
(4) أخرجه الشيخان
(5) أخرجه النسائي في سننه عن سيدنا أي أيوب.
(6) روي ذلك في الموطأ وغيره.
(7) في الصحيحين عن عائشة رضي الله
(8) في صحيح البخاري معلَّقًا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة في “المصنف” (2/ 235)، والبيهقي في “السنن الكبرى” (2/ 253)
(9) حجة الإسلام الغزالي في “إحياء علوم الدين (1/ 229)
(10) رواه البيهقي في شعب الإيمان بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وقيل حديث ضعيف.
(11) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه
(12) الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين باب في ظاهرة أدب التلاوة
(13) الإمام النووي في “المجموع” (4/ 27):
(14) الشربيني ، مغني المحتاج، ج1، ص199
(15) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص236. ابن نجيم، البحر الرائق، ج2، ص17.
(16) ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، ج1، ص672. ابن نجيم، البحر الرائق، ج2، ص17.
(17) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب إذا حمل الجارية في الصلاة