منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من لا يحسن اللسان لا يفهم الشريعة ولا الكلام

0

إن الشريعة إنما وضعت للفهم والإفهام، وخطابها منبعه وأصله القرآن الكريم والسنة النبوية، والقرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء ليبين (لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[النحل: 44]، والتبيين لا يمكن حصوله إلا بلسان المبيَّن الذي هو لسان العرب. قال الإمام الشاطبي: “القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا)[يوسف: 2]، وقال: (بلسان عربي مبين) [الشعراء: 195]، وقال: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ[1] أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)[النحل: 103]، وقال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)[فصلت: 43]، إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب، لا أنه أعجمي ولا بلسان العجم، فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة”[2]. وقال أيضا: “فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه، وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها”[3]، فصارت بذلك معرفة العربية ودَرْكُ ألفاظها ومعانيها من الدين، قال ابن تيمية: “فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلِّغا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتياد التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم”[4]، وأكد فرضية معرفتها على الناظرين في النصوص التأسيسية حيث قال: “اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[5].

نعم إن علوم العربية ليست من علوم الشريعة، ولكن فهم الشريعة متوقف عليها، فهي الوسيلة لفهمها. قال الغزالي متحدثا عن آلتَيْ علم اللغة والنحو: “فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليست اللغة والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما، ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع، إذ جاءت هذه الشريعة بلغة العرب، وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك اللغة آلة”[6].

فالعربية هي المِرْقاة الموصلة لفهم الكتاب، والسبيل الممهدة للمريد تفسيرَ الكتاب المجيد، فمن هجم على الذكر الحكيم مفسرا له، أو السنة المشرفة مستنبطا منها الحِكم والأحكام، بفهمه الكليل، وبصره العليل، ونظره المدخول، دون نهله مما أثله الأقدمون في علوم العربية، وما كشف عنه المحْدَثون تصريفا وتركيبا وأصواتا ودلالة، لم يحظ منهما بكبير طائل، ولن ينقاد إليه الفهم لا طوعا ولا كرها، وسيكون حكمه في ذلك حكمَ من أراد الصعود إلى قُلَّةِ جبل سامق في غير ما سبيل. قال الإمام الشافعي: “وإنما بدأت بما وصفتُ من أن القُرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يَعْلَمُ مِن إيضاح جُمَل عِلْم الكتاب أحدٌ جهِل سَعَة لسان العرب، وكثرةَ وجوهه، وجِماعَ معانيه وتفرُّقَها. ومن علِمه انتفَتْ عنه الشُّبَه التي دخلَتْ على من جهِل لسانَها”[7]. ولقد عانى جار الله الزمخشري اجتراءَ ناس على تأويل الذكر الحكيم، فقال في مقدمة كتابه “المفصل”: “ومن لم يتق الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله وهو غير مُعْرِب؛ ركب عَمْيَاءَ، وخبط خبط عَشْواء[8]، فقال ما هو بقول، افتراءً وهراء، وكلامُ الله منه براء”[9]، بل لا يعرف فضل القرآن الكريم من لم يفهم مذاهب العرب في التعبير، قال ابن قتيبة: “وإنما يعرف فضل القرآن من كثُر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات؛ فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العَارضة[10]والبيان واتساع المجال، ما أُوتِيَتْه العرب خِصِّيصى من الله، لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب، فجعلَه عَلَمه، كما جعل عَلَمَ كل نبي من المرسلين من أَشبهِ الأمور بما في زمانه المبعوث فيه”[11]. وهكذا كل الشريعة، إذ هي عربية، وإذا كانت كذلك، “فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم”[12].

ولقد عقد ابن فارس في كتابه “الصاحبي” بابا في “القول في حاجة أهل الفقه والفتيا إلى معرفة اللغة العربية”، وقال الزمخشري: “وذلك أنهم لا يجدون علما من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها وعلمي تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يدفع، ومكشوف لا يَتَقَنَّع، ويَرَوْنَ الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيا على علم الإعراب، والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين”[13].

وذهب علماء الأصول إلى أنه لا يبلغ درجة الاجتهاد من لم يأخذ من العربية بحظ وافر، بل إن منهم من شرط في المجتهد بلوغه درجة الاجتهاد في علوم العربية مبلغ الخليل وسيبويهِ والأخفش والجَرْمِيّ والمازني[14]، ومنهم من شرط صيرورة علوم العربية له مَلَكَة، ومنهم من تساهل فشرط أن يكون ذا درجة وسطى”لُغَةً وَعَرَبِيَّةً وَأُصُولًا وَبَلَاغَةً”[15].

المزيد من المشاركات
1 من 52

ولقد أفصح الغزالي عما ينبغي دَرْكُه من علم اللغة للمجتهد فقال: “فعلم اللغة والنحو أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفَحْوَاه، ولَحْنِه ومفهومه”[16]، وبيّن أنه لا يشترط التوسع الذي أحدث في علوم العربية، وإنما المعتبر معرفة ما يتوقف عليه فهم الكتاب والسنة حيث قال: “لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد، وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه”[17].

فقوله صلى الله عليه وسلم مثلا: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ)[18] كي يُفهَم صوابا، ويكون الكلام صِدقا، لا بد من تقدير مُقْتَضى، فيكون الكلام المقدر هو: رفع عن أمتي المؤاخذة بالخطإ والنسيان…وهي الدلالة المسماة بدلالة الاقتضاء.

ومن هذا الباب قوله تعالى: (واسأل القريةَ)[يوسف: 82] وهي من قبيل المجازات المرسلة، وهي من الأساليب المعهودة عند العرب، ولذا ذهب عدد من العلماء إلى عدم جعلها من قبيل دلالة الاقتضاء؛ لأن إطلاق القرية مثلا وإرادة أهلها كان ذلك لقرينة عقلية هي المحَلّية، فإرادة المـُشرّع ملحوظة في هذا الاستعمال، فهذا الأسلوب عند بعض الأصوليين يعدونه من قبيل المحذوف لا من قبيل المُقْتَضَى.

وكقوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)[آل عمران: 159]، فالأمر بالشورى جاء بنص صريح، وفيه إشارة إلى ضرورة تأسيس مجلس للشورى واختيار من يكون فيه بدلالة الإشارة.

ومن ذلك أن نفهم من قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)[الإسراء: 23] النهي عن جميع أنواع الإيذاء المباشر في حق الوالدين، وهو المسمى بمفهوم الموافقة أو دلالة النص عند الأحناف، قال الغزالي: “فلولا معرفتُنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع الضرب والقتل من منع التأفيف”[19]، فالتأفيف والضرب والقتل للوالدين مشتركة في الأثر وهو الإذاية على تفاوت بينها، والأثر هو علة الحكم والسبب الموجب له، وهو ما يسمى بروح النص أو معقوله أو معنى معناه.

ومن ذلك (سَبْعِينَ مَرَّةً) في قوله تعالى: (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ)[التوبة: 81] فإنه غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ الْمِقْدَارُ مِنَ الْعَدَدِ، بَلْ هَذَا الِاسْمُ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى الْكَثْرَةِ، ولذا لا يؤخذ بمفهومه، إذ من شروط الأخذ بمفهوم المخالفة عند من يقول به أن لا يكون قصد الشارع تعظيم شأن الحكم والتنويه بحميد فعله، كما في هذه الآية، قَالَ الزمخشري: “السَبْعُونَ جَارٍ مَجْرَى الْمَثَلِ فِي كَلَامِهِمْ لِلتَّكثيرِ”[20]، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ»[21].

ومنه معرفة الناظر في النصوص الشرعية أنه إذا كانت النكرة في سياق النفي أو شبهه أفادت العموم، كالنكرة في سياق الاستفهام مثلا في نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ)[فاطر: 3]، أي لا خالق ولا رازق غيره سبحانه، وهو استفهام إنكاري، وربما أفادت النكرة في سياق الإثبات العمومَ بمجرد دلالة السياق كقوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) [التكوير: 14] و(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)[الانفطار: 5] بدليل قوله تعالى: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ)[يونس: 30].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

وإذا كان في اللفظ إجمال أي تردد بين احتمالين فأكثر على السواء، فهذا التردد قد يكون من جهة الوضع كـ(مِنْ) في قوله تعالى: (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ)[المائدة: 7] محتمِلَة للتبعيض، فيشترط ما له غبار يعلق في اليد، ومحتملة لابتداء الغاية فلا يشترط.

إن دلالة الألفاظ هي من أهم المباحث الأصولية، ومباحثها منها ما له صلة بعلم النحو كبعض صيغ العموم، مثل أسماء الشرط والاستفهام، والأسماء الموصولة، والنكرة في سياق النفي وشبهه، والجمع والمفرد المُحليَيْن بأل، والفعل الواقع في سياق النفي أو الشرط، وبعض المخصِّصَات المتصلة كالاستثناء والحال والبدل، ومنها ما له صلة بعلم التصريف كأبنية الكلم التي لها أثر في أسباب الإجمال، ومنه ما له صلة بعلم البلاغة كالحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، ومنه ما له صلة بفقه اللغة كمسألة الوضع.

إن علوم العربية آلة لفهم الخطاب، وليست دراستها مقصودة لذاتها، وبالتالي ينبغي عدم الخروج بها عن مقصودها وغايتها. قال الغزالي: “ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلبا للاستقصاء، فإن العلم كثير، والعمر قصير، وهذه العلوم آلات ومقدمات، وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها، وكل ما يطلب لغيره فلا ينبغي أن يُنسى فيه المطلوب ويستكثر منه. فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم منه كلام العرب وتنطق به، ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث، ودع التعمق فيه، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة، فما من علم إلا وله اقتصار واقتصاد واستقصاء “[22].


[1] – يميلون إليه ويهوَونه

[2] – الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي ص: 255

[3] – الاعتصام للشاطبي 2/805

[4] – اقتضاء الصراط المستقيم ص: 162-163.

[5] – نفسه ص: 207

[6] – إحياء علوم الدين 1/32

[7] – الرسالة ص: 50.

[8] -العشواء: الناقة التي لا تبصر قدامها فتخبط كل شيء .

[9] – المفصل في صنعة الإعراب ص: 19. ينظر شرح الخوارزمي للمفصل 1/141.

[10] -القدرة على الكلام

[11] -تأويل مشكل القرآن ص: 17

[12] – الموافقات ص : 789.

[13] – المفصل ص: 18، ينظر شرح الخوارزمي 1/141

[14] – ينظر الموافقات ص: 790.

[15] – هو قول تاج الدين السبكي في جمع الجوامع، ينظر حاشية البناني على شرح المحلي جمع الجوامع 2/383

[16] – المستصفى 2/386

[17] – نفسه

[18] – قال الزيلعي في نصب الراية 2/64: “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ”، وَهَذَا لَا يُوجَدُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ لَا يَذْكُرُونَهُ إلَّا بِهَذَا اللفظ، وأقرب مَا وَجَدْنَاهُ بِلَفْظِ: “رَفَعَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثًا”، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي “الْكَامِلِ” مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ…، وَأَكْثَرُ مَا يُرْوَى بِلَفْظِ: “إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ”

[19] – المستصفى 2/195

[20] – الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل 2/295.

[21] -سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم: 3097.

[22] – إحياء علوم الدين 1/62

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.