منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ذكريات مهاجر سري فاشل (2)

ذكريات مهاجر سري فاشل (2)/ عبد الرحمان لبان

0

ذكريات مهاجر سري فاشل (2)

بقلم: عبد الرحمان لبان

ذكريات مهاجر سري (1)

 

لم أعرف كيف ذاع صيت ما وقع في تلك الليلة العصيبة، حيث وصل خبر ما عشناه من مأزق هنا بتونس الزيتونة إلى الأهل بالمغرب؛ فرفيقي لم يستسغ طريقة الهجرة.. هو أكبر إخوته، ومن خطط لهذا الأمر أخوه الأصغر، كان ينفث غضبه بين الحين والآخر، خاصة بعد لحوقي به في السجن المحلي لمدينة مكنين.

كان نصيبه الوقوع بين يدي الشرطة قبلي، بعد هجومها المنظم على تجمعنا غير الشرعي بإحدى الغابات المتاخمة لمدينة مكنين التونسية الهادئة، التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى أهم نقاط العبور للفردوس الأوروبي؛ اعتقال ترك في نفسه جروحا عميقة، فاقت مخلفات المحاولة الفاشلة التي لامسنا فيها الضفة الإيطالية قبل أيام، كان الاعتقال مهينا ومشينا، لم تندمل جروحه الغائرة في قلبه إلى الآن، وقد مرت ثلاثون سنة ونيف على ما حدث.. فكلما التقى بي يمم وجهه لجهة أخرى، كأنه لا يعرفني، أو لا يريد ذلك!…

اعتقل هو تلك الليلة، حيث نال صنوفا من العذاب، خاصة في دولة بوليسية تتقن فن التعذيب النفسي، ربما حز في نفسه نجاتي ووقوعه بين يدي المهاجمين، وأنا الذي لم يكن حظي أحسن منه؛ إذ كنت عرضة لكل مكروه.

لم يعلم أنه بعد تلك الليلة المتقلبة المزاج، وطلوع شمس اليوم الموالي، تدرجتُ بحثا عن مكان أذهب إليه، فأنا في أرض لا أعرف فيها أحداً، ولا أحمل معي دينارا ولا درهما، فقد فكرت في صعود شجرة والاحتماء بها إلى حين، ثم قررت التحرك… أرض وشجر وحقول، حيث لا تعلم ما تخبئه لك الساعات القادمة.

بينما أنا في حركة دائمة إذا بي أبصر طريقا… أسرعت الخطى كالباحث عن الماء في صحراء قاحلة.. طريق تعني لي الخروج من دوامة قد تستمر ليوم كامل، وصلت إلى قارعة الطريق، فإذا بعلامة مكتوب عليها مدينة سوسة 40 كيلومتر، وقفت متأملا العلامة، كيف الوصول إلى هذا المبتغى على الأقدام؟.. كم ستكون المدة؟.. ثم حولت وجهي نحو الجهة الأخرى، فإذا بي أرقب بنايات، وصومعة مسجد شاهقة ترحب بالقادمين، تبعد عني بحوالي ثلاثة كيلومترات، قصدت مكان تلك الأبنية، ودخلت المدينة وحدي باكرا.

دخول باكر لمدينة شبه خالية، إلا من مارة قليلين. وبينما أحاول الخروج من الشارع الرئيسي إلى أول زقاق يقابلني، وجدت سيارة مدنية بجوارها شرطيان، حاولت التظاهر بعدم الاكتراث وشققت طريقي، فاكتشفت بعد لحظات أن وجودهم هناك كان لمهمة محددة، ستبين لي ما وقع ليلتي السابقة، استوقفاني وطلب مني أحدهما البطاقة الوطنية، أعطيته جواز سفري، فكان جواب الشرطي:

  • هذا مغربي !… ما جاء بك إلى هنا؟… تريد “لحريك”؟.

تفضل.. ادخل السيارة…

فكان الاعتقال مصيري، بعد عملية هروب لم تكتمل حلقاتها، لم أكن الوحيد المعتقل؛ إذ ساق مغربي آخر حظه العاثر، ليكون ثاني اثنين. لم يشهد المسكين ما وقع، ولم يكن من أبطال ليلتنا المشهودة، تهمته جنسيته المغربية، زجت به في غياهب السجن، لم يكن استجوابي طويلاً من طرف الشرطي في مركز الاعتقال الأول. هددني بادئ الأمر وتوعدني:

  • تريد لحريق، يا ابن …

صفعني بجواز سفري الذي لا زال يحمله في يده، وكان جوابي:

  • لا… جئت لأبحث عن بعض معارفي، وأي أحداث تتحدث أنها وقعت في هذه المدينة أو ضواحيها، فلا تربطني بها علاقة.

بعدها أحسست بتغيير في المعاملة، خاصة بعد دخول منظفة المركز الأمني، رقت لحالي، شاب في مقتبل العمر، بملامح يتدفق منها خجل من لم يخالط الناس، همهمت في أذن رئيس المركز الأمني، خرجت مسرعة، ثم عادت للتو تحمل طعاما محليا من صنع يدها، وهي تحثني على تناوله، وتقول لي:

  • إذا تذوقته لا يقربك جوع بعدها يا ولدي !…

تغيرت المعاملة، ونزل اللطف الرباني، وتحول الضغط جهة رفيقي في الاعتقال.. أسئلة متلاحقة يوجهها له رئيس المركز:

  • من أنت؟… لماذا جئت إلى هنا؟… لماذا فررت البارحة عندما حاصرنا الغابة؟…

والمسكين يحلف بأغلظ الأيمان، أنه مغربي يعمل في هذه المدينة، وأن خروجه هذا الصباح كان غرضه التوجه إلى عمله… من يصدقه، فلقد تم اقتيادنا جميعا إلى المركز الإقليمي الأمني. وهناك سيبدأ فصل جديد من الاعتقال.

مباشرة بعد دخولنا، أمرنا المسؤول الأمني بتسليمه كل شيء معدني نحمله معنا… يتحدث بعنجهية الشرطي… وحزام السروال… وكل ما تحمله في محفظتك، ثم بدأ مسلسل الاستجوابات، لم يدققوا كثيرا معنا، حيث إنهم قضوا ليلة بيضاء مع من سبقنا في الاعتقال، لم تبقَ لهم قدرة ليستمروا على نفس النهج، وبعدها أدخلوني ورفيقي إلى زنزانة، لأجد محمداً ومعه المجموعة التي اقتيدت بالأمس في الغابة، قابعين في الزنزانة يفترشون حصيرا من الدوم، وأثر الإعياء باد على محياهم… ما أن رآني محمد حتى انتفض من مكانه شاكرا الله على ملاقاتي، وهو يردد أمام المعتقلين:

  • هذا الشاب أمانة أودعنيها والده. وأحمد الله أن جاء به إلي، وكل بتدبير من حكيم عليم…

استمر السجن خمسة أيام كاملة طفت فيها على ثلاثة مراكز اعتقال، قبل أن ندخل لدهاليز محكمة سوسة التي يزكم مخفرها الأرضي الأنوف.. خمسة أيام من حرب الشائعات والترهيب النفسي، عشت لحظاتها بقلب مطمئن. كان معي بالسجن شرائح مختلفة: عدل موقوف، عامل بالمنجم، حرفيون وآخرين لم أعد أذكرهم. وكنا محظوظين بوجود زعيم عصابة التهريب معنا، جاء بتهمة أخرى، وهي التي كانت سبب اكتشاف أمرنا.

بينما نحن نقضي ليلة ويوماً كاملاً في انتظار الشاحنات لنقلنا لشاطئ البحر، كان المهربون يقضون ذلك اليوم في لهو وعبث. تسرب خبر يومهم الباذخ إلى البوليس، فهجموا على مكان سهرتهم؛ رجال ونسوة في اختلاط غير مرخص، موسيقى وخمر، وبيت معد لنشاط غير قانوني، ساقوا النسوة، فبدأن يصرخن، وعللوا أن وجودهم بهذا المكان من أجل الهجرة السرية، والدليل أن بعض أقاربهم في الغابة ينتظرونهم، حيث وجودهم في هذا المكان مجرد محطة تنتظر إشارة الانطلاق… وهنا تعقدت الأمور، واكتشف الأمن عملية الهجرة السرية، وصدرت في الحال الأوامر الأمنية بمحاصرة الغابة، واعتقال من فيها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.