منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تطورات الإعلام في زمن كورونا COVID 19 من الصّدى إلى التوازي والإحلال

عبد القادر الدحمني

0

 

لقد بات في حكم المؤكد أن انتشار وباء كورونا COVID 19 سيقود العالم إلى مرحلة جديدة على كل المستويات، ستتغيّر فيها الكثير من الرؤى والمفاهيم والأفكار، كما ستتغير أشكال التفاعل الإنساني وسلم أولوياته تبعا لتغيّر أنماط حياته وبنية تمثّلاته للعديد من المواضيع والمجالات. ولا شك أن الإعلام من الواجهات التي سيتقوّى دورُها بشكل أكبر وأوسع لما صار يشكّله من معطى فاق كونه مجرد منصة لتبليغ الخطاب أو صناعة التأثير، أو مجرد وسائط ووسائل لتسهيل التواصل وتبادل الخدمات، إلى كونه صار يشكّل فضاءً موازيا للحياة الواقعية، يقوم بنقل كل تفاصيلها إلى عوالمه ومنصّاته، أي إلى أفضية بديلة تشكل عوالم موازية للحياة العامة، بل الأخطر من ذلك، أنه صبغها بصبغته وخلّصها من العديد من اشتراطاتها الميدانية، ولم يعد مجرد وسيلة محايدة ذات طبيعة آلية، بمعنى أن الإعلام استطاع أن يصبح واقعا جديدا موازيا، بل بديلا في كثير من الأحيان صار يحلّ محلّ الواقع العيني الملموس في الكثير من جوانبه.
فما هي أبرز التغيّرات التي حصلت في المجال الإعلامي نتيجة انتشار كورونا COVID 19 وفرض الحجر الصحي في بعض الدول؟

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

 

انزياح تمثّل الإعلام في الأذهان عن صورته التقليدية:

إن بنية الإعلام بمفهومه الجديد الذي زادت من ترسيخه مضاعفات انتشار وباء كورونا COVID19 في العالم، وفرض الحجر الصحي في معظم دول العالم، تشكل تحديا حقيقيا يجب التعاطي معه بنظرة جديدة وبوعي استراتيجي يتجاوز مخلّفات التّمثّل الذي كرّسه عهد وسائل «الإعلام الجماهيري» في تواصله العمودي البائد. فقد غدا الإعلام مُنْطَلَقًا حيويّا ولم يعد شكلا موازيا يغطي الأحداث وينقل الأخبار ويقوم بالدعاية، أي أنه انتقل من دور التابع الذي يشكّل مجرد صدى لما يحدث في الواقع، إلى معطى أولي يفرض ردّ فعل واقعي.
وهو الأمر الذي بدا واضحا في كون التدخل لتصحيح بعض الاختلالات لم يكن نتاج استراتيجيا سياسية بل بسبب الضغط الذي تسبّب فيه الإعلام الجديد، فكثير من عناوين الجرائد الورقية صارت مجرد تكرار وصدى لما يروج ويعوج في منصات التواصل الاجتماعي، مسايرة لاهتمامات الناس وقضاياهم التي صاروا يعبرون عنها بأنفسهم ويدافعون عنها بأصواتهم، وهو ما أسهم في تطوّر تمثّل مفهوم الإعلام ووظائفه في الأذهان، بحيث انتقل من كونه مجرّد منصة لإرسال الخطاب وتلقيه، إلى متدخل في صناعة الخطاب وموجّه له في نفس الآن، ووسيلة للكسب المادي والتأثير غير التقليدي (ظاهرة التكسّب من عدد مشاهدات اليوتوب، ظاهرة البوز..).
إن التغيّر الذي طرأ على تمثّل مفهوم الإعلام بأبعاده المختلفة يظهر بشكل جلي في الانتقال من اعتبار منصّات التواصل الاجتماعي وسيلة للعبث وتضييع الوقت، إلى فضاء يمكن توظيفه فيما يعود بالفائدة، ليس فقط على مستوى تلقّي الأخبار وتداولها فقط، بل على مستوى إثارة القضايا الحقوقية والإنسانية، والإفادة من مجموعات الدراسة والبحث والتخصصات واللغات المختلفة، فقد تحوّلت العديد من الصفحات الفيسبوكية والمجموعات إلى أفضية لتلقّي الثقافة والمعرفة والتوعية والإسهام فيها، وإلى منصات للدروس التعليمية ومنابر للخطابات الدينية والسياسية، وهو الأمر الذي وفّر مادة إعلامية متنوعة نافست بشكل كبير الوسائل والمنصات الإعلامية التقليدية بما فيها الإعلام الرسمي.
لقد ازدادت أهمية الإعلام وتضاعفت فعاليته مع انتشار وباء كورونا COVID 19 في العالم وفرض الحجر الصحي، ليس فقط لأنه شكّل أداة توعية وتحذير وتعبئة وتداول للخبر والمعلومة، بل لأنه صار النافذة الوحيدة التي يطلّ منها الإنسان ليرى ما يجري حوله، وليتواصل مع الآخرين، وليعبّر عن مطالبه ورغباته وتخوفاته، أي أنه أصبح فاعلا اجتماعيا حيويا، وامتدّ ليحتلّ مساحة أكبر في الحياة، حتى أنه صار بمثابة شريان هذه الحياة، تتعطّل إذا افتقدته (انقطاع الأنترنيت يشكل أزمة الآن)، ونحن هنا نتحدث عن الإعلام في بعده الرّقمي الاتصالي وفي أبعاده التواصلية أيضا.
إن تطوّر مفهوم الإعلام واكتشاف المجتمع لقوّته، وتضاعف انخراط الجميع في صناعته وتوجيهه بما يخدم قضاياهم ويعبّر عن هوياتهم وعن توجهاتهم وخياراتهم، يشكل عاملا ثوريا حقيقيا يخلخل بنية سلطة المعرفة وسلطة التوجيه التي كانت تحتكرها الدولة، ويجعل من رهان إعادة التوازن للإعلام الرسمي، وفتح المجال الإعلامي أمام مختلف القوى الشعبية ومكوناتها الثقافية والسياسية وحساسياتها الفكرية والإيديولوجية، مدخلا من مداخل رأب الصدع في أفق عقلنة المشهد الإعلامي من زاوية الحرص على التعددية والإثراء والتكامل، لا من زاوية الضبط والتحكّم والخنق، لأن كل منع لا يطرح البدائل المعقولة مآله الفشل، وكل حصر لا يوفر القنوات المنطقية لتصريف هذا النهر الإعلامي الجارف، لا يسهم سوى في صناعة تقاطب إعلامي لن يكون في صالح منطق الاستقرار والبناء المرجوّ.

تراجع منسوب التفاهة والتسطيح:

تعتبر المشاعر مدخلا أساسيا لمخاطبة الإنسان وتوجيه سلوكه، وبوابة جد فعّالة لتمرير الخطابات وصناعة التأثير عبر الانتقال من دغدغتها واستثارتها إلى تمرير الرسائل واستمالة المواقف وممارسة التحريض أو التعييب والشيطنة. ولذلك فإن وسائل الإعلام غالبا ما تراهن على هذا المدخل كي تجلب انتباه الناس وتضاعف من قُرّائها أو مشاهديها وتسهم في صناعة الرأي العام المستند بشكل كبير إلى الاعتبارات النفسية والاجتماعية. وهي ظاهرة كانت قد حادت إلى وقت قريب عن الحد المعقول من الرغبة في الاستمالة، إلى درجة ممارسة الكذب الصراح والبهتان، وتوظيف التهويل والإثارة واللعب على العواطف وتحريض المخيلة، وإثارة البعد النفسي والاجتماعي من زواياه الدنيا واهتماماته الهابطة. وبالتالي فإن عددا كبيرا من المنابر قد سقطت في منطق البروباغاندا الفارغة التي تثير الفزع ولا تقدم الحقيقة، بل تنزاح عنها صوب الظنون والتجنّي. (العناوين المثيرة الكاذبة، الصور الخادعة…)، بشكل يسهم في التلاعب بسلم أولويات المتلقي، ويتسبب في خلق ذائقة إعلامية رديئة، تروم الإثارة وتتعلق بالتفاهة وتنحرف بوظيفة الإعلام عن دور الإسهام في البناء، والدفع في اتجاه التأسيس لحياة ديمقراطية كريمة، ودعم الاستقرار الإيجابي، وشحذ الشعور بالمسؤولية والواجب، إلى أدوار الإغراق في اللهو، وسطحية تناول القضايا، وغياب التعاطي مع أسئلة الواقع الحقيقي للناس.
وقد شكل حدث انتشار كورونا COVID 19 لحظة مفصلية، استعاد فيها المتلقي زمام ترتيب أولوياته الإعلامية على مستوى التلقّي، فبات يبحث عمّا يريد لا ما يتم فرضه، مدفوعا بغريزة الخوف، والرغبة في إدراك أفق الأحداث ومساراتها، وفق بوصلة تأمين وجوده الفردي من جهة، والإسهام في حماية محيطه الاجتماعي من جهة ثانية، وهو ما جلعه يتحرّى المعلومة الصحيحة والخبر الصادق، فلم يعد تهافت المنابر والمواقع والقنوات التي كانت تعتمد على التهويل والفبركة والإشاعة وعدم مطابقة العناوين للمحتويات، والانحراف عن التناول المهني والموضوعي، وتصيّدها للتصفّحات والنقرات والإعجابات، حاجزا أو مانعا من أن تستعيد المواقع الجادة والقنوات الرصينة قوّتها وجاذبيّتها التي تستند بشكل أساسي على قيمة المنتوج الإعلامي الذي يمتاز بالمصداقية والجودة ودقة المعلومة وتوازن التنازل ومهنية الأداء، ولا زالت الفرصة سانحة لكي تترجّح كفّة الأداء المهني ومطلب الجودة والمضمون الجاد والرسالة النبيلة، بشكل أكبر وأقوى وأنجع.
ولا تخفى على المتتبّع الإرادةُ التي كانت تدفع وتموّل بسخاء وتشجّع خيار التّتفيه والتسطيح وتحريف النقاشات العمومية المطلوبة، وهو الخيار الذي لم يكن يخدم سوى استدامة وضع التسلط وتأبيد السيطرة والاحتكار، بعيدا عن وعي متنامٍ من المفروض أن تسهم في دعمه وتطويره وسائل الإعلام الحرة والمستقلة، كما عاشت ذلك العديد من تجارب البناء الديمقراطي في العالم.
كما يُعزى انتشار التفاهة والسطحية والتجاوزات المختلفة بشكل كبير في الإعلام الاجتماعي الموازي إلى تدنّي مستوى التلقّي الإعلامي الناتج أساسا عن ضعف حصيلة التعليم والتوعية من جهة، ومن جهة ثانية، يرجع الأمر كذلك، إلى أنّ نسبة كبيرة من صناع المحتوى في الإعلام الموازي مجرد هواة ولا يتوفرون على مستويات تعليمية عليا ومؤهلات ثقافية معتبرة.

غزارة الإنتاج وتطوّر أشكال التلقّي:

اتسم الإنتاج الإعلامي في ظل الحجر الصحي بغزارة المحتوى، كما اتسم في غالبيته العامة بالتركيز على الخطر المهدد وباء كورونا COVID 19، وبالتالي فقد ارتبطت أغلب المواضيع بكورونا، وحتى بعض المحتويات والمواضيع البعيدة نسبيا عن الوباء سعت للارتباط به والتمسح بعباءته من أجل اصطياد المتلقي، باستثناء عدد من البرامج التي ظلّت بعيدة عن أجواء الحدث وتداعياته النفسية والاجتماعية، وشكّلت نوعا من الاستفزاز الواضح لفئات اجتماعية كثيرة. (نموذج سهرات غنائية بثتتها القنوات التلفزية الوطنية في ظل تضاعف وفيات كرونا بالبلد).
ويمكن الإشارة كذلك على مستوى الإعلام الاجتماعي، إلى سيادة نوع من التسرّع والتضارب في المحتويات المتعلّقة بكورونا COVID 19، بحيث تميّزت الأخبار والمعلومات المنتشرة بغياب الدقة ّأو ضعفها في أغلب ما تم تداوله، خاصة فيما يخص أصل الفيروس وطرق انتشاره، وهو ما يطرح ضرورة اللجوء إلى ذوي التخصص في كل مجال، وإتاحة الفرصة لهم، الشيء الذي بدأت الكثير من صفحات الإعلام الاجتماعي ومنصات اليوتوب في تداركه.
ويمكننا القول كذلك بأن الإنتاج الإعلامي الرسمي المرتبط بالتوعية الفعالة وسرعتها اللازمة، كان متواضعا جدا، إن لم نقل ضعيفا ودون التطلعات، بالمقارنة مع حجم الإمكانيات البشرية والمادية واللوجستية المرصودة له، وبالمقارنة مع الصناعة الحرة للمحتوى في منصات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك واليوتوب والواتساب والأنستاغرام وزوم وغيرها، والتي كانت أسرع وأنجع وأشمل في الوصول إلى عدد كبير من المواطنين رغم كل الملاحظات المسجلة عليها.
لقد وجد الإعلام الرسمي نفسه متأخرا عن مواكبة الاحتياجات الإعلامية الملحّة، لاعتماده بشكل كبير على آليات الإنتاج التقليدية من جهة، ومن جهة ثانية لارتهانه إلى نفس الرؤية الأحادية التي تحكم الخط التحريري العام الذي لم يتحرر من إصر الرقابة ولم يخرج من عباءة الخطاب العمودي المتخوّف من الصوت المختلف، والمتوجّس من أية صورة تبرز تقدّم الديناميات الاجتماعية المدنية وجرأتها وقوتها الاقتراحية والعملية بالمقارنة مع التدبير الرسمي للدولة في كثير من المجالات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، غياب التفاعل الجاد مع الابتكارات الكثيرة التي كان أبطالها باحثون شباب ومغاربة غيورون لم يتأخروا في التفاعل مع إكراهات الوضعية وواصلوا الليل بالنهار ليقدموا شيئا لهذا البلد.
وعلى مستوى التلقّي كذلك، لا بدّ من الإشارة في البداية إلى أنّ ارتفاع نسبة التصفح والمشاهدة في ظل الحجر الصحي راجع بشكل كبير إلى انتشار الهواتف جغرافيا وفئويا، واتساع دائرة الربط العام بالشبكة العنكبوتية، ولو أن كلفتها لا زالت مرتفعة مقارنة بمستوى الدخل الفردي، ومقارنة مع دول أخرى اتخذت إجراءات تخفيض الكلفة أو الإعفاء التام منها في ظل ظروف استثنائية يمر منها المواطنون. كما يرجع ارتفاع نسبة الولوج والمشاهدات إلى لزوم نسبة كبيرة من الناس لبيوتهم، وسعيهم إلى البحث عن حقيقة ما يقع وتتبع مختلف التطورات ذات العلاقة.

إكراهات تأهيل الأداء الإعلامي بين ضعف الوعي وصعوبة الممارسة:

لقد بات من عادة المتتبعين إرجاع سبب انتشار الشائعات بشكل أساسي إلى ضعف مستوى الوعي، وعدم تثبت بعض وسائل الإعلام ووسائطه وهي بصدد البحث عن السبق الإعلامي، كما يتم ربطها أحيانا بتهور بعض الشباب بسبب عدم تقديرهم للعواقب، وطغيان التسيّب وعدم تقدير حجم خطورة تلك الأفعال، وهي الحقائق التي ينبغي أن تأخذ حجمها الطبيعي، لنتساءل عما يتسبّب فعلا في انتشار الشائعات ومن يهيئ لها أرضية الانتشار والانتعاش والتقبّل.
لقد أثار ما سمي بمشروع قانون تكميم الأفواه 22.20 الذي صادقت عليه الحكومة المغربية في أواسط مارس الماضي، قبل أن تضطر لتأجيل النظر فيه إلى ما بعد انتهاء حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي، قضية الحق في الحصول على المعلومة وتسهيل الولوج إليها بطريقة واضحة، إذ تم انتقاد الحكومة بشكل واسع، ليس فقط لأنها استغلت ظرفا استثنائيا لتمرير قانون يتعارض مع المبادئ الدستورية المعلنة، ويحتاج إلى نقاش عمومي كبير، بل لأن تمرير مشروع القانون كان بطريقة سرية ومهرّبة، بحيث لم يتم الكشف عنه إلا عبر تسريب لأحد الناشطين، وهو ما يعد خرقا كبيرا لحق الاطلاع على المعلومة وإمكانية الولوج إليها ولزوم توفيرها للعموم.
وهو نفس الأمر الذي تعرضت فيه الحكومة وبعض وزاراتها للانتقاد بسببه، على خلفية شح المعلومة، وصعوبة الوصول إليها، والبطء الكبير في إخراجها في أحسن الأحوال، وهو ما أدى ويؤدّي إلى تغطية الفراغ المتروك، بظهور الشائعات وانتشارها الواسع مع ما يشكله من خطورة على صحة المواطنين وحياتهم، ويؤثر على معنوياتهم في وقت يُطلب إليهم التركيز والصمود والتكافل والتجاوب.
ففي الوقت الذي ترتفع فيه بعض الأصوات من أجل عقلنة المشهد الإعلامي والقضاء على بعض ظواهره السلبية، خاصة فيما يتعلق بانتهاك الحياة الخاصة والابتزاز ونشر الشائعات، تتدخل السلطة بمنطق راديكالي تقليدي يهدف إلى تجريف المشهد برمّته، والسماح فقط لأبواق الدعاية والتمجيد بالاستمرار، وهو الخيار الذي يتغافل عن دور الدولة في تشجيع التفاهة من خلال المنابر الرسمية، وإباحة تتبّع الحياة الخاصة، ولو للمشاهير الذين صنعهم ذلك الإعلام نفسه، كما يتم إهمال دور الدولة في ترشيد الممارسة الإعلامية بإعطاء النموذجية، والإسهام في تأهيل الحقل الإعلامي بشكل عام، عبر إعادة الاهتمام بالبرامج الثقافية والتوعية الجادة، وإتاحة باب الممارسة المهنية لعدد كبير من الممارسين الذين تم إقصاؤهم طبقا للمدونة الجديدة، وهو ما نؤشر عليه بعدد المواقع المحلية التي أغلقت بشكل نهائي، أو جمّدت عملها في انتظار النظر في الإجراءات المعقدة للممارسة المهنية التي فرضتها المدونة، والمساطر التعجيزية التي تعترض الكثير من المشتغلين بالمجال، إضافة إلى النظرة الدونية إلى الصحافة المستقلة، والتي تفضحها العديد من الممارسات القريبة، كالاعتداء على صحفيين وهم يمارسون مهمتهم، والبلاغ الذي حرم أغلب صحفيي القطاع الخاص من العمل ليلا في ظل حالة الطوارئ الصحية، في مقابل السماح لصحفيي الإعلام الرسمي وجزء ضئيل من الخواص، وهو الأمر الذي أثار ضجة واستياء كبيرين وسط الإعلاميين، وبين بجلاء حقيقة الرؤية التي تمتلكها السلطة إزاء الصحافة مع كامل الأسف، مما استدعى تصحيحه بعد لَأيٍ.

توتّر العلاقة بين السلطة والإعلام:

إذا كانت العلاقة بين السلطة مبنية دوما على التوجّس والرقابة، فإن هناك فترات ارتاحت فيها السلطة قليلا بعد أن كبحت جماع الصحافة المستقلة، وضبطت إيقاع ما تبقى منها عن طريق التحكم في صنبور الدعم والتمكين من صفقات الإشهار والاحتضان، وقد سعى النظام المغربي إلى المبادرة بشكل مبكر لاحتواء تطور وسائط الإعلام وانتشار منتديات التواصل الاجتماعي وما قد تشكله من خطورة على سياسته، عبر محاولة التحكم في مجموعة من الهياكل الناشئة للصحافة الإلكترونية والسعي إلى اختراق تشبيكاتها المختلفة، وهو ما تُوِّج بطرح مدونة الصحافة والإعلام في خطوة هدفت إلى فرض مجموعة من الشروط والعوائق أمام الممارسة الإعلامية المفتوحة التي شوّشت كثيرا على سياسته قبل 20 فبراير 2011 وما تلاها من سنوات.
غير أن واقع الإعلام الذي كانت الإدارة تسعى إلى توجيهه رسميا وبشكل كلّي، والذي كان يتم تدبيره بنفس منطق وسائط الاتصال الجماهيري كالإذاعة والتلفزيون في عهدهما الزاهر، بحيث كانت تبث الرسالة الجاهزة المعدّة من جهة واحدة والمتجهة لمتلقٍّ سلبيّ قهرا وواقعا، تغيّر بشكل كبير، مرورا بنشأة الصحافة المستقلة التي قاومت ضربات المنع والوأد لأكثر من عقدين (الأحكام الشهيرة بالغرامات الخيالية، وحكم المنع من الكتابة..) وانتقالا إلى إعلام جديد بمنطق مغاير، بحيث صار هذا الإعلام الجديد يشكل إعلاما موازيا لما تنتجه الدولة وأدرعها، وهو إعلام يسهم في إنتاجه الشعب أفرادا ومجموعات، عبر صيغ وأشكال جديدة ومتجددة وغير معهودة، ويحمل خطابا مضادا لا ينخرط في أجندة السلطة، بل يسلط الضّوء على قضايا لم تكن تُعيرها وسائل الإعلام الرسمية اهتماما كبيرا، أو أنها كانت تغيّبه بشكل تام، والأدهى من ذلك أن الإدارة لم تعد تعرف بتاتا اتجاهات رياحه، ولا منطق اشتغال بوصلته.
إذا كان كل نظام يرتكز في تدبيره للسلطة على مرتكزين اثنين: القوة المادية المجسَّدة في الجيش والشرطة والسجون وكل أدوات الإكراه، ثم القوة الناعمة المتمثّلة في الإيديولوجيا التي يحكم بها، والتي تعدّ المدرسة والإعلام مرتعها الحيوي، حيث يتم تمرير الإيمان بمشروعية النظام، وترسيخ عقيدة التماهي معه وعدم الانفكاك عنه، فإن أحد أهمّ هذين المرتكزين قد تم تقويضه بشكل كبير، من خلال الانفتاح الذي وفّرته شبكة الأنترنيت، بإشاعتها للمعرفة، وإتاحتها فرصة الاطلاع على ما يجري في العالم من تطورات في مختلف المجالات، وهو ما خلق لدى الأنظمة السلطوية التقليدية أزمة حقيقية من جهة تأطير المجتمع وفق إيديولوجيتها المركزية. ففي الوقت الذي كانت تتحكم فيه بما يمكن أن يقال للشعوب، في التوقيت الذي تريد وبالشكل الذي يناسب، وتُقصي من تشاء وتغيّب من تشاء وتبخّس من تشاء، صار بإمكان أي مواطن أن يحمل هاتفَه ويبثّ بشكل مباشر خطابه للآلاف، دون أن يطلب ترخيصا أو يؤسس حزبا أو يحمل كرسيا أو يغادر بيته.
ويلاحظ أن هناك موجة كبيرة للنزوح نحو تنظيم الأنشطة الثقافية والفكرية والسياسية عن بعد، بتوظيف منصات التواصل الاجتماعي بمختلف مستجداتها (الفيسبوك والزوم وغيرهما)، وهي الظاهرة التي باتت تثير أكثر من سؤال، سوسيولوجيا وإعلاميا وسياسيا كذلك. فهل يتعلّق الأمر باحتقان اجتماعي عام وجد متنفسا للتعبير عن نفسه بعيدا عن اشتراطات السلطة وتضييقاتها ومعايير قنواتها وأفضيتها العامة؟ أم هي دينامية سياسية جديدة اكتشفت فعالية الإعلام في الوصول إلى المتلقي/ المواطن بأقل كلفة وأقل جهد وبدون عوائق؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون نفورا من أشكال العمل القديمة وصيغها المتجاوزة، التي فقدت بريقها وجدواها؟
كما أن النظام اتجه إلى التعاطي مع المساحة المتزايدة التي يشغلها الإعلام الموازي في التأثير على الرأي العام وصناعة المحتوى بمعايير لا توافق معايير السلطة واشتراطاتها، عبر ثلاثة تدابير أساسية:
عبر محاولة استصدار قوانين تعقّد الممارسة الإعلامية وتجعلها ضربا من المستحيل.
عبر محاولة التضييق على هذه المساحة المتاحة عبر التشويش على الفاعلين والرموز من جهة (عبر التشويه والتخوين والافتراء..).
عبر حملة اعتقالات واسعة لمجموعة من الشباب والناشطين بتهم مختلفة من جهة ثانية (أغلبها مرتبط بالتدوين في الفيسبوك أو اليوتوب).
إنّ الحملة التي ظن النظام أنها يمكن أن تخفف من حدة اتساع الهوة بين أداء الإعلام التقليدي المتحكم فيه بدرجة كبيرة، وبين الإعلام الاجتماعي الموازي الذي لا يعترف بالأوفاق التقليدية ولا بالخطوط الحمراء التي تسيج الفضاء العام الميداني، لم تفلح في إيقاف زحف الإعلام الاجتماعي ومشتقاته، بل أحيانا كانت بنتائج عكسية تماما، وهو ما جعل السلطة تسارع الوقت من أجل إخراج قوانين زجرية إضافية تحد من حرية التعبير وتقنن إنتاج المحتوى ومشاركته، بدءًا بمدونة الصحافة في نسخها المختلفة، وانتهاء بمشروع قانون تكميم الأفواه 22.20 الذي تم تأجيل النظر فيه بعد موجة رفض شعبية واسعة.

تراجع نسبة تحكّم المال وعودة الرسالة في الإعلام الاجتماعي:

إن دور الإعلام بات خطيرا وحاسما أكثر من أي وقت مضى، لأنه صار الوسيلة الأساسية للتواصل والتفاعل وإجراء عدد كبير من العمليات ذات الطابع التعليمي والتربوي كما ذات الطابع الاقتصادي والمالي، وقد بدأت الكثير من التعاملات المالية والتجارية والإجراءات الإدارية تسير بسرعة كبيرة نحو الرقمنة، بحيث وجدت الدول المتباطئة في تبني خيار الرقمنة نفسَها في ورطة حقيقية (نموذج توزيع المساعدات الاجتماعية خلال الحجر الصحي).
ولم يكتف الإعلام بتعويض الحضور المؤسساتي في تمظهره المادي، بل صار سوقا حيويا لإجراء مختلف التعاملات وتنظيم الحياة العامة وتوجيه الناس في معاشهم ودقائق أمورهم، وهو ما نافس القنوات التقليدية للتربية والتعليم، وأحلّ فاعلين اجتماعيين جدد مكان الأطر المحسوبة على الدولة.
ورغم أن فلسفة الإعلام الجديد كرّست نوعا من الديمقراطية الإعلامية، من حيث إمكانية توفر كل مواطن على منبر للكلام والتعبير، وإيصال صوته وفكره وثقافته ونمط حياته، فإن البنية الرأسمالية لطبيعة الحوامل الرقمية للمنتديات الاجتماعية ووسائط التواصل الجديدة لا زالت قائمة بدورها على بنية الاستثمار، وقانون الربح والخسارة، وبالتالي، فإن الشرط المالي لا زال يتدخل بشكل كبير، ولو في حدود لا تسمح بالتحكم التام والسيطرة على الجمهور، من خلال تمويل إشهار القنوات والمنصات والبرامج والمواد، وهو ما يترك فسحة لنفس بنيات الخطاب القديمة أن تقتحم المجال وتنتشر بشكل واسع استنادا إلى قوة الإشهار المدعوم، مع بقاء إمكانية التفاعل السلبي كوسيلة ديمقراطية تتيحها وسائط التواصل الإعلامي الجديدة للتعبير عن مستوى تقييم المنتوج (ظهر هذا في التعاطي مع بعض برامج القناة الثانية المغربية في اليوتوب).

خلاصة عامة:

إن تدبير الواجهة الإعلامية يحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ولا يرتهن للمقاربة العتيقة التي تختزل وظيفة الإعلام في الإخبار والتوجيه والترفيه فقط، وهو ما يستدعي وعيا رفيعا بمستجدات التوجهات العالمية الكبرى، ورصد التطورات المختلفة في الوعي الإنساني ووسائل التواصل والتدبير التي باتت تتطور بشكل سريع ومذهل. كما أن التعاطي مع الواجهة الإعلامية يحتاج إلى إحكام المنطلقات الرؤيوية والرسالية في الإعلام المستقل والاجتماعي، ودعم النماذج الناجحة وإبراز التجارب المتميزة، وبناء جبهة إعلامية موسعة، تكرّس ممارسة إعلامية ترتقي باضطراد، وتنتصر للمشترك، وتتجاوز مناورات الإرهاق والإشغال والتحريف المقصودة، بل تجتهد لتبني مؤسسات وفعاليات إعلامية كبرى تنتصر لصوت الحقيقة وتحمل بصمة الهوية الوطنية في انفتاح إيجابي متوازن، وتقوم بأدوار تاريخية مرتقبة في مسيرة البناء الديمقراطي والحضاري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.