منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يعد النطق باسم الجلالة (الله) دون الهاء هكذا (اللا) شركاوكفرا؟

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

هل يعد النطق باسم الجلالة (الله) دون الهاء هكذا (اللا) شركاوكفرا؟

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.

وبعد؛ فقد جرت عادة الناس في اللهجات المحلية (الدارجة) في بعض الدول العربية أثناء الدعاء بلفظ الجلالة أنهم يدعون هكذا (الله يجازيك بخير، الله يرضا عليك، الله يحفظك)، وبعض الناس يختزلون الهاء من لفظ الجلالة حتى يظهر كأنهم نطقوها هكذا: (اللا يجازيك بخير، اللا يرضا عليك، اللا يحفظك)، وقد انتشر أوديو يستنكر ذلك بشدة، ويدعي صاحبه أن جل الناس ينطقونها بحذف الهاء وزيادة الياء هكذا (اللـي)؛ واعتبر ذلك إلها آخر، وشركا بالله تعالى، وإلحادا في أسمائه؛ محاولا تنزيل معنى الآية التي نزلت في المشركين الذين يلحدون في أسمائه تعالى قصدا مع سبق الإصرار والترصد على مسلم موحد لمجرد أنه يقول بغير قصد: (اللا يجازيك بخير)؛ والآية هي: قوله سبحانه تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ ‌يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ}(1).

وتوضيحا لهذا أقول:

● أولا: قبل توضيح ما في المسألة شرعا ولغة وعرفا لا بد من التنبيه على أمور منها:

• هناك بعض الناس -هداهم الله- همهم الأكبر البحث والتنقيب عن مدافن الشرك والبدع ليبادروا بإخراجها من أجل إخراج المسلمين من الإسلام بها؛ فإن لم يجدوها صنعوها من الأوهام والتأويلات والأكاذيب؛ وقد صنعوها في أدعية الناس في مثل: (الله يجازيك بخير، الله يرضا عليك، الله يحفظك)؛ وفي شرح الشيخ أحمد زروق على الرسالة: “قال الشيخ أبو بكر بن فورك: ‌الغلط ‌في إدخال ألف كافر بشبهة إسلام خير من الغلط بإخراج مسلم واحد بشبهة كفر”(2).

• كلام الناس يحمل على مقاصدهم ونياتهم؛ وخصوصا حينما يتحدثون بغير اللغة العربية الفصحى؛ مثل: اللهجات المحلية لكل بلد، وكذلك اللغات الأخرى مثل: الأمازيغية والفرنسية والإسبانية؛ وذلك مثل قولهم باللهجة المحلية: (اللا يجازيك بخير)؛ فإن مقصودهم: (الله يجازيك بخير).

• كلام الناس يحمل على أحسن محامله إذا لم تعرف مقاصدهم ونياتهم؛ قال العلامة الزرقاني: “ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا ‌احتملت ‌الكفر من تسعة وتسعين وجها، ثم احتملت الإيمان من وجه واحد ؛حملت على أحسن المحامل وهو الإيمان”(3). فلا يجوز محاسبة الناس بدون معرفة مقاصدهم، للحكم عليهم بالشرك، وإن صدر منهم ما يمكن أن يفسر بذلك؛ «أفلا ‌شققت عن قلبه» كما قال النبيﷺ(4)؟!

• حرف الياء في اللهجات المحلية في مثل: (اللا يجازيك بخير) ليس جزءا من لفظ الجلالة (الله)؛ بل هو جزء من الفعل بعده (يِـجاريك بخير)؛ وهذا معروف في كلامهم؛ على سبيل المثال نقول بالدارجة المغربية: (خوك بغا يسافر معك، أو بغا يمشي معك، أو بغا يقرأ عندك)؛ إذن لا ينطقون لفظ الجلالة بزيادة الياء (اللي) كما توهم صاحب “الأوديو”.

● ثانيا: حينما نرجع إلى كتب الفقهاء في المذاهب الأربعة نجدهم قد تحدثوا عن حذف حرف الهاء من لفظ الجلالة (الله)، وجعلوا حكمه على نوعين:

النوع الأول: في العبادات التي لا تصح إلا بلفظ الجلالة مثل: تكبيرة الإحرام في الصلاة، والأذان والتسمية عند الذبح، والحلف باليمين؛ فقد اختلف العلماء في صحة هذه العبادات مع حذف الهاء من لفظ الجلالة (الله) ليصير هكذا (اللا) إلى قولين:

القول الأول: وهو الراجح والمشهور أن تلك العبادات لا تصح مع حذف الهاء في غير عجز؛ فلا تصح به الصلاة ولا الأذان ولا تحل به الذبيحة ولا ينعقد به اليمن؛ لكن في حالة العجز بحيث لا يستطيع إنسان إلا ذلك فلا حرج فيه ولا بأس.

القول الثاني: وهو قول ضعيف أن تلك العبادات تصح مع حذف الهاء؛ لأن العبرة عند من قال بهذا القول هو القصد والنية.

النوع الثاني: في الكلام العادي؛ مثل: (اللا يجازيك بخير، اللا يرضا عليك، اللا يحفظك)؛ فلا يعدو أن يكون خلاف الأولى وخلاف الأفضل؛ لأنه إذا كان الخلاف في العبادات بين الصحة وعدمها ففي الكلام العادي أخف؛ هذا إذا قلنا أن هذا الكلام من اللغة الفصحى، أما وهو من اللهجة المحلية الدارجة التي لا تخضع بشكل من الأشكال لقواعد اللغة العربية الفصحى فأمره أخف من الخفيف؛ ومن هنا نعلم مدى خطإ أو خطيئة أو غفلة أو جهالة من اعتبر ذلك شركا وإلحادا، فيقيس المسلم الموحد على المشرك الملحد؛ وهو قياس مع الفروق لا يلتجئ إليه إلا المرضى بحساسية التكفير والتبديع شفاهم الله.

● ثالثا: أصل هذا الخلاف من أقوال العلماء ما يلي:

• عند المالكية: جاء في كتاب شرح الرسالة “الفواكه الدواني” للعلامة النفراوي: “أن اليمين لا تنعقد بالنية، ولا… بمثل.. من أسقط ‌الهاء ‌من ‌لفظ ‌الجلالة؛ ويظهر لي: إلا أن يسقطها عجزا”(5).

• عند الحنفية: قال العلامة الطحطاوي: “المد الذي في اللام الثانية من الجلالة؛ فإذا حذفه الحالف أو الذابح أو المكبر للصلاة، أو حذف الهاء من الجلالة اختلف ‌في انعقاد ‌يمينه وحل ذبيحته وصحة تحريمته؛ فلا يترك ذلك احتياطا”(6)، وقال أيضا: “وينبغي أن يُظهر ‌الهاء ‌من ‌لفظ ‌الجلالة”(7)؛ وكلمة ينبغي تدل على أن المسألة فيها خلاف. بل عند الحنفية أن من افتتح الصلاة باللغة الفارسية؛ بأن قال موضع (الله أكبر) (حذاي ‌برزك)، أو ذبح وسمى بالفارسية وهو يحسن العربية ويستطيع التلفظ بها؛ أجزأه ذلك عند أبي حنيفة، وخالفه تلميذاه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن فقالا: لا يجزئه إلا في الذبيحة خاصة، وأما إن لم يحسن العربية أجزأه ذلك لعجزه من غير خلاف عندهم(8)، وقال العلامة الشرنبلالي الحنفي: “من شروط صحة ‌التحريمة: …أن لا يحذف ‌الهاء من الجلالة”(9).

• عند الحنابلة: قال العلامة عبد الغني اللبدي: “يصح أذان من يَلْحَنُ، مع الكراهة، إن لم يُحِلِ المعنى؛ فإن أحاله كقوله: “الله وَاكْبَرُ” و”الله أقبر”… أو لم يبيّن الهاء من لفظ الجلالة، .. .‌فأذانه ‌غير ‌صحيح”(10).

• عند الشافعية: قال شمس الدين الرملي: “وبقي أيضا ما لو حذف ‌الهاء ‌من ‌لفظ ‌الجلالة وقال (اللا) هل هي يمين أو لا؟ فيه نظر، والأقرب الثاني؛ لأنها بدون الهاء ليست من أسمائه ولا صفاته، ويحتمل الانعقاد عند نية اليمين، ويحمل على أنه حذف الهاء تخفيفا؛ والترخيم جائز في غير المنادى على قلة”(11).

● رابعا: أصل هذا الخلاف في اللغة اختلاف اللغويين في الترخيم:

والترخيم هو حذف حرف أو أكثر من آخر الكلمة؛ مثل: أن تقول في “فاطمة” (يا فاطم) وفي “عائشة”: (يا عائش)(12)، وفي “منصور”: (يا منصو)؛ وجمهور اللغويين أن هذا لا يصح إلا في النداء؛

قال ابن مالك في ألفيته:

تَرْخِيماً احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى * كَيَا سُعَا فِيمَنْ دَعَا سُعَادَا

ولكن يجوز الترخيم في غير النداء للضرورة قال ابن مالك:

وَلاِضْطِرَارٍ رَخَّمُوا دُونَ النِدَا * مَا لِلنَّدَا يَصْلُحُ نَحْوُ أَحْمَدَا

ومن ذلك قول الشاعر :

لَنِعْمَ الفَتَى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نَارِهِ * طَرِيفُ بنُ مَالٍ لَيْلَةَ الْجُوعِ والْخَصَرْ(13)

فقد رخَّم الشاعر قوله (مالِ) وأصله (مالك) في غير النداء لضرورة الشعر.

فإذا جاز الترخيم في اللغة الفصحى من أجل ضرورة الشعر؛ فمن باب أولى وأحرى أن يجوز من أجل ضرورة اللهجات المحلية (الدراجة) التي لم ترتق إلى مستوى اللغة الفصحى.

● الخلاصة: يتبين لنا مما سبق:

• أن الأولى والأفضل لمن يقول في دعائه: (اللا يجازيك بخير، اللا يرضا عليك، اللا يحفظك)؛ أن يصلح لسانه ليقول بدلا من ذلك: (الله يجازيك بخير، الله يرضا عليك، الله يحفظك) مظهرا حرف الهاء من لفظ الجلالة.

• أن من لم يلتزم بذلك ليس مشركا ولا علاقة له بالمشركين الذين يلحدون في أسمائه؛ ولو صدر منه ذلك تهاونا، فكيف لو كان ذلك منه نسيانا أو ألفة؛ فكيف لو كان عجزا لغويا.

• أن قياس المسلم الموحد على المشرك الملحد قياس لا يلتجئ إليه إلا المتنطعون الذين قال فيهم النبيﷺ: «إذا قال الرجل هلك الناس، فهو أهلكهم(14)»(15).

• أن كلام الناس يجب أن يحمل على نياتهم ومقاصدهم، وإن لم تعرف نياتهم ومقاصدهم وجب أن يحمل كلامهم على أحسن
محامله.

هذا؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فسبحان الله.


الهامش:

(1) سورة الأعراف: (الآية: 180).
(2) شرح الشيخ زروق على متن الرسالة: (1/80).
(3) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني: (2/35).
(4) صحيح البخارى: كتاب المغازي: باب بعث النبيﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة: (رقم:4021)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله: (رقم: 96).
(5) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني للنفراوي: (1/409).
(6) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح: (ص224).
(7) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح: (ص9).
(8) البناية شرح الهداية لبدر الدين العيني الحنفي: (2/176).
(9) مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح للشرنبلالي الحنفي: (ص85)، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: (ص223).
(10) حاشية اللبدي على نيل المآرب لعبد الغني بن ياسين اللَّبَدي الحنبلي: (1/47).
(11) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين الرملي الشافعي: (8/178).
(12) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين الرملي الشافعي: (8/178).
(13) يجوز في المرخم لغتان: فيعرب (يا عائش) بالبناء على الضمة في الحرف المحذوف على لغة من ينتظر فيبقى الحرف الأخير على حاله (يا عائشَ)، أو يعرب بالضمة على الحرف الأخير على لغة من لا ينتظر فتقول: (يا عائشُ). شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: (3/293).
(14) في رواية: «أَهْلَكَهُمْ» بِالنصب؛ وفي أخرى: «أَهْلَكُهُمْ» بالرفع؛ فإذا قلنا «أَهْلَكَهُمْ» بالنصب فمعناه هو الذي تسبب في هلاكهم، وإذا قلنا «أَهْلَكُهُمْ» بالرفع فمعناه: هو في مقدمة الهالكين.
(15) رواه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب النهي عن قول: هلك الناس: (رقم: 2623).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.