منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفاتيح الفرج وإشراقات النور حديث أصحاب الصخرة «أنموذجا»

خالد حميد

0

 

من سنن الله عز وجل في كونه أن يبتلي الناس بصنوف من الابتلاءات لتمحيصهم، وهي سنة كلية وكونية لا تفرق بين مؤمن وغيره، وإذا كانت تشكل للثاني ضيقا وانزعاجا فإنها للأول فرصة للتقرب إلى الله عز وجل، بصنوف من الأعمال الصالحة والأقوال النافعة والقلوب الصافية، وذلك شأن خطاب الوحي حين يبين أن غاية الإنسان آن تسمو به روحه إلى التعلق بالله عز وجل.
ما أحوج المسلم إلى التفاعل مع الوحي في كل أحواله، ليجد مفاتيح الفرج وإشراقات النور، في مختلف نصوصه، وهذا ما تسعى إليه هاته الورقة حين تجول بين مضامين حديث نبوي شريف بمثابة منهاج لمواجهة المحن ومشاكل الحياة، ومصاعبها والدفع بالنفس لاقتحام العقبة، في حال الفرح والسرور، وفي حال البلاء والشدة، وفي كل الأحوال والظروف التي يتقلب فيها العبد، وهو حديث يرشدنا أيضا إلى وجوب التوجه إلى سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكيف لا وهو سبيلنا لرفع العنت والحرج، والخروج من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة؟

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

وكم كانت لطائف الرحمة تحف العباد في كل لحظة بما يسوقه الله تعالى من فرج وفتح، لا يد لهم فيه ولا حيلة، إلا ما كان من صدق الاقتداء بمن أرسله الله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.
وفي زمن الحجر الذي فرضه شيوع الوباء، وقد صار الناس طوعا وكرها جلس بيوتهم لا يبرحونها. يعيشون على أخبار الإصابات والوفيات، مترقبين منحنياتها، منتظرين ساعة الفرج. فان الحاجة ماسة إلى التأمل في ما ذكره الحديث النبوي الشريف من حال يشبه حال الأمة اليوم، حال أصحاب الصخرة الوارد ذكرهم في الحديث الصحيح. الذين أواهم قدر المطر إلى الغار، وشاء الله أن يطبق عليهم الغار، ليظهر منهم التوسل والافتقار.
وما أدخل الناس مساكنهم اليوم إلا قدر الله تعالى، ولا يبرحونها إلا بقدر منه سبحانه، وبين القدر والقدر تلمح إشراقات وتنقدح العبر، هذا الحديث الذي تناوله أغلب من تناوله في باب الإخلاص وجواز التوسل إلى الله تعالى بصالح الأعمال، غير أنه يمكن تناوله من زاوية أخرى لتمس إشراقات ومفاتيح حقيقية تفتح أبواب الاقتداء الصحيح زمن البلاء والوباء، وترفع عنا ما نحن فيه، كما رفعت الصخرة عن أصحاب الغار.
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ، أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ، قَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ، فَرَأَوُا السَّمَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا، فَأَبَتْ عَلَيَّ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، وَلاَ تَفْتَحِ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً، فَفَرَجَ، وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرُعَاتِهَا، فَخُذْ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَخُذْ، فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللَّهُ»

المزيد من المشاركات
1 من 17

الإشراقة الأولى: دلالة النفر الثلاثة.

دلالة العدد: ثلاثة في الحديث، وهو أقل عدد الجمع في العربية. فهؤلاء النفر الثلاثة هم المجتمع المسلم الذي لا مفر من رفع الصخرة الجاثمة على صدره إلا بتكامل العمل الصالح بين أفراده ونزع الأنانية المقيتة التي تجر على الأمة الويلات.
ومع إيثار أول النفر وتجرده من أنانيته كانت بداية النور وأول ملامح الفرج.
ومع عفة ويوسفية الثاني تحركت صخرة البلاء حتى ظهرت السماء.
ومع العدل العمري الذي توسل به ثالث النفر أشرق النور في الغار، ورفع البلاء، وخرجوا من الغار يمشون.

الإشراقة الثانية: تكامل العمل الصالح يرفع الشدة.

تضرع النفر الثلاثة إلى الله بصالح أعمالهم، ويخبر الصادق المصدوق عن تكامل هذه الأعمال الصالحة المتوسل بها، لتكون القوة المعنوية الرافعة للبلاء، لذلك وجب على المسلم.
أن يدرك في خاصة نفسه أن خيره يعم الأمة، وأن شرة جذوة تحرق الجميع. وكم من أحداث في سيرة المصطفى تؤكد ذلك.
ففي غزوة بدر الكبرى كان التوجه الجماعي إلى الله فانتصر المسلمون وهم قلة.
وفي غزوة أحد انهزم المسلمون لمخالفة فئة منهم «الرماة» أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم يتأكد نفع التضامن والتكامل في العمل الصالح وقت الشدة والأزمات.
ويتحدث الناس عن صنوف التكامل الاقتصادي والتجاري وغيرها، ولا خبر لهم بأن أساس كل التكامل هو «الإنسان» حامل المبادئ والقيم المثلى، الذي يسعى إلى التكامل الأخلاقي.
هذا التكامل هو سلاحه الوحيد للخروج من الأزمة ورفع الصخرة، فما ينفع عمل الواحد والاثنين أمام معاول الهدم من الجماعة، وما تجدي استقامة البعض أمام استهتار الأغلبية الساحقة، وما تزيد أنانية البعض سفينة المجتمع إلا غرقا.
لقد شبه حبيبنا المصطفى تضامن مجتمع المؤمنين وتراحمه بالجسد الواحد الذي تتداعى كل أعضائه وتتأثر لألم إحداها.
هذا هو التكامل الحقيقي الذي يعول عليه لدفع الشدائد وجلب المصالح.
إن مفهوم الجسد الواحد يفرض أن تتوجه جميع الأعضاء إلى الإنقاذ، وتفزع وقت الشدة ليتحمل كل عضو مسؤوليته حسب ما حباه الله به من قدرة وإمكانات.

الإشراقة الثالثة: قوة الأمة في الإيثار والأشعرية.

« اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ، فَرَأَوُا السَّمَاءَ،».
كان هذا ما توسل به أول المتوسلين في قصة أصحاب الغار، وقد فاق ما توسل به في قوته وثقله، قوة وثقل الصخرة التي أغلقت باب الغار، لذلك انفرجت بدعائه فرجة ظهرت منها تباشير الفتح.
الإيثار والبذل يرفع البلاء وينفس الكرب، وأن الناس لا زالوا في بحبوحة الخير والفضل، يأملون الفرج من الله ما تجردوا عن أنانيتهم.
في هذا السلوك إيثار، وحسن مواساة، ورعاية اجتماعية، ونكران للذات، وصلة وأشعرية، وكلها صفات هي عمد المجتمع المسلم وقوامه، وهي ملاذه في الشدائد والمحن.
وما أحوج العالم اليوم إلى إيثار الأنصار وتضامن الأشعريين لتجاوز الأزمة، ومعالجة آثارها.
قال عليه السلام فيما يرويه أَبو مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»
إيثار ومواساة، يعبر عنهما السلوك الأشعري، وحقيقته قوة في النفس تغالب شحها، فتنتصر عليه لمصلحة الجماعة، ففي وقت القلة والأزمات تظهر النفوس كوامنها من البخل، والتقتير، والأثرة، وتغل اليد المنفقة إلى العنق فلا تكاد تبسط، وإذا كان الناس في سعة فلا معنى للإيثار والأشعرية.
قال صلى الله عليه وسلم: فهم مني، وأنا منهم، مبالغة في الثناء عليهم، وكأنه يقول: فهم متصلون بي، وأنا متصل بهم، هذا العمل من عملي، وهم على طريقتي، وسنتي وهديي ساعة الضيق والقلة.
فهذه سنة تقريرية ثابتة فأين ذوي الهمم للاقتداء في وقت الوباء والبلاء؟
كشفت جائحة كورونا COVID 19 عن سلوكيات اجتماعية لدى بعض الناس بعيدة كل البعد عن أخلاق الإسلام؛ تهافت الناس وتسابقوا على المواد الغذائية حتى خلت الأسواق منها، وتعارك الناس على المعقمات ووسائل الوقاية حتى تضاعف ثمنها، ونسي الجميع أن الذي حرم المواد الغذائية إذا ألمت به الحاجة سيضطر إلى الهجوم على من ملأ مخازنه، وأن الذي ترك دون وسائل وقاية، خطر يهدد جاره الذي تبضع ما يكفيه لسنة.
وسلكت بعض الدول نفس السلوك الأناني، وقد كانت تزعم الحرية والتحضر، وتنصب نفسها حامية لحقوق الإنسان، حين استولت على شحنة كمامات ومعقمات كانت موجهة غوثا ومساعدة لدول أنهكها الوباء.
ما أحوج العالم اليوم إلى سلوك الذي بلغ به الإيثار أن صبر لجوعه وصياح أطفاله حتى يسقي والداه، وهو في إيثاره يشبه سلوك الأسرة الأنصارية التي آثرت أن تقدم للضيف قوت صبيتها. فأنزل الله في حقها قرآنا يتلى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
في زمن الأزمة وتحدي الخروج منها، لا بد لأهل التخصص من دراسة واعية للسلوك الأناني للأفراد والدول، وبيان الأسباب وراء هذه الظواهر.

الإشراقة الرابعة: مفتاح الخروج من الأزمة عفة يوسفية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

« اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا، فَأَبَتْ عَلَيَّ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، وَلاَ تَفْتَحِ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً، فَفَرَجَ».
هكذا استحضر أحد النفر عفته اليوسفية حين توفرت ظروف الفاحشة، فتذكر حين ذكر بالله وعف عن الحرام، ذلك أن العفة مفتاح للصلاح والإصلاح، والخروج من الشدائد والأزمات، ومفتاح لصلاح حال الفرد الذي يستتبعه إصلاح حال المجتمع.
لذلك كان من أسباب الأوبئة والأوجاع في الأمم السابقة التجرد عن خلق العفة وما يسببه من فشو المفاسد والرذائل.
ونرى أن ركيزة النهوض بالمجتمع، التحلي بالعفة اليوسفية، فهي منجية من المهلكة، وفاتحة للأمل، وقد يترجى بها أسباب الفرج وتستمطر بها الرحمات، ونخرج بها من الضيق إلى السعة، كما خرج بها يوسف من السجن إلى القصر، ونحفظ بها البلاد والعباد من عواقب الأزمات وتبعاتها، كما حفظ يوسف بعفته مصر من مجاعة محققة حين عفت نفسه عن خزائن الأرض فكان حفيظا عليها عليما بتدبيرها.
حين تتوفر أسباب الفاحشة وتتهيأ ظروف تلبية الشهوة المحببة إلى النفس، ويتحرك وازع العفة في النفس معلنا ممانعته، آنذاك نعلم أن الأمة تنعم بعافية وصحوة ضمير لا تسقطها شهوة ولا تعصف بها أزمة. فيستأمن كل راع على رعيته، لأنه يتحلى بتقوى الله ولا يفتح الخاتم إلا بحقه.
فأي عفة نتحدث عنها في وقت الشدة والمجتمع تسحق فيه الفئة الضعيفة ذات البضاعة المزجاة. فلا يوف لها الكيل من ثروة بلدها، ولا يتصدق عليها مما استحوذ عليه المستحوذون من بني جلدتها ؟
ومن المؤسف أن تجد دولا غربية أدركت هذه الحقيقة، ووعت بأهمية هذا المدخل في الإصلاح والنهضة، فيبادر فيها رؤوس الدولة وأصحاب القرار إلى التخلي عن معاشاتهم لشهور رفعا للضرر والمسغبة، ولا تجد نضيرا لهذه المبادرات في دولنا العربية اللهم الاقتطاع من أجور صغار الموظفين، ورفع الأسعار وزيادة في نسب الضرائب، وما شاكل ذلك من إجراءات.
فلا مخرج للأمة إلا أن تعف النفوس عن الفواحش فيصلح حالنا مع الله، وتعف البطون عن أكل المال الحرام، ويعف أصحاب السلطة والقرار عن شهوة جمع المال والثراء غير المشروع على حساب المصلحة العامة. فتحفظ الحقوق، ويمحق الفقر الذي قد يدفع الناس إلى ما لا تحمد عاقبته.
وفي الحديث إشارة إلى جريمة أخلاقية كادت أن تقع، ولو وقعت لكان الفقر أهم أسبابها.
امتنعت الفتاة وصبرت على حفظ عرضها، لكن صبرها اهتز وانهزم عندما أغريت بالمال، ولولا الفقر لما استسلمت للإغراء.
إن وقوع الفقراء في المحظور إثم، يشاركهم فيه أغنياء الأمة الذين جعلوا المال دولة بينهم، ويشاركهم بالقدر نفسه من وكل لهم الأمر. فجعلوا السلطة في خدمة الثروة،
فطريق عفة الناس عن الفواحش التوزيع العادل لثروات الأمة، وأن يعف أصحاب السلطة والقرار عن أرزاقهم فلا يبخسوهم حقا تحفظ به الكرامة ويصان به العرض.
وحين ينصف المظلوم ترفع صخرة البلاء والشقاء على البلاد والعباد.

الإشراقة الخامسة: العدل يرفع البلاء.

توجه آخر النفر إلى الله تعالى بعدله وأمانته طالبا الفرج، فرفعت الصخرة وخرج النفر يمشون.
الظلم الاجتماعي هو أحد المهددات التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط المجتمع وانهياره لأنه يفتك بالروابط والأواصر، وهو من بين العوامل الحقيقية التي تنشر الفساد في الأرض وتتسبب في القطيعة بين الناس، لذلك كان استقرار البنية الداخلية للمجتمعات والحفاظ على قوتها رهين بتحقق مطلب العدل فيها، فبه تتقوى الروابط والأواصر في المجتمع، ويصبح أقوى من أن تكسر عوده النكبات أو تعصره الأزمات.
ومن المعلوم شرعا أن البلاء يرفعه الدعاء، وأن الدعاء يرد القدر، لكن كيف يستقيم الدعاء مع ظلم الناس والاعتداء على حقوقهم، وكيف يستقيم حال الأمة وقد رضيت بالظلم ولم تكلف نفسها رفع الضيم، والإنكار على الظالم.
فقد ذكر الرسول عليه السلام حال الأشعث الأغبر الذي يمد يديه إلى السماء بالدعاء ومطعمه حرام ومشربه حرام فأنى يستجاب له.
إن الله تعالى وضع قوانين في الكون لا تتغير ولا تتبدل، ومنها الوارد في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
فطريق الهلاك والتدمير والفساد والفسق والظلم غياب العدل.
تحدث الدول وقت الأزمات صناديق التضامن، وتفتح له في البنوك حسابات، والفاصل في نجاح هذه المبادرات، بناء جسور الثقة الحقيقية في مؤسسات الدولة، بمبادرات جريئة تجعل المسؤولين في كل بلد يتقدمون الركب ويمنحون القدوة، لا بالإنفاق من أموالهم بل من باب الأولى، برفع اليد عن أموال الناس التي كسبوها ظلما في شكل معاشات وتعويضات سمينة مليحة لا حق ولا نصيب لهم فيها.
حين يرفع الظلم وينصف المظلوم فردا كان في المجتمع، أو دولة في المجتمع الدولي، تستقر الأحوال ويعم التآلف وتنشر المحبة ويسود التعاون، ويكون السعي والتسابق إلى الصلاح لا إلى السلاح.


المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم
  • الجامع الصحيح محمد بن إسماعيل، أبي عبد الله البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1/1422هـ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.