هل يجوز للأم أن تحرك مهد ولدها وهي تصلي؟
هل يجوز للأم أن تحرك مهد ولدها وهي تصلي؟/الأستاذ عثمان غفاري
هل يجوز للأم أن تحرك مهد ولدها وهي تصلي؟
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
من المسائل التي يكثر السؤال عنها، خاصة من الأمهات، حد الحركة التي تبطل الصلاة، والداعي لطرح هذا السؤال أن كثيرا من النساء يضطرن أثناء صلاتهن للإتيان بحركات كثيرة خارجة عن جنس الصلاة من قبيل حمل الرضيع ووضعه، أو هز المهد لإسكاته، أو القيام بإبعاد الاطفال أو تحذيرهم بالحركة أو بالإشارة أوما شابه ذلك، لذلك تعين التطرق لهذه القضية بشيء من التفصيل لنميز بين الحق والباطل، فاللهم ارزقنا الحكمة وفصل الخطاب.
- أولا
يجب على المؤمن السكون في الصلاة، فالرسول ﷺ قال: *اسكنوا في الصلاة* والله تعالى يقول: *قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*
فالواجب على المصلي السكون في الصلاة، والخشوع فيها، وعدم الحركة الكثيرة التي تبطلها، وتجعله كأنه لا يصلي، فالشيء القليل يعفى عنه، أما إذا كثرت الحركات، وتوالت؛ فإنها تبطل الصلاة عند أهل العلم جميعًا، فالواجب الحذر، لذلك ينهى المصلي عن التلبس بكل فعل أو قول ليسا من جنس أفعال وأقوال الصلاة، ولذلك إذا تيسر للمصلية أن تختار ضمن وقت الصلاة الأماكن والأحوال المواتية لصلاة مطمئنة سالمة من الأذى أو التشويش، أو تحرص على الصلاة بحضور المعين المساعد يكون هذا أسلم، لأن كثرة الحركة من غير جنس الصلاة مشغل عن الحضور والإقبال الكلي على الله في هذه العبادة الجليلة، ولذا ينبغي تجنب ذلك على قدر المستطاع.
- ثانيا
الحركة التي ليست من جنس الصلاة تجري عليها الأحكام الخمسة، فهي إما مباحة مثل الحركة اليسيرة لحاجة ودليلها فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. وكذا الحركة الكثيرة غير المتوالية للاضطرار، و الحركة الكثيرة المتوالية حال الاضطرار، ومثالها الصلاة في حال القتال؛ قال الله تعالى: *حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون* ؛ فإن من يصلي وهو يمشي لا شك أن عمله كثير ولكنه لما كان للضرورة كان مباحا لا يبطل الصلاة، وتكره الحركة بدون إبطال الصلاة إن كانت يسيرة لغير حاجة، ومثل ذلك كثير من تصرفات المصلين المشاهدة مثل العبث بالساعة، أو باللحية، أو ما أشبه ذلك، إلا أن يكون كثيرا متواليا فإنه محرم مبطل للصلاة،لكنها تستحب إن كانت يسيرة و يتوقف عليها كمال الصلاة، كما لو تحرك من أجل استواء الصف، أو رأى فرجة أمامه في الصف المقدم فتقدم نحوها وهو في صلاته، أو تقلص الصف فتحرك لسد الخلل، أو ما أشبه ذلك من الحركات التي يحصل بها فعل مستحب في الصلاة؛ لأن ذلك من أجل إكمال الصلاة، ولهذا لما صلى ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عن يساره أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه.
أما الحركة الواجبة فهي القليلة التي تتوقف عليها صحة الصلاة، وبهذا التفصيل المتقدم ، نعلم أن *الحركة في الصلاة، إن كثرت لغير ضرورة أبطلتها، وإن كثرت للضرورة لم تبطلها*
وعليه فالعمل اليسير الذي تسأل عنه المصليات ويلجأن إليه اضطرارا خلال صلاتهن فلا أثر له في إبطال الصلاة كما بينا، ويرجى أن تكون صلاتهن مقبولة إن شاء الله.
- ثالثا
اختلف في ضابط الكثرة والقلة في الحركة، لأنه ليس في المسألة نص صريح يرفع الخلاف، وإنَّما هو الاجتهاد والاحتياط، فهناك من فوض تحديد القلة والكثرة إلى رأي المبتلى بالمسألة فهو فقيه نفسه، وهناك من جعل الضابط هو العرف والعادة، في حين جعل البعض الآخر الضابط هو الزمان، فجعل القليل ما لا يسع زمانه فعل ركعة والكثير ما يسعها، وهناك من جعل الضابط هو العدد فحصر الكثرة في ثلاث حركات أو أكثر ، وجعل ما دونها دليلا على القلة، إلى غير ذلك من الأقوال والآراء الفقهية، والأحوط الذي يترجح والله أعلم أنَّ الضابط في حد القلة هو المنقول عن النبي صلى الله عيه وسلم وما يقاس عليه وما زاد عليه فهو كثير وضابطه العرف وتقوى الفرد، ومن تم فالحركات القليلة، والمتفرقة؛ يعفى عنها، فالنبي ﷺ صلى وهو حامل أمامة، إذا سجد؛ وضعها، وإذا قام؛ حملها -عليه الصلاة والسلام- وفتح الباب لعائشة، وتقدم في صلاة الكسوف، وتقدم في الصفوف، حتى تناول عنقودًا -لما عرضت له الجنة- فلم يقدر له أنه يأخذه، ولما عرضت عليه النار؛ تأخر؛ فتأخرت الصفوف، فالشيء القليل الذي يعرض للإنسان؛ يعفى عنه، لكن الكثيرة إذا توالت؛ تبطل الصلاة.
- رابعا
إذا كان الأمر على ما وصفنا، فلا يسوغ لهاته المصلية قطع الصلاة؛ لقول الله تعالى: *ولا تبطلوا أعمالكم*، لذلك حسب المتسائلات من المصليات ممن تعرض لهن نفس النازلة أن يعلمن أن لهن خيارين:
– تخفيف الصلاة من غير إخلال.
– اعتماد الحركة اليسيرة مثل تحريك المهد المرة والمرتين فحسب من غير تكرار مستغرق للصلاة ومشغل عن روح الصلاة.
- خامسا
من وقعت في الحركة المباحة أو المكروهة كما تقرر آنفا، هل يلزمها سجود السهو أم لا؟
والمسألة فيها قولان: الأول لا يسجد للسهو وهو مذهب الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، والثاني يسجد للسهو وهو قول للحنابلة وقال به ابن حزم كذلك. والذي يترجح عدم استحباب سجود السهو للحركة المباحة والمكروهة في الصلاة والله أعلم.
ختاما
الرحمة والتخفيف…أصول مرعية. والحفاظ على الصلاة بتمامها مقصد مرعي، والفقه هو رفع إمكان التعارض لتحقيق المقاصد كلها، فالأجدى في هذه النازلة ترصد الأحوال والظروف المواتية تلافيا للتشويش والأذى، والأخف والأيسر تخفيف الصلاة من غير إخلال، أو فعل اليسير من الحركات مع الكراهة ودون ، والأحوط إعادة الصلاة إن غلب على ظن المبتلى بهذه النازلة أن الحركات كثرت والله أعلم.