وفاءً للأستاذ
بقلم: د. فاطمة اسويطط
هاتفتني أول مرة تود شكري على مقال صغير كتبته في حق زوجها المرحوم فضل الله علال الجامعي، أحسست حينها أن الوفاء لذكراه وراء تلك الكلمات العذبة التي انسابت من بين شفتيها، وتوالت الاتصالات بيننا في المناسبات للاطمئنان، وغالبا ما كانت هي المبادرة، وفي إحدى المرات أصرت على رؤيتي، وكنت بدوري أبحث عن الفرصة المناسبة لزيارتها، استقبلتني بترحاب كبير وكرم أكبر، كانت في أواخر عقدها الثامن، لا يخلو كلامها من حكم وعبر، تدل على رجاحة العقل وقوة الشخصية.
كان معظم حديثها عن الأستاذ كما كانت تناديه قيد حياته رحمه الله تعالى، رغم رحيله منذ ما يقارب 42 سنة، تتحدث عنه كأنه حاضر بين يديها، تحدثت عن عشقه للتعليم، وعن خطبه الصادقة الملتصقة بهموم الناس، عن خلواته مع الكتب حيث كانت لديه مكتبة كبيرة تضم نفائس من أمهات الكتب في مختلف العلوم، تحدثت بتأثر شديد عن المضايقات التي كان يتعرض إليها دائما، من التضييق إلى المنع من الخطابة التي كان يجد فيها سلوته للتعبير عن آرائه في واقع الناس، وقفت مليا لتكمل السرد وعلامات الأسى قد بدت على محياها، يوم لا ينسى ذاك اليوم الذي اختطف فيه العالم الجليل من أحضان أسرته، لا لشيء إلا لمواقفه وآرائه وتشبته بدينه، وصدعه بالحق والدفاع عن المستضعفين، وقالت بحزن شديد لولا تدخل بعض الفضلاء من علماء القرويين للبث في السجن بضع سنين.
هي السيدة الفاضلة فاطمة عيوش، عرفت معنى الحافظية، والحفظ استمرار واستقرار في الحياة الزوجية، فاعتنت بأمور زوجها، تدبر أمور البيت وتسهر على تربية الأبناء لكي يتفرغ إلى تدريسه وكتبه، ولكي ينخرط ويساهم في الحركة الوطنية ضد الاستعمار وأذنابه.
هي في بساطتها مثالا للمرأة المسلمة التي حافظت على فطرتها نقية سليمة من المكدرات الخارجية، لتكون عونا وسندا لزوجها، قائمة على ثغرها محافظة على برجها الاستراتيجي لكي لا ينشغل الزوج عن جهاد الكلمة فوق المنبر، وجهاد الحركة ضد مستعمر خائن في دروب فاس.
سيدة تشربت معاني الوفاء، فأكملت مسيرة زوجها بكل مسؤولية وأمانة، محافظة على إرثه العلمي، فخورة بفروعه البارين بها، شاكرة وممتنة لكي من يحيي ذكراه في حياتها. سيدة هي الوفاء في أبهى تجلياته حفظها الله تعالى.
حين يكون الأستاذ واسطة عقد المنظومة التربوية التعليمية، ويكون وحامل رسالة الأجيال داخل أسرته ومحيطه، حينها يكون الوفاء لذكراه أقل الواجب.
من صفحة نبراس: