هاجر شهيدة القسم وضحية صمتنا الجماعي
هاجر شهيدة القسم وضحية صمتنا الجماعي/ لحسن إكوش
هاجر شهيدة القسم وضحية صمتنا الجماعي
لحسن إكوش
هاجر ليست مجرد قصاصة في ركن إخباري ينطفئ بمرور الوقت. ما حدث في أرفود هو أكثر من مجرد مأساة فردية، بل صفعة في وجه ضميرنا الجماعي، وفي وجه سياساتنا التعليمية، وفي وجه أسرنا المغربية، ونقطة تحول خطيرة ينبغي أن نُصغي لها جيداً قبل فوات الأوان.
استشهدت “الأستاذة هاجر” رحمها الله تعالى.. نعم، أُزهقت روحها وهي التي كانت تؤمن بأن الكلمة تبني، والتعليم يحرر، والتربية تنقذ. وبين جدران مؤسسة تربوية – كان المفترض أن يكون الأمان عنواناً لها – ترتقي روح الشهيدة هاجر ضحية عنفٍ لم يعد يُخجلنا كما كان من قبل، بل بات يزحف بصمت، ويستقر بين تفاصيل يومياتنا… وكأنه أمر مألوف.
من المسؤول؟ وما الحل؟!
كلنا مسؤولون أمام الله أولاً، وأمام المجتمع ثانياً (وبدرجات متفاوتة).:
– انطلاقاً مني أنا وأنت كآباء وأولياء أمور.
– مروراً بجمعيات الآباء وكل المشتغلين بالميدان التربوي.
– دون أن ننسى مسؤولية أغلب “المؤثرين” في الإعلام الذي غيَّر بوصلته.
– ومواقع التواصل الاجتماعي التي أضحت مرتعاً للتفاهة. ولو على حساب تشويه القيم وبث السموم .
– والنخب التي لم تعد تلعب دورها المنوط بها.
– والأحزاب السياسية والحركات وجمعيات المجتمع المدني.
– وانتهاءً بالدولة ومساءلتها عن سياساتها التعليمية والاجتماعية… الفاشلة والتي نجني بعضا من نتائجها …
لقد قيل منذ أزيد من عشرين سنة في صرخة شهيرة لدق ناقوس الخطر : “إنهم يريدون خلق أجيال جديدة من الضباع” [1].
إنه توصيف دقيق لنظام تعليمي وسياسة فاشلة تصنع أجيالاً من اليائسين والمحبطين… مجرد ضحايا يعيشون على هامش المجتمع. فأزمة التعليم أزمة سياسية، وحلها يكمن في أن يكون التعليم “أداة في خدمة المجتمع واستثماراً للأجيال الصاعدة” [2].
هذه المساءلة لا نطرحها هنا قصد توزيع اللوم… بل لتستفيق كل ذرة إنسانية فينا مؤسسات كنا أو أفرادا ، غيرة منا على هذا الوطن الجريح.
هل بلغنا فعلاً دركاً يصبح معه أصحاب الرسالة النبيلة من نساء التعليم ورجاله مُستهدفين إلى هذا الحد؟
هل صارت المدرسة – التي طالما اعتبرناها مكاناً للتربية والتعليم – مرتعاً للعنف بجميع أشكاله؟ والتي لا يأمن فيها صاحب الرسالة النبيلة على نفسه؟
ما وقع بأرفود (وقبلها في مناطق عدة) من تعنيف لفظي ونفسي وجسدي ورفع قضايا كيدية ليس لتشويه سمعة أسرة تعليمية فحسب، بل صورة مجتمع بأكمله .
لم تعد هذه الحوادث مجرد حالات معزولة في الزمان والمكان، بل هو اهتزاز لموازين قيمنا المجتمعية…
ظواهر التمرد على رموزنا التربوية والاستخفاف بها أصبحت أكثر من مجرد “تجاوزات مرفوضة”؛ بل إنها المسخ بعينه، وتشويه لقيمنا التي نشأنا عليها لعقود من الزمن، والتي ما فتئنا نردد فيها شعارات تؤطرنا ونذكر بها أنفسنا كآباء وتلاميذ بين الحين والآخر، من قبيل: “كاد المعلم أن يكون رسولا” لا مقتولاً كما هو واقع الحال اليوم للأسف، وكم رددنا كذلك: “مَن علَّمني حرفاً صرتُ له عبداً”، شعار يزرع فينا قيم التبجيل والأدب ومع مَن علَّمونا يوماً ما حرفاً، ومَن زرعوا فينا قيم الخير التي تبقى معنا ما حيينا.
حين يُهان المعلم والأستاذ، ويُعتدى عليه لفظياً أو جسدياً،وحين يُقتل داخل أسوار المدرسة، فنحن لا نفقد شخصاً فقط، بل نفقد جزءاً من هويتنا.
أي جيل نُعدُّه للمستقبل إذا كنا نسمح لصمتنا أن يترسخ في وعينا الجمعي أن التهجم على المُعلِّم أمرٌ ممكن؟ بل ويصبح مألوفاً نُطَبِّع معه؟
رسالة إلى كل حرٍّ له غيرة على هذا الوطن:
هذا المقال ليس بكاءً على الأطلال، ولا تعليقاً على شماعة، بل صرخة لكل من تبقى في قلبه نبض. إنه آن الأوان لنقف صفاً واحداً لحماية رجال ونساء التعليم، ومعهم حماية أجيالنا القادمة، لا بالشعارات، بل بتغيير حقيقي ليس في التشريعات فقط، بل من خلال مقاربة شمولية تنطلق منا ومن أسرنا ومدارسنا في استحضار مسؤوليتنا، وبذل الوسع في إعادة الاعتبار لرجل التعليم كقدوة للأجيال، واستثمار كل فرصة ومناسبة وطنية كانت أو عالمية للاحتفاء به وتقدير جهوده لتشجيع أبنائنا وتربيتهم على قيم الوفاء والتقدير لمن يبذلون النفس والنفيس من أجل تربية وتعليم فلذات أكبادنا، وعدم الترويج للتافه من المقاطع التي تستهدف الحط من قدرهم ومكانتهم، والضغط المجتمعي على المسؤولين بفتح نقاش مجتمعي حقيقي لإعادة النظر في السياسات التعليمية برمتها، وإعادة النظر في مناهجنا التربوية والتعليمية، ومراجعة مضمون مقرراتنا الدراسية ومحتواها وما يُقدَّم لأبنائنا، ومراقبة الخطاب الإعلامي السائد والرسائل التي تُمرَّر على قنواتنا العمومية وحتى الخاصة، والتي تستهدف رجل التعليم معنوياً قبل استهدافه مادياً، والحط من قيمته كقدوة للأجيال من خلال مسرحيات ومسلسلات هابطة دون أدنى محاسبة.
فهو أي “المعلم وَسَطَ عِقْدِ المنظومة التعليمية التربوية” [3].
ويكفي المعلم شرفاً قولُه صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير) [4].
“وهو معلم الأجيال ومرشد الشعب كله، يحل المشاكل ويصلح بين الخصوم، ويعطي من نفسه ووقته بلا حساب، فليس المعلم إنساناً فقط، بل هو قبل كل شيء ضمير حي” [5].
فلنحفظ له كرامته، ولنبوئه المكانة التي تليق به لنرقى بالعملية التربوية والتعليمية، ليكون حامل رسالة وقدوة للأجيال القادمة، لا مجرد ناقل للمعرفة، قبل أن ندفن ما تبقى من أمل في مدرسة تصنع إنساناً لا يكون ضحية لسياسات تعليمية فاشلة، بل شامة بين أقرانه.
رحم الله هاجر شهيدة الساحة التعليمية، ولتكن روحها الطاهرة منارة تذكرنا بأن حرمة المعلم من حرمة الرسالة التعليمية والتربوية، وأن كل اعتداء عليه هو اعتداء على مستقبل أمة.
الهوامش:
[1] محمد جسوس، سوسيولوجيا التربية، منشورات كلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2003، ص. 47.
[2] المرجع نفسه، ص. 21.
[3] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، 1998، ص. 169.
[4] رواه الترمذي (3685)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
[5] عبد السلام ياسين، كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا، 1962، ص. 172.