منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صيام الإرادات عن المقاصد الدنيات

صيام الإرادات عن المقاصد الدنيات/ د. عبد الحليم زوبير

0

صيام الإرادات عن المقاصد الدنيات

بقلم: د. عبد الحليم زوبير

  يندرج الصيام ضمن العبادات الأساسية في الإسلام، فليس يستكمل الإسلام من لا يصوم رمضان؛ وإذا أمكن تشبيه الإسلام بمجموعة متكاملة من الدواء الناجع، الذي يحتاجه الإنسان ليعيش حياة طيبة، فإن وظيفة الصيام في معالجة الإنسان أساسية، كونها واحدة من أركان الإسلام.

         نخلص مما سبق أن الإسلام بجميع شعائره، هو وصفة العلاج الذي لابد منه للإنسان، حتى يتفادى معيشة الضنك؛ ثم عرفنا أن الصيام يحتل مكانة مركزية في تلك الوصفة؛ لأنه من أركان الإسلام، أي أن هذه الوصفة لا تثمر نتيجة، إذا فقدت هذا العنصر الأساس.

         والآن نطرح السؤال التالي: لماذا لا يتعالج المسلمون بالصيام؟ رغم أنهم يهتمون برمضان اهتماما خاصا.

والجواب عن هذا السؤال يستدعي مقدمة توضيحية؛ ذلك أن مقابل العبادات يختلف حسب مقاصد العباد، فقد يكون ذلك المقابل قدرا من الحسنات والدرجات، وقد يكون المقابل هو الجنة، وقد يكون المقابل هو رضى الله في الدنيا، والنظر إلى وجهه في الجنة، قال تعالى: “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة” فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى؛ وهناك مقابل آخر، يعجل للمؤمن وهو لا يشعر، وهو الأثر التربوي الذي تتركه العبادة في نفس صاحبها، حيث تتهذب أخلاق العابد بقدر التزامه بعبادته.

بناء على هذا فإن عبادة الصيام، لها مقابل في الأجر والحسنات، ومقابل في الجنة والدرجات، ومقابل في رضوان الله والنظر إلى وجهه تعالى، ومقابل في تزكية النفس والتربية والأخلاق، ويختلف ذلك بحسب قصد الصائم في صومه.

وإذا كانت هذه المقاصد كلها شرعية، فإنها متفاضلة تفاضلا بينا، فليس طالب الحسنات يعدها عدا، كمن يصوم طلبا للجنة، وليس من تستهويه لذات الجنة، كمن تعلو همته للبحث عن رؤية خالقه ونيل رضاه؛ كيف لا وذلك هو تمام اليقين، الذي يفوق اليقين الذي يتأتى برؤية الرسل، ومعاينة المعجزات والآيات الدالة على الله حين كان غيبا.

والصائمون والصائمات يتقلبون في هذه المقامات، ما بين مقتصد وسابق بالخيرات؛ ولا يعاب من مقاصد الناس شيء مما ذكر، لكن هناك مقاصد دنيات، لا تناسب هذه العبادة الربانية، ومن هذه المقاصد، الصيام حمية وطلبا للصحة، وتخلصا من الدهون والوزن الزائد، وبعض خدام الجسم، يظل مقياس الصوم عندهم، بمقدار ما ينقص من أوزانهم، وما يحسون به من راحة في أمعائهم؛ وآخرون يقدمون الصيام باعتباره عادة اجتماعية جميلة، فلا حديث إلا عن موائد الإفطار ومحتوياتها، والمسلسل المفضل في رمضان، وقضاء “الوقت الميت” بحسبهم، وسوى ذلك من العادات التي لا تمثل فيها العبادات إلا جزءا تتزين به العادات.

بينما ينصرم شهر رمضان وتنصرم معه فرصة الفوز برضا الله تعالى، وفرصة الفتح المبين، في التغلب على مكر النفس ونزواتها، حين يضع الصائمون نفوسهم تحت مجهر رمضان، يراقبون درجة التخلص من صور المعاصي في خيالهم، يراقبون درجة التلذذ بالصيام والقيام بدل التلذذ بالموبقات، يراقبون تحول النفس من أمارة بالسوء، إلى مستكينة لوامة فمطمئنة بعبادة الله تعالى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.