منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التراث بين مسألتي التجديد والتأصيل

سلسلة نقاشات فكرية ولسانية (2)

0
اشترك في النشرة البريدية

تقديم:

تسعى هذه التوطئة إلى وضع الأصبع على القضية التي كانت مثار نقاش بين السادة الأساتذة والباحثين؛ ممن يشغلهم هم البحث والمعرفة، فلا يجدون أمامهم إلا طريقا واحدة هي المحاورة والمذاكرة، والأخذ والرد في الآراء إشباعا لنهمهم العلمي، واستجابة لحوافزهم البحثية، ألا وهي قضية التراث.

“قضية التراث ليست قضية الماضي فقط، بل إنها قضية الحاضر والمستقبل”. كذلك يتردد على لسان الأستاذ بدر المقري كلّما سمح المقام بالحديث عن قضية أسالت المداد، واستهلكت القراطيس وما تزال؛ بالنظر إلى ما تستوجبه من أهمية وعناية في تأسيس الحاضر واستشراف المستقبل. ينتمي هذا التراث، إذًا، إلى فترة الماضي، وقد قيل عمن لا يتذكر ماضيه إنه “محكوم عليه بإعادته”. وانطلاقا من هذا الأساس، وجب على الأمة العربية أن لا تألوَ جهدا، وقد فعَلت، في إنفاق الوسع والطاقة بغية نفض الغبار عن هذا الموروث الثقافي العظيم الذي، لولا عناية معشر المحققين -الذين كانت لهم اليدُ الطُّولى في إخراج تلك الدرر النفيسة من العتمة إلى النور-لما استطعنا أن نبصر هذا الزخم من الدراسات والأبحاث تتلقف إشكالاتٍ كثيرةً تزيد هذا التراثَ وضوحًا وضياءً وجلاءً.

إن التعامل مع التراث العربي يستدعي التساؤل عن الطرائق والكيفيات التي تفضي بنا إلى نتائج من شأنها أن تضيف لبنةً أو، بالأحرى، لبناتٍ إلى صرح الحاضر لتُطور من معطياته، وتتقدم به خطوات إلى الأمام، لذلك رأى الأستاذ نصر حامد أبو زيد أن “قراءة التراث وتأويله في ضوء مشكلات الواقع الراهن تمثل إحدى الهموم الفلسفية في الفكر الإنساني المعاصر” ، ومصطلح “القراءة” ذاك، تنزّل في البحث اللساني بالخصوص، منزلةً ذات قيمة نفعية عظيمة؛ حيث اتخذه ثلة من الباحثين مطية للنبش في الجذور، ونظم خيط متين يصل الماضي بالحاضر حتى لا تتقطع السلسلة، وتتصدع الأرضية.

ولا شك في أن علاقة التراث اللغوي بالنظريات اللسانية الحديثة من القضايا الأساس التي تمحور حولها البحث اللساني العربي المعاصر، وهو عمل ينطوي تحت رؤية أكثر شمولية تروم الربط بين تيارين كبيرين أحدهما أصيل والثاني معاصر (الأصالة والمعاصرة)، مما يجعلنا نقف، في ضرب من الدهشة والحيرة، متسائلين: كيف يمكن الجمع بين مضامين التراث ومفاهيم اللسانيات الحديثة جمعا لا يطمس معالم الأول، ولا يبخس حق الثاني؟

المزيد من المشاركات
1 من 52

في إطار هذه القضية تحضر عدد من الأسماء اللامعة في سماء اللسانيات العربية، والفاعلة في محاورة قضية التراث، والهادفة إلى إماطة اللثام عن طرائق منهج إعادة قراءة التراث العربي؛ هذا المنهج الذي يحلو للباحث المغربي مصطفى غلفان تسميته بـ”لسانيات التراث”، ويرتضي استعماله، أيضا، الباحث حافظ إسماعيلي علوي. من أبرز هذه الأسماء: محمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، ومصطفى غلفان، وعبد السلام المسدي وحافظ إسماعيلي علوي وغيرهم.

ولا أقول في الختام إلا ما قاله الشيخ محمود محمد شاكر وهو يتحدث عن جهوده في قراءة التراث والإفادة منه بالشكل الذي يليق به: “فمنهجي في “تذوق الكلام”، معني كل العناية باستنباط هذه الدفائن، وباستدراجها من مكامنها، ومعالجة نظم الكلام ولفظه معالجة تتيح لي أن أنفُضَ الظلامَ عن مصُونها، وأُميطَ اللثامَ عن أخفَى أسرارِها وأغمضِ سرائرِها. وهذا أمرٌ لا يُستطاعُ ولا تكون له ثمرة، إلا بالأناة والصّبر، وإِلّا باستقصاءِ الجهد في التثبّت من معاني ألفاظ اللغة، ومن مجاري دلالاتها الظاهرة والخفيّة، بلا استكراه ولا عجلة، وبلا ذهاب مع الخاطر الأول، وبلا توهّم مُستبِدّ تُخضعُ لَهُ نظمَ الكلام ولفظَه”.

وإن كنّا سنسلك سبيل القراءة لقول محمود مجمد شاكر، مثلما سنفعل مع التراث، فلن نفهم من كلام هذا الرجل الشهم إلا رسالة توصي بضرورة حذر الباحث الذي يحدوه الشغف والحماس، وهو يقرع باب التراث، من مزالق القراءة ومتاهات التأويل.

هذا نقاش جمع ثلة من الباحثين من جامعات مغربية شتى، اخترنا أن ننقله للقارئ الكريم لنشاركه هذا الهم، وقد حافظنا على النقاش ولم نغير فيه إلا ما فرضته الضرورة العلمية والمنهجية؛ حيث صححنا الأخطاء المطبعية، وأعدنا ترتيب النقاش حسب السياقات التي ورد فيها، آملين أن يستمر الحوار في قضايا معرفية وعلمية مهمة[1].

 

بدأ نقاش التراث بين مسألتي التجديد والتأصيل بتساؤل الأستاذ الباحث رشيد بريشو:

السؤال الذي يطرح اليوم في هذا الصدد هو: ما الذي يحتاجه التراث ليتجدد؟ وما الذي يحتاجه الجديد ليتأصل؟

ذ. مصطفى العادل:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

سؤال مهم… أعتقد أن التجديد يحتاج إلى باحثين يستوعبون السياقين معا، ويدركون حقيقة التراث وحقيقة الحديث. أنا لا أدري هل نحتاج إلى تجديد وإعادة قراءة التراث أم قراءته أصلا. التراث بمعناه الصحيح لم يقرأ. والحديث لم يستوعب بالشكل الصحيح، وما يزال يعاني إشكالات كبيرة.

ذ. رشيد بريشو:

عين الصواب… فمن الإشكالات التي تتخبط فيها العلوم الإنسانية ما يتعلق بتحديد المفاهيم… فما الذي يعتبر تراثا؟ وما الحديث؟ هل كل ما ينتمي إلى حقب زمانية خلت يدخل ضمن التراث؟ أوليس مجموعة من النظريات التي يطلق عليها اسم الحديثة وجد لها أصل فيما مضى؟

ذ. أشرف سليم قنيطرة:

سؤال: ما المعنى الصحيح للتراث السيد مصطفى؟ خروجك بهذه الفكرة يلزمك تبريرها لا تمريرها والسكوت عنها

ذ. مصطفى العادل:

المعنى الصحيح للتراث هو فهمه في شموليته وتداخل فروعه ومعارف، التراث باعتباره معرفة لها سياق حضاري ومعرفي مختلف، عندما نتحدث عن التراث اللغوي في الحضارة الإسلامية ما هو إلا جزء بسيط من منظومة متكاملة ومتداخلة لا فصل فيها بين المعارف والتخصصات، ولا عن السياق الذي عاش فيه الذين كتبوه، التراث باعتباره وليد تلك اللحظة بسياقها المعرفي والحضاري وبتوجهات ومنطلقات كتّابه وأعلامه، وفي الظروف السياسية والاجتماعية….

واهم من يعتقد أن التراث اللغوي لا يخرج عن كتب اللغة ويقزم الفكر النحوي في الكتاب لسيبويه.

الفهم الصحيح للتراث في فهم تداخل المعارف وتشابكها مع ربطها بالسياق والمنطلقات.

ذ. أشرف سليم قنيطرة:

كلامك غير واضح السيد مصطفى، التراث في بساطته له أصول يرجع إليها ولا يجب الحيدة عنها، أساسه كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وما علل العرب ومقاييسها… انا هنا اتحدث عن التراث اللغوي العربي. وما دمت تحب طه عبد الرحمن. سأقول لك قولة مشهورة عنه: “اقرؤوا التراث بالتراث”

ذ. مصطفى العادل:

عندما نتحدث عن السياق الحضاري والمعرفي ففيه ذلك. التراث اللغوي العربي جزء من منظومة وهذه المنظومة محكومة بسياق… واللغة في التصور اللغة أداة والة لفهم الغاية…

ذ. حسين البعطاوي:

وثاني هذه المشاكل فوضى المصطلحات… لا نكاد نستقر على مصطلح واحد ولا يكاد يتفق عليه.

مع العلم أن المصطلحات مفاتيح العلوم. وهو جزء مهم يعكر صفو الباحثين في العالم العربي خاصة. وذلك مرده إلى العلوم المستوردة، والترجمة خصوصا. ناهيك عن هدم فلسفة العلوم التي تعتبر مهدا حقيقيا لنشأة العلوم وتطورها. ولعل هذا إشكال آخر …

ذ. عبد الرزاق التيجاني:

ربما لو أعدنا قراءة التراث بعين نقدية حسب ما توصل له العلم الآن، كما فعل صاحب الصرف الأبوفوني مكارثي وأيضا جولد سميث، حين أعادا قراءة الصرف العربي خاصة مع ابن عصفور صوريا واكتشفوا اختلالات كبيرة على مستوى التجرد والزيادة واستطاع تفسير حروف العلة في العربية. الفكرة أن المعرفة لا تبنيها أمة بعينها، بل نبنيها التراكمات الإنسانية على مدى قرون من المعرفة والبحث والتنقيب.

ذ. أشرف سليم قنيطرة:

التراث اللغوي العربي الذي يعنيني دون غيره تراث خصب، معطاء، ما زال يعطي كثيرا من أسراره المتراطمة في بحر لجي، حين سألت عن المعنى الصحيح للتراث كنت أنتظر الحديث عن معناه البسيط والواضح، التراث ببساطة ما تركه لنا أسلافنا منذ العهد النبوي وصولا الى القرون الثلاثة الأولى أو ما تعرف بزمن التقعيد التي أعمل فيها العلماء فكرهم وعقلهم واستنباطاتهم لإخراج الكلام العربي غضا طريا ناصعا، أما إشكالية تأثير وتأثر التراث العربي بالتراث الإنساني فهذا فيه نظر، تراثنا العربي تراث إلهي مرجعه إلهي شئنا أم أبينا ، حين نحافظ على هذه الأصول المكينة بعدها لنجتهد كما نريد في فروع هذا التراث.

المشكلة أن كثيرا منا بدأ يضرب التراث في أصوله مثلا حين تسمع إزالة النحو من المقررات الدراسية أو تقزيمه هذه صورة من صور ضرب التراث للأسف هناك من يركده. يؤكده ويدعمه مؤخرا عميد كلية الآداب ببنمسيك؛ حيث حذر الجميع من أن النحو العربي سينقرض من الجامعة المغربية لأنه يحارب.

ذ. حسين البعطاوي:

أولا قبل تجديد التراث. ينبغي التأكد من بعض المقولات التي ربما أسيء فهمها ومن بينها “إقرؤوا التراث بالتراث” أو “أول التجديد قتل القديم فهمًا وبحثًا ودراسة «. فهل التجديد هو المكوث في التراث…أم هي قراءة ثانية بما يعرفه العصر من تطور وازدهار؟

ثم أي تجديد هذا الذي يقرأ التراث بالتراث…حري أن يقرأ التراث بتراث العصر ومستجداته. مع الانفتاح دوما على المتاح البشري… (الآخر).

ومن ذلك قول الدكتور عبد الله محمد الغذامي”من علامات تحضر الأمة أن يكون لها أدب تتجدد روحه مع تجدد نسمات الصباح، فكما أن النسمة التي تهب اليوم ليست هي النسمة التي هبت بالأمس، فكذلك يجب أن تكون القصيدة…وذلك كي نثبت أن عقول الأمة لازالت معطاءة ولم يشح مكنونها” كتاب الموقف من الحداثة ومسائل أخرى. وما يقوله الغذامي عن القصيدة ينطبق على باقي العلوم الأخرى…

ذ. أشرف سليم قنيطرة:

سؤال للسيد حسين: هل قرئ التراث كله وانتهي منه ورفعت اقلامه وجفت صحفه كي نقوم بتجديده وإعادة قراءته؟

ذ. حسين البعطاوي:

أغلب قضاياه وما حفل به تراثنا قضايا معروفة ومعدودة. تلوكها الألسن والأقلام.

طبعا ليست هناك قراءة واحدة ووحيدة للتراث. لكن باطلاعنا عليها يتبين أننا أسقطنا عليها هذا الفعل. خذ التراث النقدي مثلا. (يراجع عبد القادر القط على سبيل التمثيل لا الحصر). وما قيل في القضايا النقدية. أيعد هذا تجديدا؟ أهي قراءة ثانية…؟ لا نعتقد ذلك.

ذ. عبد الرزاق الفراوزي:

لدي اشكال يثيرني دوما أرجو التفاعل معه بهدوء. فالبحث العلمي في عمقه سؤال مستفز للأذهان.

نعلم أن علم الحديث وعلم أصول الفقه والتفسير من العلوم السابقة على علم أصول النحو كما يشير إلى ذلك ابن جني.

ونعلم أن علم أصول الفقه هو علوم الاستدلال على الحكم الشرعي باعتماد المنهج الاستدلالي المعروف حيث القياس والعلة…

ونعلم أيضا أن النحو هو استدلال على الحكم اللغوي اعتمد منهج الفقهاء بشكل كبير.

ونعلم أيضا أن ما تم جمعه في اللغة لم يشكل كل اللغة العربية. بل يقال إنه قليلها. كما أن ما تم جمعه كان انتقائيا ربما تحكم الفعل السياسي والنسق الاجتماعي والقبلي في ذلك

بناء عليه. هل يمكن اعتبار علم النحو بقواعده وأحكامه اللغوية تأسس بناء على الاستدلال الفقهي. والاجتهادات الفقهية التي حكتها ظرفية سياسية وثقافية واجتماعية؟

بعبارة اخرى هل علم النحو جاء لخدمة الاجتهادات الفقهية؟

د. مولاي أحمد رفيق الخير:

أقول في النقاش السابق: ينبغي أن نميز خصوصية المعرفة اللغوية العربية، خاصة النحوية، فجغرافيتها تختلف عن باقي جغرافيات الدرس اللغوي، والحركية التي عرفتها تختلف عن باقي الحراك اللغوي في الأمصار الأخرى. ولكي نستوعب هذا يلزمنا التمييز بين أطوار التالية:

طور النشأة -طور التطور والازدهار -وطور التصحيح والاكتمال -وطور الشرح والتبسيط.

وكل واحد من هذه الأطوار يختلف من جهة الزمن، ومن جهة الفئة المستهدفة من الخطاب، ومن جهة العوامل السياسية والفكرية والعقدية التي تحكمها. وفهم هذا التباين الدقيق، والتلازم التعاقبي بينها يجعلنا ندرك سبب غزارة التصنيف في النحو وفكره.

وإذا علمنا أن الأجيال تختلف في تكوينها المعرفي، وفي مكتسباتها اللغوية، وأنها تتدنى من قرن إلى قرن بسبب عوامل تداخل الشعوب والثقافات، وعوامل سياسية … فهمنا لما كان رجالات اللغة الأوائل يعمدون إلى هذا المنهج، فهو عندي منهج تسييجي للغة من الانصهار والتلاشي، وهو منهج يضمن لها الديمومة والحياة.

– أمر آخر يعاني الدرس النحوي العربي اليوم من كثير من الإسقاطات، وينعت بكثير من التهم، خاصة من اللسانيين العرب الذين افتتنوا بالدس اللساني في البيئة الغربية، بكل تقسيماته وتفصيلاته، ولم يدققوا النظر في التراث النحوي في جانبه الصوتي، والريادة فيه، ولو اطلعنا فقط على سر صناعة الإعراب لابني جني لوجدنا به الشيء العجاب في هذا المجال. أضف إلى تناول النحاة لقضايا التركيب، والجملة، والتصريف، وقضية المعنى، وقضية الكلام، واللغة، ومنطق اللغة، والبحث في الأسلوب والأسلوبية، والمعنى الجمالي، أو جماليات النص، وقضية التداول … أمور كثيرة مطمورة في الدرس النحوي خاصة واللغوي عامة، وعليه يلزم قراءته بحذر وبدقة، والحكم عليه من داخله لا من خارجه، حتى يكون الحكم عن خُبر وعلم.

ويعجبني في هذا الصدد كلام هيمبولت تين حينما قال: يلزم النظر إلى الإبداع (سواء شعري، أو فكر لغوي) من خلال مقومات زمانه، وبيئته وعرقه، والحكم عليه بمقومات ومعايير زمان آخر، وذوق يبتعد عن ذوق البيئة التي نشأ فيها، تجن عليه، فكم من نص أو … حكم عليه بمعايير زمانه، وهجن بمعايير أزمنة أخرى، وكم من نص أو … هجن في زمنه، رفعت له الأعلام، ومجد بمعايير زمن آخر”. لهذا يلزم مناقشة التراث من داخله، وبمعايير زمانه، وقبل مناقشته ينبغي فهمه وفهم حركيته، وسبر أغواره، عندها يكون الحكم في محله.

نضيف إلى هذا على فرض النقصان الذي يعتوره، يلزم أن نعلم أن المعارف والعلوم لا تتصف بالجمود، فهي تتطور بتطور الإنسانية، وأنها تكمل بعضها البعض، وأن الآليات التحليلية تقترض من مختلف الحقول المعرفية، لكي تجاوز المطبات التي تقع فيها، ولكي تحل لغز معرفتها، فهي تسافر من مجال لمجال، فلا ضير من انتقال الآليات اللسانية لسد بياضات الدرس النحوي العربي بغية تطويره ونمائه وهكذا.

والخطير جدا أننا نحكم على المعرفة من هفوات الأشخاص، ومن البحوث التي أنجزوها لغاية في نفسهم، أو لعدم اتصافهم بالكفاءة العلمية التي تمكنهم من خلخلة المعرفة لحلحلة مشكلاتها، بينما يلزمنا أن ندرسه نحن بأعيننا وبصائرنا لإدراك ذلك المطمور الذي لم يصل له أحد.

الواقع هذا موضوع شيق، خيوطه عنكبوتية، تتجادبها أطراف عدة حبذا لو جعلت له ندوة فيه نناقش فيها الخبايا حتى نصل إلى بناء تصور علمي فيه.

هناك أمور كثيرة أريد إضافتها، ولكن أجمع بين العمل والكتابة، الشيء الذي لم يسعفني في الإحاطة بها إحاطة جامعة مانعة، كما دفع بي الأمر إلى الإسراع في التدوين، والبحث عن الاختصار، فوقعت في أخطاء غير مقصودة، شكرا.

‏‪ذ. خليل عبد العزيز‏:

علماؤنا المسلمون حتى لا نقول العرب أنتجوا علوما والغرب أنتج علوما. وليس هناك أي صراع بين الغرب والعرب وغيرهم. العلماء يشتغلون ولا يتصارعون. القدماء كانت لهم إشكالاتهم ولنا إشكالاتنا، لهم أهدافهم ولنا أهدافنا. أما قضية الموسوعية فهي عند للقدماء كما للمعاصرين، فهناك من المعاصرين من يتكلم عدة لغات، ولديه خبرة في عدة تخصصات ولديه عدة تقنيات… المعلوميات… لماذا نلغي أنفسنا أمام التراث. هم اجتهدوا وعملوا ويجب علينا نحن الآخرين أن نعمل ونجتهد. العلم للإنسانية جمعاء، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. لا يجب الانبهار لا بالغرب ولا بالعرب ولا بالعجم ولكن الانبهار يجب أن يكون بالعلم والإضافة وحل المشاكل التي تعيشها الإنسانية. تحياتي للجميع.

د. مولاي أحمد رفيق الخير:

لو تأملنا في أسباب النحو، لوجدنا أن الذين اشتغلوا به جلهم -إن لم نقل كلهم -من أهل الكلام ورجالات، وزمنهم كان النقاش الدائر حول مسائل هذا العلم، حيث كثر اللَّغَط فيها، وكانت الأدوات التي يعوَّل عليها في مناقشتها آليات عقلية، والنحو جله عقلي، الشيء الذي دفع علماء الكلام إلى الاتكاء عليه، في معالجة مسائله، أنظر مثلا قضية الاسم والمسمى، ونظرية العامل، وأشكال التعليل وطرائقه، وأنماط الاستدلال، وأنواعه … كل هذا يعري عن نوعية الارتباط بين الفنين.

أما الفقه فهو نقلي بالدرجة الأولى، وتشريع الأحكام ينبني على دليل النص لا دليل العقل، واللغة فيه تتقد بالنص، وبكيفية ورودها فيه، والفقيه يأخذ من النحو ما يسعف، فصارت آليته فرع، قد تستعمل وقد تهمل. الذي اعتنى بالجانب العقلي في الفقه هو المذهب الحنفي، ولهذا كانت أغلب توجيهاته للأحكام الفقهيه تعتمد على النحو بشكل كبير.

أحيلك على كتاب التوجيه النحوي في كتب أحكام القرآن.

وكتاب الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية للأسنوي ت 772 ه.

خصص ابن جني بابا لقضية الاسم والمسمى على منهج المتكلّمين يقول فيه: وفيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى، ولو كان إياه لم تجز إضافة أحدهما إلى صاحبه، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.”  وقد اعتبر هذا الباب دقيق المسلك، قليل التطرُّق والاعتياد.

وعن التعليل قال: وعلل النحويين -وأعني حذاقهم المتقنين لا إلفا وفهم المستضعفين -أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس، ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفّتها على النفس، وليس كذلك حديث الفقه”.

ذ. حسن همو:

في نظري مصطلح التراث ربما في مجال العلوم فيه نوع من اسقاط خطير، لان مصطلح التراث قد يبدو انه يدل على شي بال وقديم من الناحية التاريخية والزمنية، وهذا في العلوم لا يصح لأنها لا تبلى ولا تخلق بتجدد الازمان وتقادمها، فالعلم يبقى جديدا ولو مر عليه من السنين ما شاء الله ان يمر، وهذا الاسقاط هو الذي ولد تلقائيا النظرة الى الحديث بانه جديد، فيتعارض المصطلحان منذ البداية.

التراث أو علوم الانسان القديم عبارة عن قواعد تراكمية أسسها العقل الانسان، فكل عصر يضيف علماؤه الى هذا الصرح العلمي لبنات تلو اللبنات إلى أن يتم تشيد معمار العلم، وهذا الذي نسميه حديثا أو جديدا فهو لبنات اضيفت في هذا العصر الى هذا الصرح الانساني.

وقد شبهت العلم بالبناء لوجود تشابه بينهما، فالعلوم التي هي تأسيسية تعد قواعد صلبة في هذا البناء (كالأساس والاسواري والاركان…)، والعلوم الشارحة والتي تهتم بفروع دقيقة وجوانب خفية تشبه الطلاء والجبس والفسيفساء بالنسبة لهذا البناء.

وعندما يستوي هذا الصرح فلا مجال لأن ينكر عالم على عالم جهده ولا عصر على عصر جهده، ولا يحق لأحد أن يبخس جهد غيره ويثني على جهده، كما لا يمكن أن نتصور عمل صباغ أو فسيفسائي بلا عمل بناء أو نجار.

هكذا التصور العلوم سواء ما سميناه مجازا بالتراث وما سميناه مجازا بالحديث

ذ. صغيري عبد العلي:

العلم بمفهومه الشامل يقوم على دعامتين أساسيتين، الاحتواء، ثم التجاوز، فالكلام عن علم ما يقتضي أولا احتواء ما هو موجود منه؛ قراءة، وفهما، ثم نقدا… هذا النقد من خلاله يتجدد العلم بتجدد الأحوال والوقائع، والتجديد غالبا لا يكون في الأسس والمبادئ والأصول، وإنما يكون في الفروع، والتمثيل، والتفسير. خذ مثالا على ذلك الكمياء القديمة في مقابل الكمياء الحديثة، وعلوم اللغة قديما واللسانيات الحديثة…فلولا القديم ما وجد الحديث، وكل حديث سيصبح بعد حين قديما، فالتحديث يكن على مستوى سبل المعالجة، وطرق التفسير، أما الكليات فتبقى هي هي…

لذلك كل حديث عن تجديد التراث لا ينطلق من وعي بالأسس التي بني عليها، لا يمكن أن يتجاوز التنظير إلى التطبيق وإن تجاوزه لا يمكن أن يحل الإشكالات المطروحة، فإذا حصرنا الكلام في علم اللغة، فرغم الجهود المبذولة حديثة في معالجة اللغة بمختلف مستوياتها، إلا أن الوصول إلى مجال الأجرأة وحل إشكال تقريب اللغة من الأفهام أمر دون حدد،

ذ. كلاسني ابراهيم:

اختلفت نظرة العلماء والباحثين إلى ما خلفه السلف المتقدمون في جميع المجالات المعرفية، وأخص هنا العلوم الإنسانية، فنعتوه بالتراث العلمي، باعتباره إرثا ورثه الخلف، ولكن حكمهم عليه تضاربت فيه الآراء وتشعبت فيه الأقوال، فانقسمت إلى ثلاثة اتجاهات:

– اتجاه يدعو إلى التشبث بالتراث كما هو وتجميده وصيانة حرمته، ولا مجال فيه للتخطيء ولا للنقد.

– اتجاه يدعو إلى الاستفادة من هذا التراث وأخذ سمينه، وطرح الغث منه، مع استشراف المستقبل والاستفادة من العلوم الحديثة والمناهج المستجدة.

– اتجاه يرمي إلى إحداث قطيعة معرفية تاريخية مع التراث، فهو خاص بأصحابه، وهو نتاج سياق تاريخي واجتماعي مخصوص، وبالمقابل مناهجنا الحديثة وعلومنا الآنية وفق خصوصية عصرنا وظروفنا.

وإذا ربطنا الأمر باللغة ومناهج التعامل معها وتحليلها، فأرى أنه لا مناص للمتأخرين من اتباع المتقدمين، فهم المقعدون للغة المحيطون بعلومها وقواعدها، وفق مناهج رصينة أتيحت لهم إبانها، فما كان ممن يأتون تباعا إلا أن يسيروا على نهجهم وطريقهم، مثقفين آثارهم في ذلك، ولا داعي لذكر أمثلة على هذا، فهي كالشمس في واضحة النهار، ومن ثمة فالحديث عن التراث اللغوي هو حديث عن التأسيس، حديث عن المنهج، حديث عن الأصول، وما عدا هذا، فما هو إلا حديث عن فروع لا تعدو أن تكون اجتهادا قابلا للتعديل والتصويب.

إن ما خلفه المتقدمون من تراث لغوي رصين -تبعا لسياقهم التاريخي ومتطلبات عصرهم استطاعوا بفضل تمكنهم ودقة نظرهم وحصافة عقلهم -يظل منهجا حاكما على غيره، حتى إن المتأمل فيما استجد من مناهج حديثة لا تعدوا أن تكون تغييرا في الأسماء والمصطلحات والمفاهيم، من قبيل السياق والتداوليات والدلالة والحجاج… غير أن الغاية والهدف والمقصد واحد.

ذ. سلام أورحمة:

 في الحاجة إلى ضبط مفهوم المصطلح:

تشكل المصطلحات مظهرا من مظاهر العلم البشري، بل إنها مفاتيح العلوم كما قيل، وبما أن المصطلح يحتاج إلى مفهوم فإن مسألة تحديد المفهوم للمصطلح مسألة أساسية في ذهن الباحث، ومفاهيم/مفهومات المصطلحات ميالة بل تعشق التغيير والتبدل من علم إلى علم وحسب ما يشير إليه مفهوم المصطلح في ذهن الباحث قد يدخله في سوق حوارية تتجاذبه التيارات التي رسخت للقطيعة المعرفية بين ثنائية الماضي والحاضر، إما بدعوة نسيان الماضي وتجاهله هو المدخل للتجديد، أو التمسك بالماضي وتقديسه…، كما لو أن العلوم والمعارف في مختلف العصور والبقع الجغرافية في الوجود جزر معزولة عن بعضها البعض، ولا تستثنى المصطلحات التي ذُكرت في المداخلات السابقة من هذا الوضع، وذلك من قبيل التراث:  الحداثة، التأصيل التجديد، العلم، المعرفة،  واستنطاق مثل هذه المصطلحات وتحديد مفاهيمها/مفهوماتها بدقة من طرف الباحث مسألة أساسية بناء على أسس تكون مبنية على عدم التفريق بينها تقديسا أو انبهارا أو إعجابا أو تتبعا أو محاكاة … حتى لا يسقط في الخصومة وقاهرية السلطة المعرفية وقانا الله وإياكم منهما.

ذ. مصطفى العادل:

بعض التدخلات أشارت إلى مسألة التكامل بين القديم والحديث، هذا في نظري مهم جدا؛ حيث لا وجود في الحقيقة لما يروج له من قطيعة معرفية مع التراث أو مع المعارف القديمة بشكل عام، مسألة القطيعة لقت انتشارا كبيرا في المجتمعات المغلوبة المكتفية باستيراد الأفكار وإسقاطها، أما أعلام الفكر الغربي فإنهم قد اعترفوا أنفسهم بأن ما جاؤوا به هو امتداد لأفكار قديمة، يظهر ذلك من خلال البحث في الخلفيات الفلسفية والفكرية والعلمية للسانيات الكلية، فتشومسكي لا ينكر أنه استفاد من الفلسفة الأفلاطونية والديكارتية ونحو بورل روايال وهمبولدت ومن تجاوز السلوكية والبنيوية وغيرها.

ومع ذلك فإن الحديث عن تداخل المعارف القديمة بالحديثة يحتاج إلى أرضية منهجية وتصورية دقيقة تحدد بشكل مضبوط أوجه التكامل والتداخل، وهو ما تحتاج إليه الدراسات المعاصرة لا التعصب للقديم لدرجة التقديس ولا الانفتاح على الحديث لدرجة الانسلاخ.

الباحث العربي في كافة المعارف الحديثة يحتاج إلى الحداثة في معناها عند طه عبد الرحمن، وهي حداثة من داخل الحضارة، أو الحداثة باعتبارها تجديدا ومواكبة، أي روح الحداثة. لا الحداثة بمعناها الحداثي المعروف.

لكن هناك إشكال أعتقد أنه يقف حاجزا أمام أي باحث، هو عدم التمييز بين التراث باعتباره إبداعا معرفيا لحضارة في لحظة تاريخية ومكانية محددة، وموضوع العلم، مثال ذلك أن كثيرا من اللسانيين يشتغلون على الفكر اللغوي القديم لا على (اللسان) موضوع اللسانيات.

اللسانيات موضوعها اللغة أو اللسان، وحينما يدرس الباحث تصانيف التراث في حد ذاتها فهو باحث في تاريخ الأفكار وليس في مجال اللسانيات، فاللسانيات هو البحث في اللغة أو في اللسان بالمعنى الدقيق وأي بحث في التصانيف اللغوية في المجال اللساني لا ينبغي أن يتجاوز حدود البحث عما يفيد اللساني في دراسة اللسان.

خلاصة نميز بين دراسة اللسان ودراسة التراث أو دراسة تصانيف قديمة اشتغلت على اللسان وظواهره.

ذة. صارة أضوالي:

إشكالية التراث عويصة وبها حاجة إلى جهود مضنية لكشف ملابساتها.

هناك من الطلبة من يفصل فصلا لا أساس له بين اللسانيات الحديثة وعلوم اللغة القديمة، وهو فصل واهم!

ونحن إذ نبحث في هذه المسألة نجد من المفكرين العرب كثيرين ممن تحدثوا في قضية التراث، بل وحرروا رأيهم فيما أسموه لسانيات التراث؛ منهم:

وكثير من المفكرين تحدثوا فيها… عبد السلام المسدي، نصر حامد أبو زيد طه عبد الرحمن، مصطفى غلفان حافظ إسماعيلي علوي، واللائحة تطول وتطول.

ذ. عبد الحميد مبكير:

مسألة التراث نوقشت ونوقشت. المسألة هي: كيف نستفيد من هذا الكنز دون أن نسقط في التكرار أو الإحساس بالعجز أمامه.

أسلافنا اجتهدوا لزمانهم ومكانهم انطلاقا من الثوابت التي كانت لديهم وهما القرآن والحديث. فكل العلوم خادمة لهما. ما خلفوه لنا يمنحنا فرصة للتفكير في قضايا أخرى، فهم رحمهم الله أراحونا ومهدوا لنا الطريق. بقي علينا نحن أن نسير -لا أقول على نهجهم كأنه قرآن منزل-وفق ما يقتضيه زماننا ودون أن يعيقنا ما تركوه لنا عن النظر إلى المستقبل.

إذن تراثنا نستفيد منه بما يوافق النفس البشرية، أي الثوابت، أما الفروع فهم رجال ونحن رجال بتعبير أبي حنيفة رضي الله عنه.

ذة. صارة أضوالي:

سؤال الكيفية، أخي الكريم، يفضي بنا إلى الحديث عن المنهج؛ معنى هذا الطرائق والوسائل التي تمكننا من النظر إلى هذا التراث من زوايا متعددة؛ لأن التركيز على جانب واحد فقط من شأنه أن ينتهي بنا إلى أحكام قاصرة، أقول هذا الكلام بالنظر إلى طبيعة هذا التراث المتعددة المصادر والمنابع أو في إطار ما يسمى بالموسوعية… وهذا يتعارض تعارضا واضحا مع منهج “التخصص” الذي تنهجه جامعاتنا الآن.

أما في جانب التراث المتعلق باللغويات؛ فإن أهم ما تسفر عليه البحوث والدراسات الآن هو ما ذكرت سالفا من إسقاطات ومحاولات بحث أصول وجذور النظريات اللسانيات الحديثة في التراث… وهو نهج له ما له وعليه ما عليه من ملاحظات …

ذ. عبد الحميد مبكير:

وهذا هو ما قصدته. لا نجعل التراث حاجزا يمنعنا من التفكير والتنظير لحاضرنا ومسقبلنا. أنا أعشق التراث لاسيما “الشعبي” منه، لكن عشقي له لا يحول دون نقده و”غربلته”. إذن فتراثنا ليس صنما، وهكذا نظر من سبقنا إلى من سبقهم. لذلك نجد التصويبات والتكميلات والانتقادات كثيرة عندهم.

ذ. أسراوي عبد الغني:

حديثنا عن التراث (وأخص بالذكر التراث اللغوي العربي) يجب أن يستحضر جملة من المقومات من أهمها:

  • لا يمكن الحكم على التراث اللغوي بمعزل عن السياق الذي أفرزه، مع احترام خصوصياته، وطبيعة النواميس التي تتحكم في توجيهه، ومن ثمة لا يجوز القدح في التراث بدعوى أن المناهج والنظريات العلمية الحديثة تؤكد تجاوز بعض ملامح البحث التراثي.
  • إن مبدأ تراكم المعارف يقتضي أن ما توصلت إليه العلوم الحديثة إنما كان نتيجة تراكم التجارب وتكاملها، لذلك يجب استبعاد القطيعة الابستيمولوجية مع التراث، واستحضار التكامل المعرفي.
  • من شأن الانبهار بالتقدم العلمي في الغربي، وبعلاقته مع تاريخ العلوم واللغات الغربية أن يوقع في الكثير من اللبس، لأن اللغات الأوربية الحديثة نشأت بعد تراجع العربية بالأندلس، ومعظم هذه اللغات الحديثة ثارت على أصولها القديمة، وحاولت بناء تاريخ مستحدث تؤسسه الحداثة وفلسفة العلوم بدءا من عصور الأنوار. وهذا لا ينطبق على العربية التي نجد في تاريخها الممتد فترات أفضل بكثير من حاضرها.
  • لقد أفادت الدراسات الحديثة المنصبة على التراث من مخرجات النظريات العلمية الحديثة، ففي مجال اللسانيات مثلا لا ننكر أن مباحث الصواتة قد تم الحسم فيها بفصلها عن الصرافة، بعد أن ظلت المباحث متداخلة لقرون.
  • في التراث نفسه مجموعة من الشواهد التي تثبت أن بعضه يجدد بعضا، ويكفي تصفح المزهر للسيوطي على سبيل التمثيل لا الحصر، لنقف عند مراجعاته المتعددة لما ورد عند المتقدمين.
  • العودة إلى التراث لا يجب أن تأخذ بالقيود الصارمة التي تكتفي بالتنميط والتقديس، بل باب الاجتهاد مفتوح ما توالى الملوان. ومن شأن هذا الاجتهاد أن يعزز التراث ويفتح له آفاق للاستمرار والصمود…

ذ. محمد عبد الجبار‏:

إن مسألة التراث اللغوي وأصالته وعراقته وعلاقته باللسانيات طُرحت على موائد النقاش وجادت فيها قرائح الكتاب والنقاد بل ونوقشت في خضمها أطروحات وعُقدت لها ندوات ولا زالت.

ولكن لا بأس أن نبدي رأينا فيها باعتبارنا مهتمين بهذا الباب.

إن أي نهضة علمية شامخة المعالم لا يمكنها أن تنشأ من فراغ وإنما يجب أن تبدأ مما خلفه الآخرون، لأن في ذلك اعترافا بالجهود واستشعارا بقيمة الانتماء، لكنّ المطلع على تراثنا اللغوي عامة يجد فيه ما يشفي غليله من نظرات ثاقبة وإشارات متفحصة مضبوطة قد تكون المنطلق للنهوض به وإزالة غبار النسيان عنه بعدما طاله ردحا من الزمن، وفي علاقته باللسانيات يمكن القول:

إن الكتابة اللسانية العربية الحديثة لا ترقى للمستوى المرغوب إلا إذا استحضرت التراث العربي في نقاشاتها لكن بعيدا عن الإسقاطات التي تدعي السبق له أو تؤكد استفادة اللسانين الغربيين منه.

لا أحد ينكر اليوم أن تراثنا اللغوي يفقد طابع المنهجية التي تميز اللسانيات عنه، لكن هذا لا يمنعنا من أن ننتقي منه ما يخدم لغتنا اليوم ويجعلها تواكب التطور اللساني الحديث…

ذ. عمر الخياري:

ونحن نتحدث عن التراث لابد أن نحكم مجموعة من القواعد، ونراعي مجموعة من الحيثيات التي يدور التراث في فلكها أو هي تدور في فلكه؛ ومنها:

  • لابد أن نؤمن بأن المعارف امتداد؛ أي لها بداية ولها واقع وتستشرف مستقبل، وشتان بين البداية والنهاية، واصطحاب هذه الحقيقة في قراءة التراث مهمة في معرفة مستويات العلم.
  • أن العالم في اصطلاح التراث يقصد به الذي يضبط علوم عصره-تقريبا-بخلاف اليوم الذي يقتصر فيه لفظ العالم على المتخصص في مجال معرفي معين، والذي يؤكد هذه الحقيقة أن العالم قديما سواء كان رياضيا أو فيلسوفا أو طبيبا أو لغويا…عندما تستحدث عنده مفاهيم في تخصصه كان يسميها بنفسه ويختار لها اللفظ المناسب، وهذا دليل على أنه لغوي قبل أن يكون عالما بتخصصه، بخلاف اليوم نجد الطبيب مثلا عاجز عن تسمية ما يستحدث عنده من أمراض وأدوية وأدوات، بل هو  في أمس الحاجة إلى اللغوي من جهة وإلى عالم مصطلحي من جهة أخرى، فأصبح العمل الذي كان يقوم به فرد واحد  في القديم، تقوم به لجنة متكاملة في الحديث.
  • أن كلمة متخصص في مجال بعينه عند القدماء كانت ذما لصاحبها، لكنها مدحا عند المعاصرين اليوم، وهذا يلفت نظرنا إلى حقيقة مهمة، هي أن القدماء يؤمنون بمبدئ التكامل بين العلوم ولا يمكن الفصل بينها بأي وجه من الوجوه أو تحت أي ذريعة من الذرائع التي يتعذر بها اليوم، لأن العلوم في أصلها منظومة متكاملة، ومن شأن المنظومة أن المساس بأي جزء منها هو مساس بالنظام أجمع

ذ. مصطفى العادل:

تراودني فكرة عند الحديث عن مسألة التراث العربي ولا أدري إلى أي مدى يمكن التسليم بها.

ومنطوق الفكرة هو أن التراث العربي الإسلامي يمثل قمة إبداع العقل المسلم علميا ومعرفيا داخل إطار الوحي؛ أي أن التراث العربي الإسلامي ليس مجرد علوم ومعارف قديمة توصل اليها العقل البشري في مرحلة قديمة، بل هو الأنموذج الفريد الذي استطاع أن يسخر العلم في البحث في الأسئلة الوجودية: من أنا؟ من أين جئت؟ إلى أين أسير؟ ولماذا أنا هنا؟

ذة. سمية بوكرين

الحقيقة أن المشكلة ليست في التراث بحد ذاته بل في الطريقة التي نتناول بها التراث، حيث أصبح المفكرون يتعاملون مع التراث بمنطق القياس، أي أنهم يقيسون كل ما هو جديد على ما هو قديم، في حين أن التراث يجب أن يكون لبنة أولى ننطلق منها إلى أشياء أخرى جديدة. صحيح أن ما أنتجه الفكر الإسلامي لا يقدر بثمن ووصل ذروته، لكن الآن لدينا وسائل أحدث يستطيع من خلالها العلماء والمفكرون الاستناد إلى ما خلفه السلف للوصول إلى نتائج جديدة، وليس بالضرورة أن هذا الجديد سينسف التراث إذا كان غير متناسب معه؛ إذ العلم والفكر بصفة عامة يكمل بعضه بعضا على مر التاريخ، ويستفيد لاحقه من سابقه.

ذة. صارة اضوالي:

يساورني الرأي نفسه أخي مصطفى.

في الحقيقة، الأمة العربية الآن لا ينبغي لها أن تخجل من الشكوى بضعف مستواها العلمي والثقافي؛ هذا المستوى الذي سبقته أسباب أفضت إليه وحددت نتائجه منذ البداية سياسية واجتماعية…

لذلك، أولئك الذين يقدحون في أفكار علماء السلف، ويثورون ثورات لا سبب وراءها غير الإعجاب بمنتجات الغرب، والانسياق خلف ما عند الآخر، لم نرهم بعد قد قدموا بديلا يدهشنا ويذهلنا كما فعل علماؤنا… فلا هم ساروا مع الركب، ولا هم سلم الركب من شرهم…

وفي هذا السياق، أتفق كثيرا مع الأستاذ بدر المقري إذ يقول: “التراث ليست قضية الماضي فقط، وإنما قضية الحاضر والمستقبل”.

وبالنظر إلى ما سبق، أقول أيضا إن التغاضي عن التراث وعدم فهمه فهما صحيحا يليق بمقامه وسياقه والظروف التي أنتجته، ليس ينتج إلا فهوما مزيفة، وحقائق مبتورة…

ومن لم يستفد من ماضيه، لن يتمكن من رؤية حاضره، ولا أن يستشرف مستقبله.

ذ. عمر الخياري:

مسلمتك يمكن الاستدلال عليها من عدة أوجه الأستاذ مصطفى؛ لأن العقل عندهم كان مسددا. بالوحي. فأضاف الله قوة إلى قوتهم البشرية الطبيعية، وهذا شأن كل عقل رضع الحكمة من الوحي، لأن التصور عنده يكون واضحا أكثر من غيره، ألا ترى إلى العلماء الذين تحققوا من العلم غاية التحقق وكانوا على صلة بالوحي أن استدلالهم ونظرتهم للأشياء لها طعم غير الذي تجده عند غيرهم رغم تمكن بعضهم من الأداة المعرفية. ولذلك فالعقل البشري يبقى عاجزا عن إدراك الحقيقة كاملة إلا بنور الوحي، لأن الوحي يوجه الفهم الزائغ، ويضبط حرية العقل بمقاييس كونية ولا يمنع هذه الحرية، وهذا معناه أن سلطان الوحي أكبر من سلطان العقل، وهذا هو السر في تفوق العقل القديم، ذلك التفوق المبهر الذي لم يتكرر، ويمكن أن يتكرر إن تم توظيف العقل بالمستوى الذي يجعل نظرته للأشياء نظرة كونية تستوعب التاريخ والجغرافيا والمعارف والعلوم، عندما تجتمع هذه العناصر تنتج الكمال البشري، وهو ما نراه في العقل التراثي، ومفقود عندنا مع الأسف.

ذ. عبد الحميد مبكير:

أوافقك الرأي. وقد قلت آنفا ما دون الوحي كله قابل للنقاش. أي أن العقل ما هو إلا خادم للوحي.

ذ. مصطفى العادل:

صحيح، هذا الذي أركز عليه بشكل خاص، الذين يعتقدون أنهم حماة التراث اللغوي يجعلون منه موضوع دراساتهم، أي اعتبار التراث موضوع العلم وانتهى.

هذا شيء مهم جدا لكنه يندرج في تاريخ المعرفة لا في المعرفة نفسها.

والمثال الأبرز أنهم أحيانا يصل بهم الأمر إلى (تكفير) اللسانيين و(تحريم) اللسانيات بدعوة العودة إلى التراث، ودراسة التراث.

هنا يكمن الخلل المنهجي لأن اللسانيات موضوعها اللغة أو اللسان بالتالي اللساني العربي يدرس قضايا العربية ويواكب العصر ويبحث في أهم الاشكالات المرتبطة باللسان، سواء من حيث نقد ما كتب أو في جعل العربية مواكبة للعصر، وإذا رجع اللساني في هذه الحالة إلى التراث فإنه من أجل الاستفادة في دراسته أو من أجل تأسيس المعرفة اللسانية على الجهود السابقة عملا بالتكامل بين القديم والحديث.

أما أن يعود اللساني إلى التراث، ويكتفي بالتأريخ أو المقارنة بين قضايا في التراث، فهذا من صلب تاريخ المعرفة والتأريخ لا البحث في العلم.

المنهج السليم هو استيعاب الماضي واتخاذه أساسا متينا والانفتاح على الحديث لاستشراف مستقبل يتفاعل فيه اللغوي العربي لإيجاد حلول ناجعة للإشكالات التي تواجه اللسان العربي، لا الجمود على القديم والبكاء على الأطلال.

لكن هناك إشكال كبير يواجهنا اليوم هو أن معظم اللغويين المحدثين تخرجوا من الجامعات الغربية، ولم يكن لهم حظ من التراث العربي، بالتالي يتعاملون مع اللسان العربي بإسقاط الأفكار التي تلقوها في الغرب ويسقطون أحيانا في تأويلات كأنها جديدة في اللسان العربي لجهلهم بما دار حولها من نقاش. ضف إلى ذلك مشكل التخصص الضيق الذي يحرم الباحث من استيعاب المعارف في تداخلاتها.

هذه الاشكالات ستتضاعف في المستقبل لأن المتخرجين من الجامعات اليوم يواجهون التحديين معا، لا هم متمكنون من البحث اللغوي كما هو في الغرب من حيث الحوار الدائر وسرعة التغير والتجدد، ولا هم مستوعبون لتصانيف التراث، خاصة وأن المتخصص منا في فرع لغوي يكاد يجهل ما في باقي الفروع، والمتخصص في اللسانيات يجهل الأدب، والمتخصص في علوم العربية يجهل ويغيب عنه ما في العلوم الشرعية والإسلامية التي تعتبر رافدا مهما للدرس اللغوي ولغويات العربية.

ذ. أشرف سليم قنيطرة:

اللسانيات موضوعها اللسان وليس اللغة، هذا خلط كبير وخطير يقع فيه الكثير، ينظر في هذا الإطار ترجمة قنيني ومحاضرة د التاقي في كلية بني ملال ومحاضرة البوشيخي في السعودية هما موجودتان في اليوتيب.

الحاصل هذا العلم مضطرب من بدايته نفر كثير يقول لك موضوع اللسانيات اللغة ونفر آخر اللسان ….

د. الحفياني بن عبد الله:

اللسانيات موضوعها اللسان عند البنيوية بكل فروعها، أما في المدارس الأخرى، كالتوليدية مثلا، فموضوع اللسانيات هو اللغات الطبيعية، انظر في هذا الصدد اللغة والعقل لتشومسكي، واللسانيات واللغة العربية للفاسي الفهري، والأمثلة على هذا أكثر من أن تحتاج إلى تشكيك أو استبيان.

ذ. مصطفى العادل:

قلت مرارا موضوع اللسانيات اللغة أو اللسان بشكل أدق مع أننا هنا نستعملها بشكل عام دون التمييز الدقيق بينهما لأننا لا نبحث في اللغة واللسان في حد ذاتهما. ويجوز أن نستعمل اللغة مكان اللسانيات حينما لا يكون النقاش خاصا أو بين متخصصين، هذا الكلام لغلفان، ينظر محاضرات الخلفيات الفلسفية والعلمية للسانيات التوليدية. ثم أي لسانيات نقصد حتى نعرف هل اللسان أو اللغة الطبيعية أن نحو اللغة والقدرة….

ذة. صارة أضوالي:

عين الصواب السيد العادل، وقد أشرت فيما مضى من المحادثة إلى بعض مما ذكرت. إشكال التخصص يقف حجرة عثرة أمام طلاب الدراسات العربية اليوم. ومخطئ ذاك الذي يظن أن دراسة النحو العربي تصرفه عن دراسة العلم الأخرى وتنأى به عن البحث في العلوم الشرعية؛ بدعوى أن مجال تخصصه هو النحو فقط ولا شيء غير النحو. متناسيا أن الكتاب لسيبويه؛ بوصفه منطلق التأليف وعمدة التنظير الأولي في هذا العلم، يعد ذخيرة عظيمة، ومعينا لا ينضب في مجالات شتى؛ نحوا وصرفا وأصواتا وتفسيرا وقراءات وغيرها.

ذ. حسن همو:

التراث كما قلت سابقا جزء من كينونة الانسان فردا وجماعة، ولا يمكن ان نبدأ من الصفر في كل العلوم، وجدة الحديث يستمدها من التراث، وقوامه في اثارة الاشياء الجديدة التي لم تكن وإلا فلا حاجة لتكرار ما قيل في الماضي واجترار قولة ما ترك الاول للآخر شيئا.

ذ. عدنان سعيد:

ليس في مقدور أيا كان أن يقلل من شأن التراث، أو أن يبخسه. فهو يمثل الأسس والمرتكزات التي يركن إليها مختلف الباحثين في بنائهم وتشيدهم لصرح المعرفة الحديثة سواء كانت نظرية أو تطبيقية؛ فالعمل على تطوير الفكر مقيد ضرورة بالعودة إلى الماضي لا لفهم ما سبق أن قيل فحسب، بل لمعرفة ما كان يمكن أن يقال.

ذ. حسين البعطاوي:

الذين انتقدوا التراث انتقدوه عن علم ومعرفة، بعد مدارسة ومكاشفة له. بالدليل العقلاني لا بالهرطقة والتحامل على النص/الخطاب. الجابري، محمد شحرور، وغيره كثير.

مع الأسف الشديد وهذه نتيجة أصولية العقل العربي أن التعامل بقداسة مع التراث (الفكر) جعل كل من يقرأ التراث أو يحاول ذلك. تتلقفه الألسنة مناطحة لا مناصحة أو مقارعة للقراءة، شعارهم في ذلك الكلام مع المتكلم لا الكلام. (رويبضة. خوارج. ملحدون….).

ذ. أسراوي عبد الغني:

لا أحد يقدس التراث. كما لا يجب ألا ننكر دور التراث فيما ينتجه العقل العربي الحديث إيمانا بتراكم المعرفة. والحديث عن الرويبضة مرتبط بسياق النص الذي أورده الدكتور العجان في شواهده. وغير ذلك لا ينبغي التعميم حتى نحفظ للنقاش أصوله.

 

 

شارك في النقاش (حسب الترتيب الألفبائي) كل من:

اسراوي عبد الغني، جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-بني ملال.

اضوالي صارة، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

أورحمة سلام، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

بريشو رشيد، جامعة ابن طفيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-القنيطرة.

البعطاوي حسين، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-فاس سايس.

بوكرين سمية، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

الحفياني بن عبد الله، مركز تحضير شهادة التقني العالي-تاونات.

خليل عبد العزيز، جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-بني ملال.

الخياري عمر، جامعة ابن طفيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-القنيطرة.

رفيق الخير مولاي أحمد، جامعة القاضي عياض، كلية اللغة العربية-مراكش.

سليم أشرف، جامعة ابن طفيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-القنيطرة.

صغيري عبد العلي، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

العادل مصطفى، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

عبد الجبار محمد، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

عدنان سعيد، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

الفراوزي عبد الرزاق، المركز الجهوي لهمن التربية والتكوين، بني ملال خنيفرة.

كلاسني إبراهيم، جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-بني ملال.

مبكير عبد الحميد، جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-وجدة.

همو حسن، جامعة السلطان مولاي سليمان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-بني ملال.

 

[1] صارة اضوالي، الناظور في: 18 ماي 2020

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.