منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حركة الأغلبية الأخلاقية( Morale Majority) في الولايات المتحدة الأمريكية

0
اشترك في النشرة البريدية

بعد أن تحدثنا عن الكنائس المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية على وجه العموم، ثم خصصنا الحديث عن الكنائس الإنجيلية البروتستانتية على وجه الخصوص، فإننا سنتحدث في هذا المحور عن تحالف أصولي بروتستانتي استطاع التأسيس لأغلبية أخلاقية كان لها الأثر البالغ في المجتمع الأمريكي. ارتبطت هذه الحركة الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية باسم  زعيمها “جيري فولوويل/ Jerry Fullwell “، القس الإنجليزي المتلفز، حيث يروي لنا ” فولوويل” بنفسه كيف جاءت فكرة تأسيس هذا التحالف داخل الولايات المتحدة الأمريكية، قائلا « أثناء استراحة للغذاء نظر إلي … أحد أفضل أصدقائي وهو أمريكي عظيم، وحدق في وجهي من طرف المائدة الآخر قائلا : ” جيري”، توجد في أمريكا أكثرية أخلاقية متفقة على عدد من القيم. ولكنها ليست منظمة وبلا برنامج، ولا تعرفها وسائل الإعلام. ينبغي لأحد ما أن يجمع هذه الأكثرية الأخلاقية »[1]. من هنا جاءت هذه التسمية ” أكثرية أخلاقية ” لتدل على تحالف أصولي بروتستانتي داخل الولايات المتحدة الأمريكية تجمعه قيم مشتركة من جهة، وأن هذا التحالف يشكل أغلبية لها برنامج تُعْرَفُ به في وسائل الإعلام من جهة ثانية. ولفرض تصورات ‘ الأكثرية الأخلاقية’ لجأ أصحابها إلى وسائل حديثة نذكر منها:

ـ1ـ تكنولوجيا المعلومات الحديثة:

ابتكر أحد رجال الأعمال المنتمين إلى ‘الأغلبية الأخلاقية ‘ أسلوب البريد المباشر’Direct Mail’ بالاعتماد على طريقة بسيطة لكن نتائجها فاعلة جدا، تبدأ بإرسالية بريدية مزودة بمكتوب وبدعوة إلى التبرع … وهكذا تنتقل الرسالة من بيت إلى بيت وتأتي بالمال أيضا. بهذه الطريقة استطاعت حركة ‘ الأغلبية الأخلاقية’ بقيادة ” فولوويل” أن تكسب تعاطف جمهور واسع وعريض، حيث كان لديه وحده « بنك معلومات يحتوي على خمسة وعشرون ألف عنوان »[2]. واستطاعت الحركة أن توفر ميزانية مالية مهمة لتمويل أنشطتها، بلغت في بداية تأسيسها « عشرة ملايين دولار»[3].

ـ2 ـ  البث التلفزي:

من خلال تأسيس إمبراطورية إعلامية ضخمة، كان غرضها الأول بث مبادئ وقيم حركة ‘الأكثرية الأخلاقية ‘ بالإضافة إلى بث رسالة التبشير المسيحي البروتستانتي. وهكذا ففي الفترة الممتدة من الستينات إلى السبعينات « أربعة من كل عشرة أجهزة تلفاز في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتحول إلى محطته في “لينسبورغ” فيرجينيا. لقد بدأ وزارته هناك ولم تمض سوى ثلاث سنوات حتى أصبح المشروع ثلاثة أضعاف حجمه الأصلي…وكانت الصلوات تبث على 392 قناة تلفزية و600 محطة إذاعية»[4]. هكذا إذن صاغ ” فولوويل” إمبراطوريته الإعلامية وفقا لقواعد السوق الحديثة.

المزيد من المشاركات
1 من 7

ونفس الأمر نجده في الإعلام السينمائي حيث تغلغلت الحركة في هذا المجال و تم « تخصيص ما يزيد على 100 مليون دولار لإنتاج سينمائي تعده في هوليوودـ ولاية أمريكيةـ مؤسسة إنتاجية اختارت له اسمGenesis ويشمل إنتاج 15 فيلما أعدت مادتها في سفر التكوين و18 فيلما من إنجيل

لوقا »[5].

ـ3ـ تأسيس كليات ومدارس

‘معمدانية ‘: ركزت حركة ‘الأكثرية الأخلاقية ‘ على التعليم باعتباره مدخلا أساسيا لتحصين أعضائها، وخلق مجتمع بديل يقطع الطريق على أنصار النزعة الإنسانية العلمانية. وبدأ ” فولوويل” بتشييد أول مدرسة تسير وفق الخط التوراتي « وضمت كلية ‘ليبرتي المعمدانية’ نحو1500 طالب»[6]. كان الطلاب في جامعة ‘ليبرتي’ يتدربون على جميع مسارات الحياة والمهن الرئيسية، وهم بهذه الطريقة تجاوزوا حياة الانعزال والانفصال التي كانت تميز الإنجيلية البروتستانتية في الولايات النتحدة الأمريكية.كما خرّجت هذه الجامعات أعدادا كبيرة من المتعلمين ـ الوعاظ ـ ليقوموا بدور التنصير، من خلال الإمبراطورية الإعلامية التي يملكها ” فولوويل”.

ـ4ـ مشاريع ذات صبغة اجتماعية :

استطاعت هذه الحركة أن تمتد إلى عمق الشعب الأمريكي من خلال مشاريع ذات صبغة اجتماعية، جعلتها تكسب قلوب الكثير من الأمريكيين، كما أسست مشاريع تتعاطف مع الناس ومنها منزلا لمدمني الكحول، ومنزلا للتمريض، ووكالة لتبني الأطفال كي يقدم بديلا للإجهاض. وبحلول الثمانينات بدأت حركة ” فولوويل”  تحاول استثمار إنجازاتها الإعلامية والاجتماعية والتعليمية لتطرق بها باب السياسة الأمريكية، وأصبحت تعتقد كذلك أن أمامها فرصة لإحداث تأثير في المجتمع الأمريكي وإعادته إلى الطريق الصحيح. ولم يكن الطريق معبدا بهذا الشكل لحركة ‘الأكثرية الأخلاقية’ لولا الأجواء الديمقراطية التي ترسخت في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنهم كانوا قادرين أن يعبروا عن آرائهم بحرية من دون خوف من انتقام وأن يستخدموا مؤسسات ديمقراطية لتوسيع إطار حركتهم والتغلغل أكثر في المجتمع الأمريكي.

أما على المستوى الأخلاقي فقد نصبت حركة ‘ الأكثرية الأخلاقية ‘ نفسها حامية للأسرة الأمريكية ضد الميل إلى الفسق واللا أخلاقية والإباحية التي تدمر الأسرة بكاملها. كما كانت الحركة ضد الحق في الإجهاض، وطالبت « بإعادة الصلاة إلى المدارس، وفرض الرقابة على الكتب المدرسية المعتبرة تقدمية أكثر مما ينبغي، وعلى برامج التلفزيون التي تتجاوز الحدود، والحفاظ على التفرقة بالنسبة للمثليين، وأخيرا المطالبة بتعليم سفر ‘التكوين’ كبديل عن نظرية التطور في المدارس»[7].                                                          استطاعت حركة ‘ الأكثرية الأخلاقية ‘ ومن خلال أجهزتها الإعلامية التأثير في صناعة القرار السياسي الأمريكي وتوجيهه وفق النبوءات الدينية التي تقول بعودة اليهود إلى فلسطين وقيام صهيون  ومعركة “هرمجدون”. كما استطاعت كسب تعاطف حركات أخرى تشاركها في آرائها حول القضايا الأخلاقية والسياسية، فأوجدوا منتدى يضم جميع المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا لقيت دعم الكاثوليك الرومان المماثلين لهم في العقلية  …  واليهود والعلمانيين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

ومنذ ثمانينات القرن الماضي ما عادت أية حملة انتخابية تستطيع تجاهل المواضيع الأخلاقية ،والتي أصبحت في مركز الجدل العام، تصنع المرشحين أو تقصيهم. واستطاعت حركة ” الأكثرية الأخلاقية ” أيضا أن تكسب المعترك السياسي الأمريكي و« أعادت القداسة إلى السياسية الأمريكية بطريقة تذهل البلدان الأوربية الأكثر علمانية »[8].

ـ الهوامش

[1] “. كارولين فورست وفيامتا فينر: العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية واليهودية، ترجمة: غازي أبوعقل، بترا للنشر والتوزيع ـ دمشق ـ الطبعة الأولى 2006م. ، ص:249 .

[2] ـ المرجع نفسه: الصفحة نفسها

[3] ـ المرجع نفسه: الصفحة نفسها

[4] ـ أرمسترونغ كارين: النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام، ترجمة: محمد الجورا، دار الكلمة للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى 2005م. ، ص:297 ( هذا الإحصاء كان في البدايات الأولى لحركة الأغلبية الأخلاقية وتحديدا مابين الستينات والسبعينات من القرن الماضي، أما الآن فإن هذه الإحصاءات تضاعفت بشكل كبير)

[5] سفربن عبد الرحمان الحوالي: القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى عليه، ألقيت المحاضرة بمدينة جدة في شهر جمادى الأولى 1412هـ، وطبعت في كتاب في نفس السنة، ص:53

[6] كارين أرمسترونغ: النزعات الأصولية في الديانات الثلاث، ص:297.

[7] كارولين فورست  العلمانية على محك الأصوليات، ص:250(مرجع سابق) .

[8] المرجع  نفسه، ص:338.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.