منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شرور «كورونا COVID 19» وسؤال العدل الإلهي

د.أحمد زقاقي

0

 

 

العدل اسم من أسماء الله الحسنى، وبالعدل قامت السماوات والأرض قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}، والغرض من الرسالات وإرسال الرسل هو إقامة العدل، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، وما أمر الله سبحانه بشيء مثل ما أمر بالعدل، قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}، وقال أيضا: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ}.
وحرم سبحانه الظلم على نفسه كما حرمه على خَلْقه، في الحديث القدسي «يا عِبادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظالَمُوا»، وعلى أساس العدل تُقتَضى الحقوق، يستوي في ذلك حقيرُها وكبيرُها، في الحديث المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتُؤدُّنَّ الحُقوقَ إلى أَهلِها يوم القيامة، حتّى يقادَ للشّاةِ الجلحاءِ منَ الشّاةِ القرناءِ».
أمام العدد الكثير من النصوص القرآنية والحديثية الآمرة بالعدل، والحاضة عليه، والمرغبة فيه، والمحذرة من تنكُّب طريقه، طفت على السطح من جديد أسئلة قديمة في ثوب جديد مع الانتشار السريع لوباء كورونا COVID-19 متسببا في:
أزمة صحية عالمية لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، وخلفت آلاف الموتى، وملايين المصابين، وزاد الأمرَ سوءا النقصُ الحاد في المُعدات الطبية.
أزمة اقتصادية عالمية كان أبرز معالمها: انهيار أسعار النفط، وتراجع نسب النمو، وتوقف الإنتاج بفعل سياسة الإغلاق الشامل، وفقدان الملايين من الناس لوظائفهم وأعمالهم.
أزمة طالت الصحة العقلية والنفسية مع انتهاج العالم لأسلوب العزلة والابتعاد الاجتماعي للحد من انتشار الفيروس، مما نجم عنه ارتفاع حالات الاكتئاب والقلق والاضطراب واللايقين.
مشاكل اجتماعية كالنزاع بين الأزواج، وسوء استثمار العزلة لتقوية العلاقات مع الأطفال، وتضييع فرصة الحفر عميقا في النفس، لتحقيق السلام الداخلي، حتى يظهر أثره في الخارج احتضانا وتضامنا وتحملا وتقبلا.
هذه الأزمات والمشاكل في حقيقتها شرور، وإذا شئنا أن نضع أسئلة بشأنها قلنا: ما بال هذا الشر المستطير «كورونا COVID 19 « يصطلي بناره الأبرياء الذين لم يرتكبوا جُرما لا في حق أنفسهم ولا في حق البشرية؟ والأطفال الذين «يُحبسون» في بيوتهم، وتُقَيد حركاتهم، ويُمنعون من الالتحاق بمدارسهم وملاعبهم؟ والشباب الذين يُحال بينهم وبين جامعاتهم ونواديهم؟ وقد يُحرم أطفال من والديهم أو أحدهما إن تمكَّن منهم «الفيروس الفتاك»؟ والعمال الذين تم تسريحهم والاستغناء عنهم ففقدوا بذلك موارد رزقهم؟ على مدار تاريخ البشرية كانت تثار مثل هذه الأسئلة كلما ضربت الناس كارثة، أو حلت بهم جائحة، أو خرت عليهم سقوف منازلهم بفعل الزلازل، أو أغرقتهم مياه الفيضانات، أو أذابت حِمم البراكين أجسادهم، أو اغبرَّت الأرض وجف الضرع ويبس الزرع نتيجة الجفاف، أو عم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان بشن الحروب، وتسلط الاستعمار، وقهر الاستبداد، وتغلغل الفساد، زد على هذا ما يتهدد العالم من حروب بأسلحة غير تقليدية لا تبقي ولا تذر:أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية.

التفسير والتحرير

على المحك إذا كانت إشكاليةُ وجود الشرور في العالم تضع قيمةَ «العدل»، وتثير الجدال حول قضية «الإيمان والإلحاد»، فالعجز عن تفسير المسألة أو عدم الاقتناع بالتفسيرات المقدمة لها أدى بالبعض إلى «الشكية» أو «اللاأدرية» أو «الإلحاد» بإنكار وجود «إله» أصلا، واختلف المؤمنون بوجوده بين النزوع إلى التوحيد، والقول بتعدد الآلهة، والاختلاف حول تعريف «الإله» وماهيته، فعديد من الفلاسفة والأنتروبولوجيين فسروا ظهور الدين بعجز الإنسان عن فهم الكثير من الظواهر الطبيعية مما دفعه إلى الإيمان بقوة قاهرة قد تكون نارا أو شمسا أو حجرا (الأصنام)، أو بشرا أو بقرا…إلخ.
في التاريخ الإيماني الذي سَطَّر الأنبياء – عليهم السلام- أنصع صفحاته، وتتابعوا ظهورا للتبشير بحقيقة واحدة هي «التوحيد»، غير أنهم لم يكونوا أصحاب نظريات لا شأن لها بواقع الناس، يُحسِنون فقط تشقيق الكلام، ومطاولة الخيال والمحال، مما قد يُحيل دعواتهم التوحيدية إلى طلاسم وألغاز، وإنما سعوا إلى:
أولا: فتح أعين الناس على ذواتهم، والتفكر في أنفسهم، وما هو مركوز فيهم من الفطرة التي لم تتلوث ولم تتغير قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.
ثانيا: نسج علاقة مع محيطهم وبيئتهم قائمة على الفهم العميق للغاية من الخَلق، وعلى تَبيُّن دلائل التصميم الذكي في الكون، قال تعالى:{ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ }، وقال أيضا: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}.
ثالثا: رفع التناقض بين الاعتقاد والعمل، لا سيما في قصص الأنبياء مع بني إسرائيل قال سبحانه وتعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
هذا الانفصام بين القول والفعل، وبين الإيمان والعمل- إذ العمل الصالح هو المظهر الخارجي للإيمان- شر أدى في كثير من الأحيان إلى فقدان ثقة الناس في المصلحين، وبالتبع أدَّى إلى وضع «العدل الإلهي» موضع الريبة والشك:
فلا معنى لإيمان لدى حاكم يدّعي الألوهية والفاعلية المطلقة وعدم المسؤولية عما يفعل – كما كان الكواكبي يُعرِّض بالمستبدين- ولذلك جاءت دعوة موسى إلى التَّخلُّص من الفرعونية والاستبداد مقترنة بدعوته إلى التوحيد والإيمان والعدل، أي التخلص من شر «معصية سياسية».
ولا معنى لاحتواش الأموال ومراكمة الثروات وتطفيف الميزان، فجاءت دعوة شعيب إلى محاربة هذه الآفات، فرد عليه قومه ردا مفاده أن لا شأن لك «بلبراليتنا المتوحِّشة»، وكان الأجدر بك أن تقتصر على دعوتنا للصلاة فقالوا كما حكى الله سبحانه على ألسنتهم: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}، فاستغربوا أن تجمع دعوته ورسالته بين الدعوة إلى التوحيد والالتزام الأخلاقي والدعوة إلى سلوك سبيل العدل بضبط المعاملات المالية واجتناب الجشع، فدعاهم للتوبة من «معصية اقتصادية».
ولا معنى لإيمان يتعايش مع رذائل الأخلاق، والمثلية الجنسية، لذلك جاءت دعوة لوط إلى التخلي والتنزه عن هذا الشذوذ الماسح للفطرة مقترنة أيضا بدعوته إلى التوحيد والعدل بعدم ظلم النفس ومسخ الفطرة، أي التوبة من «معصية أخلاقية».
وأخيرا لا معنى لتوحيد وإيمان يتساكنان مع الصنمية والآبائية في التفكير، قال سبحانه وتعالى:{قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}، ومع الجبرية الحتمية السالبة للحرية الإنسانية، قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}، ومع التسلط والظلم والاعتساف ففي الحديث «الظلم ظلمات يوم القيامة»، فجاءت دعوة محمد عليه الصلاة والسلام حربا على كل ذلك مقترنة بدعوته إلى التوحيد الحقيقي المؤسس على «من أصبح آمنا في سربه (الأمن الاجتماعي)، معافى في بدنه (الأمن الصحي) عنده قوت يومه (الأمن الغذائي) فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
فلا مجال إذا لمثالية حالمة، بل هي واقعية إيمانية لا يمكن بتاتا أن تفضي إلى إلحاد أو إفساد.

المزيد من المشاركات
1 من 18

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

الشرور والصدفة والعلم

لقد أرَّقت مشكلة وجود الشرور في العالَم العالِم البريطاني «أنتوني فلو» الذي كان يعتبر من أعمدة الإلحاد «العلمي» في العالم، إذ قال:»إن أحد الأسباب المبكرة لتحوُّلي إلى الإلحاد كان موضوع الشرور في العالم»، لكنه بعد مسيرة علمية حافلة أعلن بكل شجاعة انفصاله عن «مدرسة الإلحاد» مؤمنا بوجود إله، وقد ضمن مبررات انفصاله ذاك كتابه «هناك إله كيف غير أشهر ملحد رأيه».
وقد قضى في البحث العلمي خمسين عاما اقتفى فيها منهجا صارما قال عنه وعن نتيجته:»إن رحلة اكتشافي للمقدس كانت إلى حد بعيد رحلة عقل، لقد اتبعت الحجة إلى حيث قادتني، وقد قادتني إلى القبول بوجود إله ذاتي الوجود، لا يتغير، غير مادي، على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم»، وفي نهاية الرحلة لاحظ «خمس ظواهر في الخبرة الإنسانية المباشرة لا يمكن تفسيرها إلا بحجة الإيمان بإله»:
الأولى: العقلانية المتضمنة في جميع خبراتنا الحسية عن العالم الفيزيائي.
الثانية: الحياة والقدرة على الفعل بنحو مستقل.
الثالثة: الوعي والقدرة على أن تكون مدركا.
الرابعة: الفكر التصوري والقدرة على التعبير وفهم الرموز كتلك الموجودة في اللغة.
الخامسة: النفس البشرية مركز الوعي والفكر والفعل.
ويخلص «فلو» إلى القول:»إن النظام في الكون يعكس نظام العقل الخارق الذي يحكمه»
ولقد كانت أطروحات أصحاب شبهة الشرور تتقاطع مع مسالة «الصدفة» كتفسير لوجود الكون، فـ»دافيد هيوم» سبق أن تساءل كيف يجيز إله يوصف بالعدل والقدرة المطلقة والخير العميم وقوع كم هائل من الشرور العظيمة، فهل يقصد الرب إيقاف الشر لكنه لا يقدر؟ إذا فهو عاجز، أم هو قادر ولكنه لا يريد؟، وقريبا منه رأى «جون ليزي» أن وجود الشر لا ينسجم مع الصفات الإلهية كالعلم المطلق والقدرة المطلقة وإرادة الخير المحض، ولخص مسألة الشرور في ثلاث قضايا اعتبرها متناقضة: الأولى الله قادر، والثانية الله خير مطلق، الثالثة مع ذلك فالشر موجود، فإذا صدقت اثنتان من هذه القضايا فالثالثة كاذبة، ولاختصار الطريق في الرد على هذه القضايا ركز «فلو» على أمرين»:
الأول: التأكيد على أن قضية وجود الشرور في العالم «موضوع منفصل عن التساؤل عن وجود إله، وأن «وجود الإله لا يعتمد على الظفر بتبرير لوجود الشر أو عدم الظفر بتبرير وجوده».
الثاني: نقض لازمة «الصدفة»، برسم أمور منها:
الصدفة تفسر كيفية الحدوث لا تحديد الفاعل
تكرار الحدث يقلل من احتمالية الصدفة
تعارض الصدفة مع قانون الاحتمالات
الصدفة لا تتناسب مع الدقة والنظام
وبخصوص الاستنتاج الأخير يبدو التفسير الإلحادي متهافتا ومتناقضا عندما يدفع أولا بحجة «التطور والصدفة»، ثم يضطر ثانيا تحت ضغط توالي الكشوف العلمية إلى الإقرار «ببعض النظام» في الكون، ومن ثم لا يستطيع جوابا عن سؤال: هل يمكن أن يصدر «النظام» عن «الفوضى والصدفة»؟، يبلغ «فلو» شأوا بعيدا حين يعتقد بأن كل شيء في الكون قد صمم على أساس «أننا قادمون»، وأن صوت العقلانية يسمع من خلال آليات المادة، وأن قوانين الطبيعة صيغت على نحو يحرك العالم باتجاه نشأة حياة، كما أن الإيمان بوجود إله أو عدم وجوده يحددان شكل السلوك الإنساني، ولذلك قال «دوستيوفسكي»: «إذا كان الإله غير موجود فإن كل شيء مباح»، وقد شكل اكتشاف «الشيفرة الوراثية» وما أبانت عنه من تعقيد وتصميم ذكي ضربة قاضية لأطروحة «التطور» التي أُريد لها أن تكون بديلا عن أطروحة «الخَلق»، ولطالما نعت كهنة «كنيسة الإلحاد المعاصر» إله المؤمنين «بإله الفجوات» وهم يقصدون أن «المؤمنين» عندما يعجزون عن التفسير العلمي للظواهر يلجؤون إلى الحل الجاهز «فعل الإله»، وهو ما رد عليه «أنتوني فلو» بما أوردناه آنفا، والحق هو أن التطوريين عندما تُخرسهم مصاديق العقلانية والتصميم الذكي في الكون، يلجؤون إلى المخرج السهل «إنه التطور»، علما بان التطور -على فرض صحته دائما- لا يفسر «التنوع الوراثي»، كما أنه لا يقدم فهما دقيقا لثلاثية «الحياة والفكر والذات».
وكان لعالم الاجتماع البولندي «زيجمونت باومان» وقفات مع مسألة الشرور لاسيما الشرور المعاصرة، وخصها بكتاب «الشر السائل» الذي جمع محاوراته مع الفيلسوف «لونيداس دونسكيس» (1962-2016)، وميزه عن «الشر الصلب» الذي كان قائما «على رؤية اجتماعية ترى الأمور من خلال لونين الأبيض والأسود، حيث يمكننا بسهولة تحديد ماهية الشر في واقعنا الاجتماعي والسياسي»، أما «الشر السائل» في زمن «الحداثة السائلة» فإنه «لا تدركه الأبصار بل يتوارى عن الأنظار»، و»يرتدي ثوب الخير والحب… ويستعرض نفسه كأنه تقدم الحياة المحايد والمتجرد من الأهواء، وكأنه السرعة غير المسبوقة للحياة والتغير الاجتماعي بما ينطوي عليه من نسيان وفقدان للذاكرة الأخلاقية» و»يرتدي عباءة غياب البدائل وامتناعها، ويصبح المواطن مستهلكاً، ويُخفي الحيادُ القيمي حقيقةَ الانسحاب»، ويسعى «أبطال» الشر السائل إلى « تجريد الإنسانية من أحلامها ومشروعاتها البديلة وقوى الرفض والممانعة»، ويسستثمرون في الخوف «فلا سوق للأخبار السارة لأنه ليس هناك من يهتمون بها، وهذا ما يؤدي إلى الانتشار الشامل للذعر وصناعة الخوف»، ويستغلون «الأنترنت» للقضاء على «الأمن» و»الخصوصية» (حرمة الأشخاص والبيوت) فصار مجتمع الأنترنت مجتمعا «يستحوذ عليه الخوف، وصار مكاناً مثالياً لكل ما يتعلق بصناعة الخوف والإثارة الممنهجة للذعر والهلع، إنه يبرز ويكشف صعود التكنوقراطية المرتدية قناع الديموقراطية. وفي الوقت نفسه، فإن مجتمع الإنترنت والمجال العام يغذيان تلك المكونات الضرورية للتكنوقراطية ويرعيانها باعتبارها أداتية ومنفصلة عن القيمة في كل تجلّياتها»، وأصبح الفرد يبوح بأسراره طواعية ويقدمها قربانا على مذبح «الشهرة والعُجب والأنانية»، وانطلاقا من مفهوم السيولة لدى «باومان» يمكن القول إن ذلك «الشر السائل» يجري وينسكب وينساب ويتناثر وينهمر ويتسرب ويفيض ويسيل، بينما تحتفظ الأجسام الصلبة بأشكالها وتظل «محددة ومقيدة بفضائها»، ويشترك «الشر» مع «الخوف» في السيولة فاعتبرهما «باومان» «كالتوائم السيامية المتلاصقة»، ويشكل «الخوف» الأثر النفسي «للشر»:هلع واكتئاب وقلق ووساوس انتحارية.
كان ذاك هو نصيب العلم والاجتماع من الإجابة عن أسئلة وجودية لها تعلق بمغزى وجود الشرور في العالم، وجدلية الإيمان والإلحاد، كما كان للمكتلمين والمتصوفة والفلاسفة نصيبهم، وقديما صارت المانوية الفارسية إلى القول بثنائية الخير والشر والنور والظلام، كعالمين متصارعين ومكتفيين، وظلت المسيحية تحت عبء «الخطيئة الأصلية» وما جره ذلك من تلاعب بالدين، ومحاربة العلم «صكوك الغفران، محنة جاليلو»، غير أن الرؤية القرآنية لمسألة الشرور رسخت وتبثت مفهوم «العدل الإلهي» لذلك كانت رؤية شاملة ومكتملة، فهي:
تنظر في عواقب الأمور ومآلاتها، فقد تكون البدايات خيرا ونهاياتها شرا قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ }.
تعتبر الحياة ابتلاء وامتحانا لتحقيق الأجود والأحسن بمعيار الصواب الديني والصلاحية التقنية، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا }، والابتلاء قد يكون بالشر وقد يكون بالخير قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}.
تمييز المبادئ من الشعارات، والحقائق من الزيوف قال سبحانه وتعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}، ومعرفة من يثبت ممن ينقلب على الأعقاب، قال سبحانه وتعالى: {مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}.
التفريق بين الإرادة الإلهية التكوينية والإرادة الإلهية التشريعية، فمن الأولى قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، وهذه هي التي ينطبق عليها «لا ينفع الحذر مع القدر»، فالمطلوب إزاءها الصبر والرضا، أما الإرادة التشريعية فمبنية على الأمر والنهي، والتقدير والتدبير، وتحديد المصالح والمفاسد، وهذه هي التي ينصرف إليها معنى الآية في قوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}، فالمطلوب إزاءها أولا دفع القدر بالقدر، وعليها يتنزل قول عمر رضي الله عنه لما ضرب الطاعون الجزيرة العربية «نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ» ردا على من استغرب خروجه من أرض الوباء، وثانيا اتخاذ الأسباب المتصلة بالتدابير الاحترازية التماسا للعافية في الأبدان حتى تحصل العافية في الأديان، واحترام قواعد السلامة العامة، وتوجيهات الجهات المنظمة.
شرور بشرية بسبب الإنسان قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، شرور تتجلى في السعي لامتلاك كل وسائل» التدمير الذاتي» للعالم، بحيث وجدت البشرية نفسها «في مواجهة شرور من صنع الإنسان تزخر بوحشية وبرود وقسوة وعشوائية وامتناع عن التنبؤ».
نسبية الشر في الطبيعة قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ }، فما قد يظهر أنه شر قد يكون في جوهره خيرا، وقد تحدثت تقارير علمية عدة عن الآثار الإيجابية لفيروس كورونا COVID 19 على الغلاف الجوى والبيئة بعد توقف آلاف المعامل والمصانع التي كانت تنبعث منها غازات سامة في جميع أنحاء العالم، وبعد أن فشلت الكثير من الاتفاقيات الدولية حول المناخ، فضلا عن أن الكثير من الشرور تطهِّر الطبيعة، واضطرت البشرية إلى القيام «بحملة نظافة عامة» للأرض.
قاعدة جبر الضرر معمول بها قرآنيا في حق من صبر على البلاء ولم يجزع لقوه تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ أو المؤمنةِ في جسدِه وفي مالِه وفي ولده، حتّى يلقى اللهَ وما عليه مِن خطيئةٍ».
ومن أعظم ما يعين على تفسير مسألة وجود الشرور في العالم هو أن يُفتح للإنسان باب الفهم فيها كما قال الحكيم ابن عطاء الله السكندري: «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، متى فتح باب الفهم في المنع – عاد المنع عين العطاء، متى أعطاك أشهدك بِرَّه، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك مُتَعرِّف إليك ومُقْبل بوجود لطفه عليك، إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه»، و»من لم يقبل على الله بلطائف الإحسان سيق إليه بسلاسل الامتحان».

خلاصة الكلام:

إن إدراج مسألة «العدل الإلهي» ضمن نسق كلي، ينطلق من معرفة الخالق أولا، من حكمة الخَلق ثانيا، ومن خصائص المخلوق ثالثا، ومن رسالته ووظيفته ثالثا، ومن بيئة الحياة التي هي ميدان الابتلاء والاختبار رابعا، ومن العلم بالمآل والمصير لتقديم كشف الحساب خامسا، ومن استحضار أقوال حكماء البشر في المسألة قديما وحديثا كفيل بتوضيح الرؤية، وتحقيق العدل مع الله ومع النفس ومع مخلوقاته، وكفيل أيضا بتحقيق تصالح كوني على معنى العدل، وإلا ستصير المصلحة لوحدها هي معيار العدل في العلاقات الدولية والإنسانية، الخاصة والعامة، فيلبس الظلم لبوس العدل، وخوفا من الوصول إلى هذا الحد تعالت أصوات تدعو من الآن إلى العدل وتكافؤ الفرص في الوصول إلى اللقاحات المنتظر ابتكارها للقضاء على «فيروس كورونا COVID 19 «، كما دعت من قبل إلى إحقاق العدل في تمكين جميع المصابين من المتابعة الطبية بلا فرق بين شاب ومسن، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين المواطن والأجنبي المغترب.


المصادر والمراجع:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

القران الكريم
أنتوني فلو، هناك إله، كيف غير أشهر ملحد رأيه، ترجمة:صلاح الفضلي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، النجف، العراق، ط2، 1438هـ.
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبواب الزهد باب ما جاء في الزهادة في الدنيا، دار الكتب العلمية بيروت، حديث 2346، ج7، ص9.
زيجمونت باومان، الشر السائل، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت/ لبنان، ط1، 2019م.
صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، حديث 2577.دار إحياء التراث العربي، بيروت.
مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1995م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.