منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف يرى الله ورسوله والمؤمنون عمل العامل

0

 

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

أما الله سبحانه وتعالى فهو بكل شيء عليم. وفي القرآن الكريم آيات عدة تحدث عن صفات الله عز وجل وقدرته على رؤية عمل ابن آدم، ومكافأته عليه في الدنيا وفي الآخرة. واستحضار هذه الرؤية هو منتهى الرقابة الإلاهية التي يستحضرها المؤمن في السر والعلن، وهي المحفز للإخلاص والإتقان حسب وسع العامل وقدرته، ووفق إرادته وهمته، ودرجة خشيته وتقواه.

وقد وردت العبارة الدالة على أنه سبحانه بكل شيء عليم في القرآن الكريم عشرين مرة، منها قوله عز وجل:

في سورة الأحزاب “ان تبدوا شيئا او تخفوه فان الله كان بكل شيء عليما”

في سورة المجادلة “الم تر ان الله يعلم ما في السماوات وما في الارض ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا ادنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شيء عليم”

 

وجاء في سورة الأنعام (الآية 59): ” وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين”

وقيظ الحق سبحانه لتوثيق أعمال وأقوال العباد ملائكة “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد” “اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد”. سجل يعلق في عنق صاحبه عند مماته، ويأتي به يوم القيامة كما ورد في تفسير قوله تعالى “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا”

 

وأما رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم للعمل، فهل تخص أعمال الصحابة رضوان الله عليهم، بفعل معاشرته لهم، وعيشه بينهم؟ وهذا متاح لكل الناس في الأعمال الظاهرة. أم هو غيب خصه به الله عز وجل وأطلعه عليه ليفرح بأعمال أصحابه فيحفزهم للمزيد، أو ينبههم لاجتناب كل ما يخل بشرف قدرهم رضوان الله عليهم؟ وإذا كان هذا الباب من الغيب يشمل عمل العاملين من الأمة بعد رحيل المصطفى عليه الصلاة والسلام، فكيف تتحقق هذه الرؤية في البرزخ؟ أم أنها رؤية لهذه الأعمال يوم القيامة، يوم العرض والحساب؟

والجواب لا يمكن البحث عنه خارج نطاق الوحي. ومن خلال تتبع الأحاديث النبوية الخاصة بهذا الموضوع وشروحها، نقف على ثلاثة أقوال:

أولها أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطلعه الله عز وجل على تلك الأعمال يوم القيامة. وفي ذلك أحاديث صحيحة.

وثانيها أن صلاة المؤمنين وسلامهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه وهو في البرزخ، ولذلك شواهد من صحيح الحديث النبوي.

وثالثها أن أعمال الأمة تعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في البرزخ، وهو قول مرجوح عند بعض المحدثين الذين يؤكدون أن أصح  ما شملته كتب الحديث النبوي في هذا الشأن، ما أخرجه البخاري ومسلم ورواه ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حيث قَالَ: ” خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَالَ:  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ   إِلَى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قَالَ:( أَلاَ وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلاَ وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ:  وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ   رواه البخاري (4625) ، ومسلم (2860).

وما روته أم سلمة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: ” إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا “(أخرجه مسلم)

أما الحديث الذي رواه البزار بزيادة في آخره تحتوي على أن أعمال الأمة تعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم فضعيف بجميع طرقه، وخيرها حديث بكر بن عبد الله المزني، وهو مرسل، وهو من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين” وفيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مسعود رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ.”

قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:   حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ ؛ تُحدثُونَ وَيُحدثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ ؛ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ .”

وهذا الحديث رواه عدة رواة، بدون الزيادة الأخيرة في عرض الأعمال؛ مما يدل على أن الذي يعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة والسلام عليه فقط.

لكننا نجد عند الإمام مسلم والإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن.” والفعل في الحديث هنا قد ورد بصيغة الماضي، والأمة حية ترزق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالأمر يتعلق بمشهد من مشاهد يوم القيامة كالتي يجسدها القرآن الكريم (بصيغة الماضي) وهي لم تقع بعد، كقوله تعالى “وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا”.

أما رؤية المؤمنين ـ والناس عامة ـ لأعمال بعضهم البعض، فرؤية الظاهر من هذه الأعمال متاحة بحكم المعايشة والمعاشرة، بل إن الناس أحيانا كثيرة يكتشفون ما يعتقد المرء أنه خاف عنهم، كما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة //// وإن خالها تخف على الناس تعلم

وفي ثقافتنا الشعبية “غير ديرها زوينة توصل توصل”

بل إن الآثار يشهد بها اللاحق على السابق والخلف على السلف من الأجيال. فكم أعمال بقي أثرها بعد رحيل أصحابها يراها الناس. لكن هل تحمل الآية الكريمة دلالة إضافية غير هذا الذي يعرفه الناس جميعا؟ أو الذي يمكنهم رصده خاصة في زمن التكنولوجيا المتطورة؟ والكاميرات الظاهرة والخفية، وتقنيات التجسس والمراقبة والضبط، ك”نظام الائتمان الاجتماعى” المتوقع تعميمه في الصين، ويعمل على تقييم سلوك كل مواطن تقييما يزيد وينقص طبقًا لما يقوم به من أفعال وتصرفات. وقد ظهرت هذه الفكرة لأول مرة فى وثيقة من مجلس دولة الصين نشرت فى يونيو 2014.

 

وقد جاء في “مِلاك التأويل… ” لابن الزبير الغرناطي، (المتوفى: 708هـ) تفصيل دقيق في أقوال المفسرين قبله كابن جرير الطبري والزمخشري، ربطا لهذه الآية بسياقها حيث الخطاب موجه للثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وقبل الله توبتهم.

 

الدروس والعبر:

ـ هذه الآية الكريمة تستحق أن تكون شعارا يكتب في كل أماكن العمل الذي ينفع الناس: في المعامل، والمزارع، وفي المختبرات والمدارس والمستشفيات، وفي الإدارات ومؤسسات الخدمات… لتكون حافزا مشجعا على الإخلاص والوفاء والإتقان والتفاني في العمل.

ـ فاستحضار رؤية الله تأكيد لضمان الجزاء عن العمل، مع ما في ذلك من ثنائية الخوف والرجاء. واستحضار رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم ترسيخ لرابط المحبة ونية الاتباع، والرغبة في نيل شرف المجاورة والشفاعة. واستحضار رؤية المؤمنين تحفيز إضافي لمن انتدبهم الشرع لفعل الخير في السر، والعلن والمنافسة والسباق نحو الدرجات العلى. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

ـ الإسلام دين يدعو إلى العمل ويعلي من شأن العامل، بل يعد العمل عبادة، في إطار تصور مندمج متكامل يعتبر الدنيا مزرعة الآخرة.

ـ جمعت هذه الآية بين القول والفعل، في فعلين بصيغة الأمر. الأول موجه للرسول صلى الله عليه وسلم يأمره فيه الحق سبحانه  بالقول وهو أساس التبليغ للرسالة “وقل”، وفي الثاني مضمون هذه الرسالة الموجهة للمخاطبين بها مباشرة في السياق ولكل من استجاب لنداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالعمل “اعملوا”.

 

“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون” صدق الله العظيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.