منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الديانة المسيحية ودعوى ألوهية المسيح عليه السلام

0

 

تشكل دعوى ألوهية المسيح عليه السلام قاعدة الديانة النصرانية ومحورها المركزي الذي تتأسس عليه، وتدور حوله منظومة العقائد النصرانية ، لذلك يرى المسيحيون أن المسيح هوالله لأنه أعلن عن نفسه بالألوهية، فهناك ألقاب وصفات للمسيح عليه السلام لا تصلح للبشرإنما تصلح لله .

ويرون أن المسيح موجود أزلي له معجزات إلهية لا يستطيع البشر فعلها، فقد بالغ اللاهوتيون الإنجيليون في دراسة ما يسمى طبيعة المسيح الإلهية ، فقالوا أن المسيح امتلك أسماء وصفات ، فهو الرب والمخلص والملك والديان والنور والصخرة والفادي وله صفات الراعي والخالق وغافر الخطايا وشافي البشر،” فهو الإله كلي الوجود كلي العلم، كلي القدرة، ذو وجود سابق أزلي، سرمدي لا يتغير، وعلى ذلك يرون أن المسيح قابل للعبادة لأنه يمتلك سلطان الله ،ولأنه منح لنفسه سلطانا لإقامة الأموات” [1].

فالمسيح هو “الرب القديم الأزلي الجامع للأقانيم أو هو صفة من صفاته إذ ليس إلا الرب القديم الموصوف بالحياة والعلم والقدرة ، فهو إله يخلق ويرزق ويرحم ،ويعبد وَيُدْعَى وَيُسْأَلُ وَيُصَلَّى له” [2]، فمتى إذن تقرر اعتبار المسيح عليه السلام إلها ؟، وكيف أهدى ‘بولس’ لله ابنا ؟ وكيف اكْتُشِفَ لعيسى أبا في السماء ؟.

تقررت ألوهية المسيح في مؤتمر (مجمع) نيقية، ويعتبر ‘بولس’ *هو من وضع بذرة هذا القرار الذي قضى بألوهية المسيح،”فيسوع المسيح هو ابن الله حقا،وهو مساو لأبيه،وهو قوته وصورته،وهو موجود دائما فيه وهو إله حق” [3] .

المزيد من المشاركات
1 من 14

أما قرار مجمع ‘نيقية’ فهذا نصه :” نؤمن بإله واحد أب واحد ضابط  الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد ،مولود من الآب أي من جوهرالآب ،إله  من إله ، نور من نور ، إله حق من إله حق مولود غير مخلوق مساو للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء ما في السماء وما في الأرض، الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسد،وتأس وتأنس، وتألم وقام في اليوم الثالث ، وصعد إلى السماء ،وسيجئ ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس “[4]

ويستدلون على ألوهية المسيح عليه السلام ببعض الجمل الواردة في الأناجيل فَيَدَّعُونَ أنها كلام المسيح واعترافه بالألوهية:

جاء في إنجيل لوقا ” لماذا كنتما تطلباني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي”[5]..

وفي إنجيل متى ما يوحي أنه نسب نفسه لله الآب عندما قال:” كل شيء دفع من أبي وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا يعرف الآب إلا الابن  ومن أراد الابن أن يلعن له”[6].

جاء في إنجيل يوحنا:” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والكلمة صار جسدا وحل بيننا “[7] ، فالكلمة هي الله والله هو الكلمة الذي صار جسدا وحل بيننا في شخص المسيح – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

ويروي أيضا إنجيل متى أن رئيس الكهنة سأل المسيح فقال :” استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله ؟ فأجابه المسيح أنا هو “[8] ، قال لهم وأنتم ما تقولون أني أنا فأجاب سمعان بطرس وقال :أنت هو المسيح ابن الله الحي، فأجاب يسوع، وقال له طوبى لك يا سمعان”[9].

ومن النصوص أيضا التي يستدل بها النصارى على ألوهية المسيح ما يلي :

مقالات أخرى للكاتب
1 من 8

” أنا والآب واحد “[10].

“هذا الفكر الذي في المسيح أيضا الذي في صورة الله “[11].

“الذي هو صورة الله غير المنظور والبكر على كل ما خلق “[12].

“إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله”[13].

وبذلك تبدأ عملية فصل واضحة للمسيحية عن اليهودية، وعملية الفصل هذه بالشكل الذي أتت به كافية لتقطع آخر خيط يوصل بين المسيحية والتوحيد “بعدما وضعت عيسى عليه السلام على سكة الألوهية ، أو الشراكة مع الله” [14].

فهم يؤمنون في عقيدتهم التي ورثوها عن أسلافهم بأن المسيح عليه السلام صورة الله أي “فيه طبيعة لاهوتية، ومادام كذلك فهو الله متجسدا” [15]، فهل صحيح أن المسيح إله؟.

إن المتأمل في الأناجيل الأربعة المعتمدة تستوقفه فقرات ونصوص كثيرة تفيد بوضوح أن عيسى عليه السلام بشر كسائر الناس ونبي مرسل، “فعيسى عليه السلام لم يسمح لأحد بأن يصفه بأنه رجل صالح ناهيك عن إله” [16].  فوصف نفسه بأنه ابن الإنسان في إنجيل متى30 مرة ،وفي إنجيل مرقس 15مرة ،وفي إنجيل لوقا 25مرة، وفي إنجيل يوحنا 12 مرة ،وهذا دليل قاطع وحجة صادقة وبرهان لاشك فيه على أنه إنسان وليس الله أو مساو لله . ومن هذه الفقرات التي توضح بشرية المسيح ما يلي :

“وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنك الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته”[17]  وقول المسيح عليه السلام في إنجيل مرقس :”وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب “[18].

وهذا قول ينادي ببطلان ألوهية المسيح عليه السلام لأنه خصص علم القيامة بالله وحده ونفى عن نفسه كما نفى عن عباد الله الآخرين، وسوى بينه وبينهم في هذا، ولا يمكن هذا في صورة كونه إلها [19].

وفي إنجيل متى تقدم إليه أحد فقال له:” أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ، فقال له لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا  إلا واحد وهو الله “[20]، فالمسيح عليه السلام رفض أن يطلق عليه لفظ الصالح.

ولو كان إلها لما كان لقوله معنى ولكان عليه السلام أن يبين لا صالح إلا الآب، إذا لم يرض بقوله الصالح، فكيف يرضى بأقوال أهل التثليث التي يتفوهون بها في أوقات صلاتهم :”ياربنا وإلهنا يسوع لا يضيع من خلقت بيدك” حاشا أن يرضى بها.

وورد في إنجيل متى نص يدل دلالة صريحة وواضحة على بشرية المسيح ” ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عال عظيم قائلا : ايلي ايلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لما تركتني، فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح “[21] .

هذا القول الذي صدر منه في آخر نفس من حياته ينفي ألوهية المسيح عليه السلام لأنه لو كان إلها لما استغاث بإله آخر بأن قال إلهي إلهي لماذا تركتني ؟،

ولما قال يا أبتي في يدك أستودع روحي ولا ممتنع العجز والموت عليه [22]، فهو إنسان ينام ويرتاح .

جاء في إنجيل متى :”ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة ، وكان هو نائما، فتقدم تلاميذه وأيقظوه، قائلين يا سيد نجونا فإننا نهلك”[23]، وإذا كان المسيح عليه السلام هو الله فهل الله ينام؟.

 

ـ الهوامش

[1] حسن الباش ـ العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل ـ دار أضواء السلف، الرياض الطبعة الأولى1418هـ/ ج2-ص19ـ بتصرف ـ

[2] ابن تيمية ـ تحقيق القول في مسألة عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله ـ تحقيق ودراسة قسم التحقيق بالدارـ  دار الصحابة للتراث بطنطا ـ الطبعة 1- 1412هـ/1996م/ص66

*   بولس أو شاؤول ولد في طرسوس كان أبوه فاريسيا يهوديا ، وكان بولس يضطهد أتباع المسيح في بداية حياته إلى ان زعم أن المسيح ظهر له فرآه عينا فتحول إلى الإيمان بالمسيحية وقام بنشرها في آسيا الصغرى والبلقان وإسبانيا (فرج الله عبد الباري ـ نقض دعوى عالمية النصرانية ـ موسوعة العقيدة والأديان ـ ط 1/2004 ـ در الآفاق العربيةـ ص19 )

[3] عبد العزيز الثعالبي ـ محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان ـ تقديم ومراجعة حمادي الساحلي ـ دار الغرب الإسلامي ـ الطبعة 1-1985م /ص141

[4] أحمد شلبي ـ مقارنة الأديان ـ المسيحية ـ مكتبة النهضة المصرية / ط 10- 1998/ ص149/ 149ـ محمد أحمد الحاج ـ النصرانية من التوحيد إلى التثليث ـ دار الأرقم دمشق الدار الشامية ـ بيروت ـ الطبعة 1-1413/1996م/ص146

[5]. إنجيل لوقا الإصحاح :2/42

[6] إنجيل متى الإصحاح :11/27

[7] إنجيل يوحنا الإصحاح : 1/3

[8] إنجيل متى الإصحاح :26/63

[9] إنجيل متى الإصحاح 16/16

[10] إنجيل يوحنا الإصحاح : 1/30

[11] رسالة إلى أهل فيليبي 5:2/6

[12] رسالة كولوسي :1/15.

[13] رسالة كورنتيوس الثانية 4/4

[14] شريف محمد هاشم ـ الإسلام والمسيحية في الميزان ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت لبنان دون طبعةـ ص 218

[15] محمد عزت طهطاوي ـ الميزان في مقارنة الأديان حقائق ووثائقـ دار القلم دمشق ـ الدار الشامية ـ بيروت ـ الطبعة 1/ ص210

[16]. السيد سلامة غنمي ـ التوراة والأناجيل بين التناقض والأساطير ـ  يناير الطبعة 1/2000م/ ص348

[17] إنجيل يوحنا الإصحاح 3:17/4

[18] إنجيل مرقس الإصحاح :13/32

[19] رحمة الله الهندي ـ إظهار الحق ـ اعتنى به ياسر سليمان أبو شادي أشرف عليه وقدم له مجدي فتح السيد ـ ج2 -صً66

[20] إنجيل متى الإصحاح : 19/16

[21] حسن الباش ـ العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل ـ دار أضواء السلف، الرياض الطبعة الأولى1418هـ/ ج2-ص19ـ بتصرف –

[22] رحمة الله الهندي ـ إظهار الحق ـ ص66

[23] إنجيل متى الإصحاح: 27/42

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.