الحلقة 18: الغرر والدرر في سير خير البشر لعز الدين بن جماعة “ببليوغرافيا السيرة النبوية”
الأستاذ هشام كمال
الحلقة 18: الغرر والدرر في سير خير البشر لعز الدين بن جماعة
“ببليوغرافيا السيرة النبوية”
الأستاذ هشام كمال
الحلقة الثامنة عشرة من هذه السلسلة ستكون مع كتاب “ الغرر والدرر في سير خير البشر لعز الدين بن جماعة “، وعن مؤلف الكتاب قال محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة عز الدين ابن شرف الدين بن عز الدين بن بدر الدين، ولد سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمدينة ينبع… ونشأ مشتغلاً بالعلم، ومال إلى المعقول فأتقنه حتى صار أمة وحده وبقيت طلبة البلد كلها عيالاً عليه في ذلك، وصنف التصانيف الكثيرة المنتشرة وقد جمعها في جزء مفرد، وضاع أكثرها بأيدي الطلبة…. وله على كل كتاب أقرأه مع أنه كاد أن يقرئ جميع هذه المختصرات التصنيف والتصنيفان، والثلاثة ما بين حاشية ونكت وشرح، وكان أعجوبة دهره في حسن التقرير، ولم يرزق ملكة في الاختصار ولا سعادة في حسن التصنيف بل بين لسانه وقلمه كما بينه هو وآحاد طلبته، وكان ينظم شعراً عجيباً غالبه غير موزون ويخفيه كثيراً إلا عمن يختص به… ونظر في كل فن حتى في الأشياء الصناعية كلعب الرمح ورمي النشاب وضرب السيف والنفط حتى الشعوذة حتى في علم الحرف والرمل والنجوم ومهر في الزيج وفنون الطب، وكان من العلوم بحيث يقضي له في كل فن بالجميع هذا مع الانجماع عن بني الدنيا وترك التعرض للمناصب، وقد نفق في سوق الدولة المؤيدية وكارمه السلطان عدة مرار بجملة من الذهب ومع ذلك كان يمتنع من الاجتماع به ويفر إذا عرض عليه ذلك….. وكان لا يتصون عن مواضع النزه والمقترحات، ويمشي بين العوام ويقف على حلق المنافقين ونحوهم، ولم يتزوج فيما علمت بل كانت عنده زوجة أبيه فكانت تقوم بأمر بيته ويبرها ويحسن إليها، ولم يتفق له أن يحج مع حرص أصحابه له على ذلك، وكان يعاب بالتزين بزي العجم من طول الشارب وعدم السواك حتى سقطت أسنانه، وبلغني أنه كان يديم الطهارة فلا يحدث إلا توضأ، ولا يترك أحد يستغيب عنده أحد، هذا مع ما هو فيه من محبة الفكاهة والمزاح واستحسان النادرة، لازمته من سنة تسعين إلى أن مات، وكان يودني كثيراً ويشهد لي في غيبتي بالتقدم ويتأدب معي إلى الغاية مع مبالغتي في تعظيمه حتى كنت لا أسميه في غيبته إلا إمام الأئمة….. وكان ينهى أصحابه عن دخول الحمام أيام الطاعون فقدر أن الطاعون قد ارتفع أو كاد فدخل هو الحمام فخرج فطعن عن قرب، فمات في ربيع الآخر وفي العشرين منه، واشتد أسف الناس عليه، ولم يخلف بعد مثله. انتهى باختصار يسير من إنباء الغمر للحافظ ابن حجر 3/115 .
وتنبه هداني الله تعالى وإياك إلى أن آل ابن جماعة عديد من العلماء والفضلاء والمؤلفين والمصنفين، ففرق بينهم، وقد تقدم ذكر أحد أعيانهم في هذه السلسلة وهذا آخر.
قال المؤلف رحمه الله في مستهل كتابه: هذا مصنف صغير الحجم عزيز (لعلها غزير) العلم مشتمل على مهمات من سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم …..
قلت: يمكن أن يكون الحجم الحقيقي للكتاب 40 صفحة فقط، فالظاهر أنه جمعه لطلبته أو أعده ليكون مادة أولية لدروسه، فهو كما رأينا في ترجمته أكثر اشتغاله بالتدريس والإقراء، والاعتناء بالطلبة والإفتاء، لا بالتصنيف والتأليف.
والمتصفح للكتاب يرى أن ابن جماعة يرجح في مواطن الاختلاف ما ذهب إليه الدمياطي أو عبد الغني المقدسي، فالظاهر أنه كتابه عبارة عن انتقاء من كتب السيرة قبله مع حرص على الاختصار وعدم الاستطراد في الخلاف والأقوال، وهو صنيع المدرس والأستاذ مع المبتدئين في الطلب.
وإنما لم نعرف بكتاب الحافظ الدمياطي في السيرة النبوية في هذه السلسلة لأن غرضنا ليس الاستقصاء، ولا حصر جميع كتب السيرة، بل كما نبهنا في الضوابط الانتقاء من كل البلدان والمذاهب من أجل التشويق لسيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم والاعتناء بها والتعريف ببعض أعلام العلماء المصنفين فيها.
ومع قيمة الكتاب ومنزلة مؤلفه لم أر من ذكره في مصادر السيرة ومؤلفاتها، ولم يتعرض له أحد بمدح ولا قدح، وأرى أنه جدير بالدراسة والاهتمام.