الحمامات في العصر المريني
الحمامات في العصر المريني/ الدكتور عبد اللطيف بن رحو
الحمامات في العصر المريني
الدكتور عبد اللطيف بن رحو
الاغتسال في الحمامات ظاهرة قديمة، عرفته الشعوب القديمة كالمصريين والكنعانيين واليونانيين الرومانيين، وقد وصلت هذه العادة إلى سلوك المسلمين مبكرا، لأن الإسلام يحث على الاغتسال والطهارة، وأصبحت هذه المؤسسة الاجتماعية مرتبطة ارتباطا عضويا بالنظافة وبفريضة الوضوء، ولذا اعتبرها الفقهاء من الأماكن الدينية، لأن الطهارة لا يستغني عنها المسلمين ولا يمكنهم أداء فريضتهم إلا بها. فكان المسلمون يترددون باستمرار على الحمامات لتطهير أجسامهم وتنظيفها، وكانت الحمامات في أغلب الأحيان تلحق بالبناءات الدينية والاجتماعية بما في ذلك بيوت الله.[1]
من خلال دراسة الحمامات من حيث التخطيط يتضح لنا أنها سارت على نهج التقاليد الأموية المبكرة المتأثرة بالعمارة الرومانية، غير أن البنائين المغاربة قد ابتكروا وسائل جديدة في أنواع التغطية وابتكروا تصميمات خاصة بالأسقف ونظام قاعات الاستقبال. ولا زال الحمام المغربي إلى اليوم يحتفظ بالعناصر التي استقرت عليها الحمامات المرينية القائمة إلى اليوم، بفضل ما حبس عليها من الأملاك وبفضل تحبيس بعضها الآخر، مما ضمن سلامة بقائها.[2]
ويصف الحسن الوزان حمامات مدينة فاس فيقول:” في فاس مائة حمام جيدة البناء حسنة الصيانة، بعضها صغير وبعضها كبير، وكلها على شكل واحد، أي أن في كل واحد منها ثلاث حجرات، أو بالأحرى ثلاث قاعات، وفي خارج هذه القاعات غرف صغيرة مرتفعة قليلا يصعد إليها بخمس درجات أو ست، حيث يخلع الناس ثيابهم ويتركونها هناك. وفي وسط القاعات صهاريج على شكل أحواض، إلا أنها كبيرة جدا.
وإذا أراد أحدهم أن يستحم في أحد هذه الحمامات، دخل من أول باب إلى قاعة باردة فيها صهريج ليتبرد الماء إذا كان ساخنا جدا، ومن تم نفد من باب ثان إلى قاعة ثانية أشد حرارة بقليل، حيث يقوم الخدم بغسل جسمه وتنظيفه. ومن هنا يدخل إلى قاعة ثالثة شديدة الحرارة ليعرق بعض الوقت، حيث يوجد مرجل محكم البناء يسخن فيه الماء، ويغترف منه بحذق في دلاء من خشب.
ولكل مستحم الحق في أخد دلوين من الماء الساخن، يسخن الماء بالزبل، ويعمل عند الحمامين غلمان وبغالون يجوبون أرجاء المدينة ليشتروا الزبل من الاصطبلات وينقلوه إلى خارج المدينة، ثم يجعلوه أكداسا ويتركوه ليجف شهرين أو ثلاثة أشهر، وبعد ذلك يستعمل كالحطب في تسخين القاعات وماء الحمامات. ويستعمل الحمام للرجال والنساء، للرجال أوقات معينة، ويخصص باقي اليوم للنساء. ومعظم هذه الحمامات ملك للمساجد والمدارس تؤدي لها كراء مرتفع يبلغ المائة والمائة والخمسين مثقالا، أو أقل أو أكثر بحسب حجم المكان.”[3]
وتحتفظ مدينة رباط الفتح بآثار حمام مريني هو حمام العلو الذي بناه وحبسه السلطان أبو عنان المريني على ضريح والده وعلى إطعام المساكين بشالة. ويعد أقدم حمام بالرباط ولا يزال يؤدي وظيفته حتى اليوم. وقد سجل تحبيسه على لوحة مربعة من الرخام محفوظة اليوم بالجامع الكبير دليلها كانت محفوظة بشالة ثم نقلت إلى الجامع. والحمام صغير المساحة بسيط في تخطيطه وبنيانه مجرد من الزخارف والتنميقات، ولكنه متقن البناء محكم الصنعة.[4]
ويرجع حمام مدينة وجدة إلى العصر المريني، وعلى حسب ما ذكرت المصادر التاريخية، أنه شيد مع بناء المسجد والمدرسة، في عهد السلطان أبي يعقوب يوسف المريني سنة 696ه/1296م يوم أعيد بناء المدينة. وهو يقع في نفس الجهة التي بني فيها المسجد الكبير، ويعتبر الحمام من أقدم الحمامات في وجدة، غير أن المصادر لم تتحدث عنه بشكل مسهب، ولا عن مواصفاته غير ما يقف عليه الناظر بنفسه. وكان يسمى باسم سيدي يحيى لأن الماء الذي يُستحم به كان يأتي من واحة سيدي يحيى، يقول صاحب روض القرطاس: “فنزل على وجدة فأمر ببنائها فبنبت وحصنت أسوارها، وبنى قصبة وداراً ومسجداً وحماماً.”[5]
وحين بنى السلطان يوسف مدينة المنصورة إبان حصاره الطويل الذي فرضه على تلمسان، والذي استمر ثماني سنوات وثلاثة أشهر، فشيد فيها القصور والحمامات والفنادق والأسواق، وسماها تلمسان الجديدة.[6]
وفي هذا الجانب يتحدث ابن خلدون فيقول: “وأمر باتخاذ الحمامات والمارستانات، وابتنى مسجداً جامعاً.”[7]
وكذلك يوجد حمام آخر بالقرب من باب العقبة بشرق المدينة، حمام سيدي بومدين بالعُباد، لا يزال هذا الحمام يقوم بوظيفته إلى اليوم، له سقيفة تتكون من زاوية قائمة وقاعة مستطيلة الشكل، يبلغ طولها ثمانية أمتار. وعرضها ستة أمتار، وثلاثة غرف متوازية، مسقفة بسقف أسطواني الشكل.[8]
ومع أن حمام المخفية بفاس وحمام جبل طارق غير مؤرخين لكن يتفقان مع أسلوب حمامات القرن الثامن الهجري.[9]
[1] تلمسان في العهد الزياني ج/1 ص:139-140.
[2] تاريخ العمارة الإسلامية ج/4 ص:254.
[3] وصف إفريقيا ج/1 ص:229-230.
[4] مدينة الرباط في التاريخ الإسلامي ص:148.
[5] الأنيس المطرب بروض القرطاس ص:385.
[6] البستان في ذكر العلماء والأولياء بتلمسان لابن مريم التلمساني تحقيق عبد القادر بوباية دار الكتب العلمية بيروت الطبعة:1 سنة:2013 الصفحة: 186 (أنظر حاشية التحقيق).
[7] العبر ج/7 ص:293.
[8] تلمسان في العهد الزياني ج/1 ص:140.
[9] تاريخ العمارة الإسلامية ج/4 ص:254.