منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حوار هادئ حول فوائد البنوك

حوار هادئ حول فوائد البنوك/ الدكتور محمد جعواني

0

حوار هادئ حول فوائد البنوك

بقلم: الدكتور محمد جعواني

“فوائد البنوك ربا مقيت” كان ذاك حكما مقررا معروفا بين أوساط جماهير أهل العلم المحققين، ولم يشذ عنه إلا قلة لم يعتبر قولها لضعفه وتهاويه أمام الأدلة الناصعة الصحيحة والصريحة.

ورأينا في الآونة الأخيرة صدور فتاوى عن جهات إفتائية رسمية و جهات علمائية تجيز أخذ الأرباح/الفوائد عن الودائع البنكية، واستدلوا بـ”أدلة” و”متغيرات جديدة” رأوها جديرة – في رأيهم – لإعادة النظر في الحكم المقرر بخصوص “الفائدة”.

فوائد البنوك بين المنع والجواز:

سنتناول “الفتوى” المجيزة للفوائد البنكية وما بنيت عليه من “أدلة” و”أنظار” من خلال حوار هادئ هادف.

يعترف المجيزون بأن جمهور المعاصرين ومجامعهم المعتبرة(المجمع الفقهي، معايير الأيوفي…) يعتبرون “وديعة الحساب الجاري” “قرضا” وإن سميت بغير ذلك. ويقرون كذلك بقوة أدلة الجمهور، حيث إن كل خصائص “القرض” متوفرة في “الوديعة”، فهو مال مضمون، والبنك يملكه ويتصرف فيه، ويتعهد برد مثله.

قال المجيزون: النقود الورقية الحالية لا يجري فيها الربا لكونها لم تعد مغطاة بالذهب منذ إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق “نكسون” عن فك الارتباط بين الدولار والذهب بداية سبعينيات القرن الماضي.

قلت: فيما يتعلق بمسألة النقد الورقي وانتهاء تغطيته بالذهب، فتلك خديعة وخطيئة تحملت الدول ولا زالت تتحمل تبعاتها، ومن ذلك هيمنة العملة الأمريكية(الدولار) على التعاملات المالية والاقتصادية للدول وبالتالي دورانها في فلك الهيمنة والغطرسة الأمريكية.

ومع ذلك نقول بأن فك الارتباط لم يكن كليا حيث مازال النقد يغطى بنسب معينة تختلف من دولة لأخرى.

ثم إن الفقهاء المحققين متفقون على كون علة تحريم الربا في العين(الذهب والفضة) هي الثمنية، وهذه العلة متحققة في النقود الورقية، فقد أصبحت رائجة بين الناس، وتعتبر مخزنا للقيمة وأداة لتقييم السلع والمنتجات، ووسيلة لإبراء الذمة من الدين…وتلك خصائص ووظائف الذهب والفضة بالتمام.

وعليه فلا يعقل القول بعدم جريان الربا فيها لاطراد العلة فيها. أضف إلى ذلك أن القول بعدم جريان الربا فيها سيخرجها من وعاء الزكاة، فتصبح أموالا لا تجب فيها الزكاة!!وهذا القول لم يقل به عالم يعتد بعلمه، وهو لازم القول بعدم ربوية النقد الورقي.

فيا ترى ما جواب أصحاب هذه الفتاوى عن لازم كلامهم؟؟؟

قال المجيزون: إن مسألة “الضمان” في البنوك هي مسألة نسبية، ويستدلون بإفلاس بعض البنوك وعجزها في بعض الأحيان عن أداء الودائع(مثال لبنان حاليا) مما يسبب كوارث للناس.

قلت: العجز عن الأداء لظروف معروفة لا يسقط حقوق أصحاب الودائع، فالضمان مكفول بقوة القانون.

قال المجيزون: إن البنك يتصرف في الوديعة من موقف انتهازي (تحايلي).

قلت: بل يتصرف فيها بقوة القانون، والمودع يوقع ابتداء على الإذن للبنك بالتصرف، وإذا لم ينتبه إلى ذلك فالقانون لا يحمي المغفلين.

قال المجيزون: القرض عقد تبرع وإحسان، ويقصد به إعانة المحتاج…ولا نية البتة للمودع في إقراض البنك، بل نيته الحفظ والاستيداع، والعبرة بالقصد والمعنى…ولابد من مراعاة قصود الناس في تصحيح معاملاتهم.

قلت: هذا ملحظ صحيح، فلا بد من الالتفات إلى القصد لأن”العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني وليس بالصور والمباني”، لكن ينبغي الانتباه إلى أن المودع لم يقصد إقراض البنك، وقطعا لم يقصد الاستثمار والمضاربة، ولو قلتم للمودع بأن ماله معرض للمخاطرة لما أبقاه للبنك لحظة واحدة. فوجب نفي الجهتين معا(الإقراض والاستثمار).

وبقي قصد الحفظ والاستيداع، وهو قصد صحيح مُسَلّم ابتداء، لكن لما احتفت به قرائن “الضمان” و”التصرف” و”رد المثل” صار مآله مخالفا، فوجب اعتبار المآل، والمآل معتبر مقصود شرعا.

إن الاستثمار أو التمويل أو المضاربة لا يكون فيها رأس المال مضمونا إلا في حال تعدي العامل، ويكون المال معرضا للمخاطرة، وذلك ما يجوز التربح منه على قاعدتي “الغنم بالغرم” و”الخراج بالضمان”. مع نسبة متفق حولها لتوزيع والأرباح بين رب المال والعامل. وتحديد نوع المضاربة(مقيدة أو مطلقة)، ولا تكون إلا في نشاط مباح شرعا.

وهذه القيود كلها غائبة في عقد الزبون مع البنك، فكيف جاز لأصحاب تلك الفتاوى تكييفه عقد تمويل أو استثمار!!!

فالواقع العملي لا يسعف في ذلك، بل يؤكد أن المعاملة في حقيقتها هي “مال في صورة دين مضمون مودع للحفظ”، وبالتالي كل تربح بهذا العقد لا يمكن أن يكون إلا ربا محرما.

قال المجيزون: الأصل في الوديعة أنها أمانة لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن صريح من صاحبها، وإذا وقع التصرف وترتب عليه ربح فيجوز لصاحب الوديعة أخذ قسط منه تحقيقا لمبدأ العدالة، ويرجحون في المسألة رأي ابن تيمية رحمه الله.

قلت: ما رجحتموه في المسألة هو قول من خمسة أقوال كما تعلمون، ولو سلمنا بصوابه فهو محاولة تصحيح لحالة شاذة عن الأصل، وقع فيها تعد على “الأمانة” بالتصرف من غير إذن، أما في نازلتنا فالبنك قائم أصالة على التصرف(التعدي) في الودائع، وبإذن مسبق من المودع وعلمه، فوجب القول بمنع الاستيداع أصلا لانتفاء حقيقته ومقصده(حفظ المال)، ولصيرورته في هذه الحال “قرضا” بدل “الوديعة” في قول جمهور الفقهاء. وشتان في النظر الفقهي بين ما “وقع ونزل” وبين ما “سيقع وينزل”.

قال المجيزون: إن “مقاصد الشريعة” تأبى ما يحصل في البنوك من استغلال بشع وظلم فظيع وحرمان للمودعين من حقوقهم المشروعة…

قلت: تلك أصول هادية وأنوار كاشفة، نصت عليها نصوص الوحي وأكدها الاستقراء، فلا مجال في شريعتنا للظلم والنهب والاستغلال…ولا يختلف عاقلان في ذلك. لكن، هي مقاصد للشريعة، ومتى كانت المقاصد مخالفة للشريعة؟ فتطبيق الشريعة هو تحقيق للمقاصد في أجل وأجمل صورها ودرجاتها.

وحفظ حقوق المودعين وكفّ جشع المُلاّك لم ولا ولن يتحقق باستباحة المحظور والعبث بالعقود.

قال المجيزون: نوافق من دعا إلى الإسراع إلى تغيير اسم العقد من عقد “وديعة الحساب الجاري” إلى عقد “مضاربة”، وقبل تحقيق ذلك يجوز للمودعين أخذ حقوقهم من الأرباح من البنوك.

قلت: نعمت الدعوة هي، وإذا تغير العقد تغير الحكم، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

ومع ذلك فلن تحل المشكلة لأن البنك سيقع في “المضاربة المشتركة” التي تثير إشكالات فقهية كثيرة، والأولى أن يعمل بنظام “شركات المساهمة” وتترك “المضاربة” في صيغتها الثنائية العادية.

وقبل تحقيق ذلك وجب الحذر من الوقوع في ربقة الربا المقيت، والإسراع إلى الاستثمار المشروع، ودفع المال دفعا إلى مضمار العمل المحمود بدل الاكتناز المذموم، مع السعي الجاد لإحلال شريعة رب العالمين مكانها ومكانتها في ميادين المال والاقتصاد وغيرها من ميادين الحياة لتحقيق سعادة الدارين.

والحمد لله من قبل ومن بعد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.