استجلاب رحمة الله بالإحسان إلى الخلق
بقلم: محمد قائد الحسيني
كاتب وباحث يمني
إن التأمل في سنن الله في خلقه يدرك أن رحمة الله واسعة تشمل كل شيء، مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء” (الأعراف: 156)، وهي تشمل كافة حياة الأفراد والأمم، وتتنزّل حيث وُجدت أسبابها، ونصوص القرآن الكريم وقصص الأنبياء والصالحين شواهد على أن رحمة الله ترافق عباده في أحلك الظروف، وتفتح لهم أبواب النجاة حين تضيق بهم السبل، إن هم طرقوا الأبواب، وسلكوا السبل التي توصلهم إليها، ومن أعظمها صدق الإيمان، وصلاح العمل، والإحسان إلى الخلق.
وإن التعامل مع الخلق على أساس الرحمة والإحسان يعد من أعظم مفاتيح نيل رحمة الله واستقراء النصوص الشرعية، واستحضار النماذج المشرقة من سير الأنبياء والصالحين تؤكد ذلك، وتبني وعيًا سلوكيًّا يعيد للرحمة حضورها في حياة المسلم واقعًا وممارسة، وإنَّ من يطلب رحمةَ الله ويبذل أسبابها يجدها، وما من محنةٍ إلا وتفكُّها رحمةُ الله.
ورحمةُ الله وجدها إبراهيمُ عليه السلام في شدة التهاب النيران، كما وجدها يوسفُ عليه السلام في قاع البئر، ويونسُ عليه السلام وجدها في بطن الحوت، وموسى الطفلُ الرضيع وجدها بين الأمواج المتلاطمة، ثم وجدها في قصر الطاغية فرعون. ورحمةُ الله كانت مع أصحاب الكهف على سفح جبلٍ مُقفرٍ موحش، وفي كهفٍ مظلم حين افتقدوها في بيوتهم وبيوت آبائهم وأمهاتهم، فقالوا” :فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) “الكهف: 16(
والنبي صلى الله عليه وسلم وجدها مع صاحبه في غارٍ ضيقٍ موحش، ووجدها مع أصحابه والأحزاب تطوّق المدينة من كل جانب، ووجدها أحمد بن حنبل تحت سياط الجلاد وهو يدافع عن القرآن، ووجدها ابن تيمية رحمه الله بين جدران السجون وعذاباتها، متمثّلًا قول الله سبحانه وتعالى: “فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ ۖ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) “الحديد: 13(
واستجلابُ رحمةِ الله سبحانه وتعالى له طرقٌ عديدة وأسبابٌ كثيرة، من أهمها الإيمان بالله سبحانه وتعالى، واليقين بما عنده، والعمل بموجب ذلك بمختلف الأعمال الصالحة. قال تعالى” :فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ) “الجاثية: 30).
وسنظل دومًا في حاجةٍ وفقرٍ إلى رحمة الله في كل شؤوننا وجميع أحوالنا وكافة أوقاتنا؛ فنحن فقراء إلى رحمة الله في هدايتنا، وفقراء إلى رحمته في تعليمنا وتربيتنا وتزكية أخلاقنا، وفي دوام أمرنا واستقرارنا وسلامتنا وحفظنا من كل سوء، وفقراء إلى رحمة الله في تفريج كُرُباتنا وتيسير ما تعسّر من أمورنا، وفي حبّنا لله وحبّه لنا، وفقراء إلى رحمة الله في توفيقه لنا لعبادته على الوجه الصحيح، وفقراء إلى رحمته في عصمته لنا من اتباع سبل الضلال، وتوفيقه لنا في اتباع سبيل الحق وطريقه. قال تعالى” :وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) “النساء: 83(
ومن صور استجلاب رحمة الله سبحانه وتعالى: الرحمة بخلقه، والتلطّف في التعامل معهم، والإحسان إليهم، أيًّا كان قربهم أو بعدهم عنا، سواء كانوا أهلًا أو إخوةً أو أولادًا، أو كانوا جيرانًا، أو من نتعامل معهم في مختلف أمور الدنيا، ولو كانوا مما خلق الله وسخّرهم لنا من الحيوانات. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة، فقد كان لطيفًا رحيمًا في كل تعاملاته ومع الجميع، حتى الجذع الذي كان يستند إليه في خطبته عليه الصلاة والسلام ناله من لطفه عندما سمع بكاءه، فنزل وضمّه إليه حتى توقّف بكاؤه.
والرحمة في التعامل مع الخلق سلوكٌ عملي يظهر أثره في مختلف تعاملات المسلم؛ في بيعه وشرائه، وفي أخذه وعطائه، وفي صلته لأرحامه، وفي تعامله مع جيرانه، وفي قضائه لحوائج الناس، وفي رحمته بالضعفاء والمحتاجين، وفي عفوه عمّن أساء إليه، وفي كل موطن يستطيع فيه أن يخفف عن غيره مشقةً، أو يرفع عنه ضررًا، أو يوصل إليه إحسانًا. وكل ذلك من أبواب الرحمة التي يرجو المسلم ببذلها أن تناله رحمة الله سبحانه وتعالى؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” (أخرجه أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، وقال: حديث حسن صحيح)
ومن صور استجلاب رحمة الله من خلال التعامل مع الخلق السماحة في البيع والشراء؛ فالمسلم تتوافق عبادته مع معاملته، ولا يكون طلبه لرحمة الله مقصورًا على صلاته ودعائه، ثم يغيب أثرها حين يدخل السوق أو يباشر تجارته، وإنما تكون أخلاقه حاضرةً في بيعه وشرائه، وفي مطالبته بحقوقه وأدائه لما عليه. متجنبا للغش والخداع، أو استغلال حاجة الناس، ولا يشق عليهم فيما يستطيع فيه التيسير، بل يكون سمحًا في معاملاته، محسنًا لمن حوله، ولهذا فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الرحمة وبين هذه السماحة بقوله: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) “أخرجه البخاري حديث رقم (2076
ومن ذلك إنظار المعسر والتجاوز عنه؛ فمن كان له حق عند أخيه، ثم علم من حاله العجز والضيق، فإن من الرحمة أن يمهله وألا يزيد كربته وضيقه، والقرآن يحظ على إنظار المعسر “وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقرة: 280). “وحين علم النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا كان يداين الناس، ويقول لعامله: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا أخبر عليه الصلاة والسلام أنه لقي الله فتجاوز عنه”، ومن تجاوز الله عنه فقد استحق رحمته.
ومن صور استجلاب الرحمة كذلك صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب؛ فالوالدان والأهل والإخوة والأخوات وسائر الأقارب هم أولى الناس برحمة المسلم وإحسانه، ولا تظهر حقيقة الرحمة بالأرحام عند صفاء العلاقات فقط، بل قد تكون الحاجة إليها أشد حين يقع الجفاء والقطيعة؛ وحينها يستطيع الإنسان أن يكون رحيما بأرحامه فيرحم من قصر في حقه، ويصل من قطعه، يجعل طلب ما عند الله مقدمًا على حظوظ النفس مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم” لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا” (أخرجه البخاري حديث رقم (5991)
وإذا كانت صلة الرحم بابًا من أبواب الرحمة، فإن حسن الجوار بابٌ آخر يتكرر في حياة المسلم كل يوم؛ فالجار قريب مكانه، كثيرة مخالطته، مطّلع على كثيرٍ من أحوال جاره، ومن الرحمة بالجار كفُّ الأذى عنه، والتلطّف معه، واحتمال ما قد يقع منه من تقصير، وتفقّد أحواله، ومواساته في شدته، وإعانته عند حاجته، وحفظ حرمته وخصوصيته، وإدخال السرور عليه بما يستطاع من كلمة طيبة، أو مساعدة يسيرة، أو وقفةٍ في شدة، أو تجاوزٍ عن خطأ، وكل هذه ميادين رحمة يبذرها المسلم ويرجو حصادها من رحمة الله سبحانه وتعالى.
ومن صور الرحمة التي قد يغفل عنها الإنسان الرحمة بمن يعمل معه أو تحت مسؤوليته؛ فلا يستغل حاجته، ولا يبخسه حقه، ولا يحمّله ما لا يطيق، ولا يجعل ما أعطاه الله من سلطةٍ أو قدرةٍ وسيلةً للإغلاظ عليه وإهانته، بل يتعامل معه بالعدل والرفق والإحسان، فالرحمة تظهر حقيقتها حين يكون الإنسان قادرًا على الشدة فيختار اليسر، وقادرًا على المؤاخذة فيختار العفو وحين يضع المرء سلطته موضع العدل والإحسان.
ومن أبوابها كذلك العفو والصفح عن زلات الناس، فجميعنا نخطئ ونهفو ونزل، وما من علاقة بين الناس إلا ويصيبها التقصير والخطأ، ومن كان يرجو عفو الله ورحمته، كان العفو والصفح ركن في معاملته للخلق، يتجاوز عن هفواتهم ويجبر أخطاءهم بأعمالهم الحسنة، قال تعالى” وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم “(النور: 22). ومن أحب مغفرة الله ورحمته، عفا وصفح وسامح وعامل عباد الله بما يحب أن يعامله الله به.
ولا تقف الرحمة عند بني آدم، بل تتجاوزهم إلى الحيوان وسائر ما خلق الله وسخّره للإنسان؛ من خلال الابتعاد عن تعذيب الحيوان أو تحميله ما لا يطيق، ولا يحبسه عن طعامه وشرابه، وقد جاء في الحديث: “بَينا رَجُلٌ يَمشي فاشتَدَّ عليه العَطَشُ، فنَزَلَ بئرًا فشَرِبَ مِنها، ثُمَّ خَرَجَ فإذا هو بكَلبٍ يَلهَثُ يَأكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فقال: لقد بَلَغَ هذا مِثلُ الذي بَلَغَ بي، فمَلَأ خُفَّه ثُمَّ أمسَكَه بفيه، ثُمَّ رَقيَ، فسَقى الكَلبَ، فشَكَرَ اللهُ له، فغَفَرَ له، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجرًا؟ قال: في كُلِّ كَبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ. ٌ” (أخرجه البخاري حديث رقم (2363)
ويتضح لنا من هذا أن الأعمال تتسع في استجلاب رحمة الله لتشمل تفاصيل حياة المسلم كلَّها؛ فيكون رحيمًا في بيته مع أهله وأولاده، رحيمًا في بيعه وشراء، رحيمًا مع أقاربه وإن قصّروا، ومع جيرانه وإن اختلف معهم، ومع المحتاج إذا سأله، والمدين إذا أعسر، والعامل إذا عمل عنده، والضعيف إذا لجأ إليه، بل ومع الحيوان الذي لا يستطيع أن يعبّر عن حاجته بلسانه.
وسنظل فقراء إلى رحمة الله، نلح لطلبها في دعائنا، ونرجوها في عباداتنا، ونستجلبها بأعمالنا، ونبذلها في كافة معاملاتنا؛ لأننا أحوج ما نكون إلى رحمة الله في الدنيا حين تشتد الكروب وتضيق السبل، وأحوج ما نكون إليها في الآخرة حين يقف الإنسان بين يدي ربه لا ينجيه إلا فضل الله ورحمته. فطوبى لمن عاش رحيمًا بخلق الله، يرجو بذلك أن يرحمه الله، وأحسن إلى عباده يرجو إحسانه، ويسّر عليهم يرجو تيسيره؛ فالراحمون يرحمهم الرحمن.