منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زارتني عجوز بالمدرسة

زارتني عجوز بالمدرسة/ مصطفى الشاح

0

زارتني عجوز بالمدرسة

بقلم: مصطفى الشاح

وصلت للمدرسة وجدت هذه المرأة تنتظرني قد جاوزت في العمر الثمانين فرحت بطلعتها و اعتذرت لها لانني وصلت متأخرا وأشفقت هي من حالي لأنني أتعب كثيرا للوصول الى القسم

 ترى ما حاجتها؟؟؟ ولم جاءت تحمل قارورة لبن مخبئة عن أعين الأغيار.؟…. خصتني بها ونعم اللقاء كان. أضنها جاءت….

 تبحث عن أذن صاغية  تسمع صوتها وهمس وجدانها لتبوح بما يعتلج في خاطرها ونفسها.

 تبحث عن لحظة أنس بعد ان رحل كل من كانوا لها ملجأا وأنيسا تتبادل معهم قصصا وحكايات كانت هي البطلة وكانوا هم شاهدين على العصر.

 تبحث عن قلب ينبض بالحياة تستقي منه آخر أمل لها في دنيا الناس بعد ان أشرفت على الرحيل عند الذي لايضام ضيفه ولا يستوحش من غربة من نزل بساحة كرمه سبحانه عزوجل أكرم الكرماء.

تبحث عن استشارة في أمور تحير عقلها وتشغل بالها وتعبث بوجدانها وتؤرق مضجعها.

 تبحث عن مفتاح للألغاز التي أضحت متاهة يطوف حولها سكان هذه الارض. تبحث عن سويعة أنس وصدق وصفاء بلا غش ولا حسد ولا كدر .

تبحث عن نسمة وفاء للمسنة التي قضت زهرة عمرها وشبابها في كدح وبذل جهد وكفاح وتضحية لتعطي لهذا الوطن لبنة من لبنات البناء فمن يوفيها حقها ويرد لها حبة جميل..

 تبحث عن فضاء ارحب من ذلك الحيز الضيق الذي تنبعث منه رائحة الملل والاهمال واللامبالاة ويضيق بتلك الذكريات المرة التي شيبت ذلك الشعر الحريري المتدلي على الاكتاف وأصبح اليوم شاحبا قصيرا متلاشي بين جنبات رأس فاضت جوانبه حين لم يجد مكانا فارغا يودع فيه جديد الذكريات التي لم نعد في حاجة اليها.

 تبحث عن كلمة صادقة دافئة في زمن برودة العواطف وجفاء القلوب التي لم تعد تنتج حليب المحبة والصفاء بل أصبحت بئر معطلة وقصر مشيد.

 تبحث عن وطن وعن هوية حين تاهت بها الشعارات وملأت شاشة التلفزة وجوه كالحة تحمل من كل نفاق وكذب ألوان . وعوض ان يرسموا قوس قزح بهي الالوان رسموا قوس كذب فتان يحسبه الضمآن ماء ألوانه باهتة وله امتداد نحو عالم االبؤس والشقاء رسمت معالمه يوم الاقتراع لانتخاب الرئيس الغائب على الدوام.

جاءت تبحث عن العدل والعناية والرعاية عند عمر الفاروق  حين كان يجوب الطرقات بالليل والنهار يمسح دمعة اليتيم ويدفئ بيت عجوز او ارملة غاب عنها المعيل.

جاءت تبحث عن  بيت مال المسلمين لتأخذ حقها وتصون كرامتها عن ذل الحاجة وبؤس السؤال؛بيت كان لنا فيه كل بغية وحاجة واليوم أضحى أثر بعد عين وطلل يحكي حكاية للنسيان.

جاءت تبحث عن ابن دار به الزمان وشغله البيت والزوجة والاولاد عن أم كان حضنها وسادة دافئة وكان حليبها شرابا فيه شفاء وذو طعم خاص. كم سقته بدموعها حتى لايذبل كوردة في بستان وخصته بدعوات السحر حتى لايتعثر ونام هو ومانامت هي، تحرسه من هوام قد تتسلل خلسة في جنح الظلام لتنال من فلذة كبد رطب تمشي على رموش عين ذبلت الآن وجف الدمع وما عاد سيال.

جاءت تتبع خطوات زوج حين التفت ولم يعد يغريه ذاك العش ولا تلك الحمامة الحاضنة لبيض انجب فراخا زغبا حينا من الدهر ثم كبرت الاجنحة وطار الصغار ومعهم غاب الانس والحُب والحَبُّ والريحان.

أصبح العش قشا بلا دفء ولا حنان.

جاءت تبحث عن يوسف العفيف الجميل اللطيف حين همت به الدواهي وتزينت له العرائس على طبق الخيانة فصان العهد وحفظ الود وآثر سجنا بعفة على قصر من غدر. فنال وسام (إنا نراك من المحسين). يا يوسف أفتنا في امة نامت حتى سُمع شخيرها على الشطآن ونصبت تمثالا للشيطان ولم تسجد لآدم جنب ملائكة الرحمن.

جاءت تبحث عن المعتصم لتساءله عن عرض ضاع وشرف هان وجسد بيع بأبخس الأثمان. حاولت مراجعة النداء وامعتصماه!!! لكن الصوت يرجع لها صدى قويا منبعثا من فراغ بئر ضم رفاة أمة هانت وتاهت وياليتها حفرت قبرها ولبست كفنها وكتبت ماتت والسلام.

جاءت تبحث عن حمامة باضت وعنكبوت خاطت وصديق خفق قلبه بالغار وعلى الحبيب غارفي ليلة كان الرداء (لاتحزن إن الله معنا) ليلة شع نورها وطاب نسيمها وفاح مسكها حين ذكر المصطفى نور الوجود وسيد الكائنات عليه من ربي أفضل الصلوات وأزكى التحيات وأطيب البركات.

عودي ياعجوز فقد نلت المراد وبك تم القصد واستنار الفؤاد وطويت صفحة جيل مضى وعهد انقضى ولتكتب قصة شمس ستشرق بين رموش عيون الاطلال وتبني صرحا طال عنه الحديث وطال الانتظار هو اليوم على الابواب يفرح به ساكن الارض وملكوت السماء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.