منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مسالك الدلالة على ربانية القرآن الكريم: (2)

الحلقة الثاينة من سلسلة: مسالك الدلالة على ربانية القرآن الكريم

اشترك في النشرة البريدية

الأدلة العقلية على الكمال الإلهي:

إن قضية الوجود الإلهي، والموقف منها قضية مصيرية بالنسبة للإنسان … وإن من الحقائق المدهشة: شعور الإنسان الفطري وإحساسه الداخلي بوجود الخالق سبحانه وتعالى، وإذا كنت القضية فطرية، فمن باب أولى أن تكون عقلية أو حسية أو حدسية، لأنه لولا المكون الفطري: لما قُبل أو صح أي استدلال، فالنظام الاستدلالي لا يقوم إلا بوجود المبادئ الضرورية، وإلا لزم الدور والتسلسل، والذي يفضي إلا سقوط المنظومة الاستدلالية كلها ، وليس البحث كما تعلم في مسألة الوجود، وإنما في الكمال الإلهي.
ففي الوقت الذي يستشعر فيه المؤمن ضرورةَ: وصف الله تعالى: بالكمال المطلق في الذات والصفات والأفعال، يوجد بعض الناس من يشكك في ذلك، إما مدعيا غياب الدليل على اتصاف الله تعالى بالكمال المطلق، وإما مشككا في بعض الصفات الدالة على الكمال المطلق لله تعالى، وسوف يقتصر البحث هنا على دليل واحد: وهو: “إتقان الخلق دليل على كمال الخالق”
وقبل معالجة هذه القضية، تحسن البداءة بتحديد المقصود بالكمال الإلهي:
فالكمال: من “كمل” أصل صحيح يدل على تمام الشيء، يقال: كمل الشيء وكمل فهو كامل، أي تام، قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] .
وعليه فالقصد بالكمال الإلهي: أن الله جل وعلا واحد، منزه عن الشريك، وهو صاحب الملك المطلق لهذا الكون، والإرادة المطلقة، وكذا العلم والحكمة والقدرة، منزه عما تتصف بها المخلوقات من الصفات على حد قولِ: القرآن الكريم {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11
إذا اتضح هذ فإنه لا يختلف إثنان من البشر: أن إتقان العمل يلزم منه براعة المتقن، ووجود علمه وحكمته، يقول ابن القيم رحمه الله ” إن الله سبحانه وتعالى فطر عباده حتى الحيوان البهيم: على استحسان وضع الشيء في موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه المطلوب منه وعلى استقباح ضد ذلك وخلافه وأن الأول دال على كمال فاعله وعلمه وقدرته وخبرته وضده دال على نقصه وعلى نقص علمه وقدرته وخبرته وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها ومعلوم أن الذي فطرهم على ذلك وجعله فيهم أولى به منهم” ولهذا عندما نشاهد جمال هذا الكون وإبداع صنعته نصل يقينا إلى أن الخالق متصف بالكمال المطلق يقول الفيلسوف اليوناني “أفلاطون”: ” إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، توخى الخير، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة” . ويقول أحد الملاحدة وهو: ستيفن هونكج: “يبدوا أن كوننا وقوانينه: مصممان على يد خياط ماهر لدعم وجودنا”
ونصوص العلماء والفلاسفة في هذا كثيرة جدا وهي تظهر أن دقة الخلق: تستوجب عظمة الخالق: أي الكمال الإلهي، ولتوضيح هذا سوف أقتصر على بعض الصفات الثابتة بالعقل قبل ورود الخبر، مع بيان دلالتها على كمال الله سبحانه وتعالى:
أولا: صفة الحياة:: هي صفة عقلية متفق عليها بين الجميع، فكل من أثبت وجود الخالق لزمه ضرورة: أن يكون الخالق حيا، وإلا لم وجد المخلوق إذ الميت لا لايدرك فضلا أن يخلق عالما في منتهى الدقة والنظام… وتعني في المصطلح العقدي: “صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بالادراك” وهذه الصفة هي صفة كمال إذا نظرنا إلى مقابلها وهو الموت، فوجود الحياة دليل على الكمال المطلق للخالق.
ثانيا: القدرة: القدرة وهي صفة يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه على وفق الإرادة، أي يتيسر بها إخراج كل ممكن من العدم إلى الوجود وإخراجه من الوجود إلى العدم ، وبناء عليه، فإن وجود القدرة دليل على كمال المتصف بها، فكيف إذا كان صاحب القدرة المطلقة سبحانه وتعالى. وتظهر تجليات هذه الصفة في عظمة الكون الذي نشاهده.
ثالثا: الإرادة: وهي صفة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، ومعنى ذلك أن الممكنات نسبتها إلى قدرة الله تعالى على حدٍ سواء فلو اختصت بوجود بعضها دون بعض لزم العجز، فإذا لابد لتخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون مقابله من صفة أخرى وليس إلا صفة الإرادة، إذ لا يلزم نقص في قولنا: أراد الله وجود هذا الممكن، ولم يرد هذا الممكن الآخر، بل أراد عدمه بل ذلك دليل على غاية الكمال فإن تصرفه تعالى في الممكنات إنما هو بمحض الإرادة والاختيار ولا باعث له على ممكن منها ولا إكراه ولا إجبار .
رابعا: العلم: ويقع في مقابل الجهل، ولا يستويان، لأن العلم دليل الكمال والجهل دليل النقص، ويظهر تجلي هذه الصفة في صفحة الكون العظيم، فإن دقة التنظيم وروعته وجماله، وحسن بهائه، حتى يصل الأمر إلى حد الإعجاز والحيرة العقلية أمام هذا السبك المتقن، الذي يستحيل في نظر العقل أن يكون محض صدفة أو عشوائية، بل هو دليل على الخالق، وليس الخالق فقط بل منتهى الكمال ومنتهى العلم والحكمة، وقد شد هذا الجمال الدال على نهاية الكمال عددا من الشعراء :
قال أبو نواس:
تأمل في نبات الأرض وانظر
إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات
بأحداق هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات
بأن الله ليس له شريك

وقال ابن المعتز:
فيا عجبا كيف يعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحد

المزيد من المشاركات
1 من 27

وفي كل شيء له آية .
تدل على أنه واحد

خامسا وسادسا: الأزلية والبقاء: ويعبر البعض عنهما بالقدم والبقاء وهما صفتان متلازمتا في حق الله سبحانه وتعالى، فإذا تبثت الأزلية لزم منها البقاء، وتعني الأزلية: سلب العدم السابق على الوجود وإن شئت قلت هي عبارة عن عدم الأولية للوجود، وأما البقاء: فهو سلب العدم اللاحق للوجود ، وثبوت هتين الصفتين العقليتين يثبت الكمال المطلق لله تعالى في وجوده، وذلك أن عدم الأزلية وحصول الفناء صفتا نقص وعيب، بل هو إنعدام الألوهية ابتداء.
سابعا: مخالفته للحوات والمخلوقات: الله خالق الكون ومدبره من أصغر شيء إلى أعلى ما فيه، فيلزم عقلا أن لا يكون الله تعالى يشبه أو يشببه شيء من خلقه، أي لا يماثله تعالى شيء منها مطلقاً لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، وهذا عين الكمال: إذا لو كان له شبيه من خلقه لزم أن يجري عليه ما يجري عليهم من الفناء وعدم البقاء.
ثامنا: الغنى المطلق: ومعنى هذه الصفة: قيامه تعالى بنفسه فلا يفتقر لشيء من الأشياء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولا يتوقف وجود على وجود غيره، بل الكل محتاج إليه ، وهذه صفة كمال، إذ المحتاج لغيره ناقص.
سابعا: الوحدانية: هذه الصفة هي من أخص صفات الله تعالى، والأكثر حضورا في عقيدة المؤمنين، وتعني: أنه لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، ومن أقوى الأدلة التي يستدل بها على الوحدانية دليل التمانع العقلي يقول الباقلاني ” “وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين ولا أكثر من ذلك والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا ويوجد أحدهما ضد مراد الآخر فلو اختلفا وأراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته لوجب أن يلحقهما العجز أو واحدا منهما لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعا لتضاد مراديهما فوجب أن لا يتما أو يتم مراد أحدهما، فيلحق من لم يتم مراده العجز أو لا يتم مرادهما فيلحقهما العجز، والعجز من سمات الحدث والقديم الإله لا يجوز أن يكون عاجزا” .
ومعنى هذا الكلام: أن افتراض وجود إلهين فأكثر، يقتضي الاتفاق أوالاختلاف، وعند الاتفاق: يظهر عجز كل منهما، لأن كل واحد لا يفعل إلا بمساعدة الأخر، أو أن يفعل هذا ويعيد الآخر نفس الفعل، وهذا تحصيل حاصل، وهو ممتنع في العقل، وإما أن يختلفا: وفي هذه الحالة: يكون هناك ثلاث احتمالات: الأول: أن يتحقق مرادهما معا: هذا يخلق وهذا يعدم، أو العكس، وهذا ممتنع لوجود الكون: مشاهد محسوس، الثاني: أن لا يتحقق مرادهما معا، وهذا ممتنع أيضا لوجود الكون، فبقي الاحتمال الثالث: أن يتحقق مراد أحدهما دون الآخر، فالذي تحقق مراده هو الآله الحق، ومن لا فلا.
ثامنا: الحكمة: وتعني أن كل شيء في مكانه المناسب على جهة التمام، فدقة الكون المتناهية وانعدام الخلل فيه دليل على اتصاف الخالق بالحمكمة، وتنزهه عن العبث.
وهذه الصفات المعروضة بين يديك وغيرها مما لم يذكر تثبت لك على جهة اليقين كمال الجلال والجمال في صفات الله تعالى، و إن من ثمراتها شدة الحب والتعلق بالله تعالى، فمن عرف العظيم في علو شأنه، ورفعة مقامه، وأنه لا يشبهه شيء من مخلوقاته… أوصله ذلك إلى المحبة وعظيم التعلق به سبحانة طاعة وتذللا وخضوعا.
والغرض من هذا البحث في إثبات صحة القرآن الكريم: أمور ثلاثة:
– الأول: أن بدون إثبات الكمال الإلهي لا يمكن أبدا الثقة في العقل وفي قدرته على الوصول إلى الحقيقة، وذلك إما أن نقول: العقل جاء عن طريق التطور دون تدخل الخالق: فيكون العقل تطور ليعيش فقط، لا ليدرك الحقيقة، وإما أن نقول: العقل هبة من الخالق سبحانه وتعالى، فإذا نفينا عنه الكمال، فما الضامن أن يكون زودنا بعقل: مخادع في البحث عن الحقيقة .
– الثاني: إثبات صدق القرآن لتوافق العقيدة الإسلامية: مع الدليل العقلي في إثبات الصفات لخالق الكون.
– الثالث: إذا كان الله قادرا وعالما، فقطعا سوف يعلم بما ادعاه النبي محمد عليه من نسبة القرآن إليه، وسكت عنه، بل أيده ونصره على كل خصومه، ولم يزل منذ جاء بالرسالة ينتقل من نصر إلى نصر حتى أعلن كمال الدين ونهاية التشريع، وحسم أمر الرسالة من بعده، وأبطل ما تقدم عليه أو صححه مما يزعم الناس نسبته إلى الله، وتحدى الناس بكتابه، وعجزت الكافة عن معارضته، كما سيأتي بإذن الله تعالى.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.