فلسطين: بَين تردد إبريل وخوف الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْريات

إن ذاكرة فلسطين التاريخية تحفل بالأحداث المهمة، وتذكرنا بالكثير من الآلام والذكريات المنقوشة عبر جدار التاريخ، والمرسومة بالدم على أرض فلسطين… ولا يمر علينا ربيع فلسطين (نيسان/ أبريل)، دون أن نتذكر أحداث الألم والوجع الفلسطيني، إنه شهر يحمل بين جنباته ذكريات أليمة، ذكريات ثورة وحلم وتحدٍ. شهر (نيسان/ أبريل) يحمل في أيامه ذكريات الألم والوجع والدم الفلسطيني، فيه ارتكبت العصابات الصهيونية والجيش الصهيوني من المجازر ما يندى له ضمير الإنسانية الذي حنط من قبل الدول الدائمة العضوية فيما يطلق عليه جزافاً مجلس الأمن الدولي إنه بحق مجلس الهم الدولي لا يهمه مصالح المستضعفين بالأرض بقدر ما يهمه مصالح الكبار فيه فأمنهم أولاً والباقي في ميزان المصالح.

إن ربيع فلسطين هو شهر مثخن بالأحداث، ومليء بالذكريات التي تستوجب الوقوف عندها، وتستوجب منا الحديث عنها، وسنتحدث في هذه المقال عن ذكريات المجازر الأليمة التي نفذتها العصابات الصهيونية بحق أبناء شعبنا الفلسطيني في نكبة فلسطين، وذكريات جرائم الاغتيال التي نفذتها أجهزة المخابرات (الإسرائيلية) بحق قيادات وكوادر الثورة الفلسطينية، ولا يغيب عن بالنا يوما القادة الفلسطينيون الذين استشهدوا خلال شهر نيسان هؤلاء الرموز الذين رسموا لنا معالم الطريق نحن تحرير أرض فلسطين.

أهم المجازر الصهيونية في شهر نيسان /أبريل

مجزرة اللجون (قضاء جنين) 3 نيسان/ أبريل عام 1948

العصابات الصهيونية (الهاجاناه) وارتكبت بحق سكانها مجزرة حيث قتل (13) شخصاً من أهلها.

مذبحة (دير ياسـين) 9 نيسان/ أبريل 1948

مذبحة ارتكبتها منظمتان عسكريتان صهيونيتان هما الإرجون (التي كان يتزعمها مناحم بيجين، رئيس وزراء الكيان العبري الأسبق وشتيرن ليحي (التي كان يترأسها إسحق شامير الذي خلف بيجين في رئاسة الوزارة). وتم الهجوم باتفاق مسبق مع الهاجاناه، وراح ضحيتها زهاء 260 فلسطينياً من أهالي القرية العزل. وكانت هذه المذبحة، وغيرها من أعمال الإرهاب والتنكيل، إحدى الوسائل التي انتهجتها المنظمات الصهيونية المسلحة من أجل السيطرة على الأوضاع في فلسطين تمهيداً لإقامة الدولة الصهيونية. ففي فجر 9 نيسان/ أبريل عام 1948 دخلت قوات الإرجون من شرق القرية وجنوبها، ودخلت قوات شتيرن من الشمال ليحاصروا القرية من كل جانب ما عدا الطريق الغربي، حتى يفاجئوا السكان وهم نائمين. وقد قوبل الهجوم بالمقاومة في بادئ الأمر، وهو ما أدَّى إلى مصرع 4 وجرح 40 من المهاجمين الصهاينة. وكما يقول الكاتب الفرنسي باتريك ميرسييون: “إن المهاجمين لم يخوضوا مثل تلك المعارك من قبل، فقد كان من الأيسر لهم إلقاء القنابل في وسط الأسواق المزدحمة عن مهاجمة قرية تدافع عن نفسها.. لذلك لم يستطيعوا التقدم أمام هذا القتال العنيف ولمواجهة صمود أهل القرية، استعان المهاجمون بدعم من قوات البالماخ في أحد المعسكرات بالقرب من القدس حيث قامت من جانبها بقصف القرية بمدافع الهاون لتسهيل مهمة المهاجمين. ومع حلول الظهيرة أصبحت القرية خالية تماماً من أية مقاومة، فقررت قوات الإرجون وشتيرن (والحديث لميرسييون) “استخدام الأسلوب الوحيد الذي يعرفونه جيداً، وهو الديناميت. وهكذا استولوا على القرية عن طريق تفجيرها بيتاً بيتاً. وبعد أن انتهت المتفجرات لديهم قاموا “بتنظيف” المكان من آخر عناصر المقاومة عن طريق القنابل والمدافع الرشاشة، حيث كانوا يطلقون النيران على كل ما يتحرك داخل المنزل من رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ”. وأوقفوا العشرات من أهل القرية إلى الحوائط وأطلقوا النار عليهم.

استمرت أعمال القتل على مدى يومين. وقامت القوات الصهيونية بعمليات تشويه سادية (تعذيب ـ اعتداء ـ بتر أعضاء ـ ذبح الحوامل والمراهنة على نوع الأجنة) وأُلقي بـ 53 من الأطفال الأحياء وراء سور المدينة القديمة، واقتيد 25 من الرجال الأحياء في حافلات ليطوفوا بهم داخل القدس طواف النصر على غرار الجيوش الرومانية القديمة، ثم تم إعدامهم رمياً بالرصاص. وألقيت الجثث في بئر القرية وأُغلق بابه بإحكام لإخفاء معالم الجريمة. وكما يقول ميرسييون: “وخلال دقائق، وفي مواجهة مقاومة غير مسبوقة، تحوَّل رجال وفتيات الإرجون وشتيرن، الذين كانوا شباباً ذوي مُثُل عليا، إلى “جزارين”، يقتلون بقسوة وبرودة ونظام مثلما كان جنود قوات النازية يفعلون”. ومنعت المنظمات العسكرية الصهيونية مبعوث الصليب الأحمر جاك دي رينييه من دخول القرية لأكثر من يوم.

مجزرة قرية (قالونيا) 12 نيسان/ ابريل 1948

قالونيا قرية تبعد عن القدس المحتلة حوالي 7 كلم، تمت مهاجمتها من قبل العصابات الصهيونية حيث قامت بنسف عدد من بيوتها، واستشهد خلال هذه المجزرة (14) فلسطينيًا وجرح العشرات من أهلها.

مذبحة (ناصر الدين) 14 نيسان/ أبريل 1948

اشتدت حدة القتال في مدينة طبرية بين العرب والصهاينة، وكان التفوق في الرجال والمعدات في جانب الصهاينة منذ البداية. وجرت محاولات لنجدة مجاهدي طبرية من مدينة الناصرة وما جاورها. وجاءت أنباء إلى أبناء البلدة عن هذه النجدة وطُلب منهم التنبه وعدم فتح النيران عليها. ولكن هذه الأنباء تسربت إلى العدو الصهيوني الذي سيطر على مداخل مدينة طبرية فأرسلت منظمتا ليحي والإرجون في الليلة المذكورة قوة إلى قرية ناصر الدين يرتدي أفرادها الملابس العربية، فاعتقد الأهالي أنهم أفراد النجدة القادمة إلى طبرية فاستقبلوهم بالترحاب، وعندما دخل الصهاينة القرية فتحوا نيران أسلحتهم على مستقبليهم، ولم ينج من المذبحة سوى أربعين عربياً استطاعوا الفرار إلى قرية مجاورة. وقد دمر الصهاينة بعد هذه المذبحة جميع منازل ناصر الدين.

مذبحة (تل لتفنسكي) 16 نيسان/ أبريل 1948

قامت عصابة يهودية بمهاجمة معسكر سابق للجيش البريطاني يعيش فيه العرب وأسفر الهجوم عن استشهاد 90 عربياً.

مجزرة (طبريا) 19 نيسان/ أبريل 1948

أقدمت العصابات الصهيونية في هذا اليوم على تفجير أحد المنازل الفلسطينية في مدينة طبريا وقتلت 14 فلسطينيا من سكانه .

مذبحة (حيفا) 22 نيسان/ أبريل 1948

هاجم المسـتوطنون الصـهاينة مدينة حيفـا في منتصف الليل واحتلوها وقتلوا عدداً كبيراً من أهلها، فهرع العرب الفلسطينيون العُزل الباقون للهرب عن طريق مرفأ المدينة فتبعهم اليهود وأطلقوا عليهم النيران، وكانت حصيلة هذه المذبحة أكثر من 150 قتيلاً و400 جريحًا.

مذبحة غزة الثانية 4 و5 نيسان/ أبريل 1956

قصفت مدافع الجيش الإسرائيلي مدينة غزة، حيث استشهد 56 عربياً وجُرح 103 آخرون.

مذبحة (بحر البقر) 8 نيسان/ أبريل 1970

وقعت هذه المذبحة بتأثير وجع حرب الاستنزاف من قلب إسرائيل حيث قامت الطائرات الإسرائيلية القاذفة في الثامن من أبريل عام 1970 بالهجوم على مدرسة صغيرة لأطفال الفلاحين في قرية بحر البقر، إحدى القرى التي تقع على أطراف محافظة الشرقية، ودكتها بالقذائف لمدة زادت عن عشر دقائق متواصلة وراح ضحيتها من الأطفال الأبرياء تسعة عشر طفلاً وجُرح أكثر من ستين آخرين. وجدير بالذكر أن القرية كانت خاوية من أية أهداف عسكرية.

مذبحة (قانا) 18 نيسان/ أبريل 1996

مذبحة قانا وهي جزء من عملية كبيرة سُميَّت «عملية عناقيد الغضب» بدأت في يوم 11 من الشهر نفسه واستمرت حتى 27 منه حين تم وقف إطلاق النار. وتُعَد هذه العملية الرابعة من نوعها للجيش الإسرائيلي تجاه لبنان بعد اجتياح 1978 وغزو 1982، واجتياح 1993، واستهدفت 159 بلدة وقرية في الجنوب والبقاع الغربي كانت هذه العملية تستهدف ثلاثة أهداف أساسية غير تلك التي أعلنها القادة والزعماء الرسميون والإعلاميون في إسرائيل، الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الإسرائيلي، ومحاولة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وتقييد نشاطه من خلال الضغط إلى الدرجة القصوى على القيادتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ورفع معنويات عملاء إسرائيل في جيش لبنان الجنوبي الموالي للكيان الصهيوني الذي يعيش جنده وقادته حالة رعب وقلق وارتباك وخوف على المصير المتوقع بعد الوصول لتسوية نهائية للوضع في لبنان.

كانت الزعامات الصهيونية في إسرائيل قد أعلنت أن الهدف من وراء هذه العملية هو أمن مستعمرات الشمال وأمن الجنود الإسرائيليين في الحزام المحتل في جنوب لبنان، إلا أن المراقبين رصدوا تصريحات لوزراء الدفاع والخارجية، بل شيمون بيريز نفسه (رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت) تشير للأهداف الثلاثة التي ذكرناها سلفاً ولا يمكن تجاهل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية ورغبة رئيس الوزراء (شيمون بيريز) آنذاك في استعراض سطوته وجبروته أمام الناخب الإسرائيلي حتى يواجه الانتقادات التي وجهها له المتشددون داخل إسرائيل بعد الخطوات التي قطعها في سبيل تحقيق قدر يسير من التفاهم مع العرب فمنذ تفاهم يوليه 1993 الذي تم التوصل إليه في أعقاب اجتياح 1993 المعروف بعملية «تصفية الحسابات»، التزم الطرفان اللبناني والصهيوني بعدم التعرض للمدنيين. والتزم الجانب اللبناني بهذا التفاهم وانصرف عن مهاجمة شمال إسرائيل إلى محاولة تطهير جنوب لبنان من القوات التي احتلته في غزو 1982 المعروف بعملية «تأمين الجليل».

مجزرة (مخيم جنين) في الأول من نيسان/ أبريل 2002

وقعت مجزرة في مدينة جنين واستمرت حتى 12 نيسان/ أبريل، والتي قام بها الجيش الاسرائيلي. فمجزرة جنين هو اسم يطلق على عملية التوغل التي قام بها الجيش الإسرائيلي في جنين في الفترة من 1 إلى 12 نيسان/ أبريل 2002. وذلك بعد عشرين عاماً على مذبحة صبرا وشاتيلا، وخمسين عاماً على مذبحة قبية، ارتكب الجزار نفسه، والقاتل نفسه مذبحة في مخيم جنين. من خلال سلسلة من المجازر والجرائم الإنسانية التي يواصل الكيان الصهيوني ارتكابها يومياً بدعم واضح من الإدارة الأمريكية. فالمخيم بالكامل أزيل عن الوجود، أكثر من خمسمائة شهيد من الأطفال والنساء والشيوخ سقطوا في هذا المخيم ولا يزال الكثير منهم تحت أنقاض مباني المخيم المهدمة، أكثر من مائة من المدنيين أعدموا دون محاكمة في أزقة المخيم، عشرات الجرحى استشهدوا بعد أن ظلوا ينزفون حتى الرمق الأخير دون أن يستطيع أحد تقديم العلاج لهم، عائلات بأكملها من أطفال ونساء ورجال وشيوخ ومرضى قتلت بالكامل. ومئات من جثث الشهداء دفنت في مقابر جماعية سرية حتى يتم إخفاء معالم الجريمة. عشرات الجثث سحقت بجنازير الدبابات، وأطفال ماتوا لأنهم لم يجدوا الحليب خلال عشرة أيام من محاصرة المخيم.

شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في 29 آزار/ مارس 2002 بحملة عسكرية احتل فيها العديد من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وبعد أسبوعين من حصار مخيم جنين واندلاع قتال عنيف بين المقاومين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي التي قادها رئيس الأركان شاؤول موفاز(في عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون)، لم يعد من سبيل أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي للقضاء على هذه المقاومة سوى هدم المخيم على رؤوس ساكنيه ونفاد ذخيرة المقاومين الفلسطينيين، وباشرت عندها القوات الإسرائيلية حملة إعدامات مكثفة في صفوف هؤلاء الفلسطينيين، وقد ترافقت حملة الإعدامات تلك مع جهد دؤوب من قبل الجرافات الإسرائيلية بإزالة المخيم من الوجود.

أكد شهود عيان أن شاحنات إسرائيلية شوهدت تدخل المخيم وتخرج منه وهي محملة بجثث الشهداء ومتجهة إلى جهة مجهولة وقال بعضهم فيما بعد أنها اتجهت إلى منطقة الغور ودفنتها في قبور جماعية. وأظهرت الصور التلفزيونية جثثاً متفحمة وأخرى متعفنة تحت الأنقاض وأن القوات الإسرائيلية الهمجية قامت بإعدام ميداني للعديد من المدنيين والمسلحين بعد نفاذ ذخيرتهم.‏ وأعلنت السلطة الفلسطينية أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يدفن الشهداء في مقابر جماعية لإخفاء المجزرة. وأكدت أن دبابات وطائرات وجرافات الغزو الإسرائيلي تقوم بهدم منازل المخيم بيتاً بيتاً على رؤوس من تبقى من الأهالي وتنسف الجوامع والمساجد والمستوصفات وجميع المؤسسات المدنية.‏

أهم الاغتيالات التي حصلت:

تسجل ذاكرة فلسطين، أن العدو الصهيوني نفذ خلال شهر نيسان عددا من جرائم الاغتيال بحق عدد من القادة والرموز الفلسطينية، هؤلاء الرجال صنعوا من حياتهم تاريخ عز وكرامة وبطولة وفداء.

-في 10 نيسان/ أبريل 1973 قام جهاز الموساد (الإسرائيلي) بتصفية واغتيال لثلاثة قادة فلسطينيين وهم كمال ناصر، وكمال عدوان، ومحمد يوسف النجار، في شارع فردان في مدينة بيروت، وقاد هذه العملية (ايهود باراك) الذي أصبح في نهاية التسعينيات من القرن الماضي رئيسًا لوزراء الكيان، واعتبرها العدو من أكثر عمليات الاغتيال تعقيدا، وحققت نتائج مهمة.

-اغتيال خليل الوزير أبو جهاد في تونس في 16 نيسان/ أبريل عام 1988م، في عملية مقعدة ومن أكثر عمليات المخابرات (الإسرائيلية) تعقيدًا .

– استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في 17 نيسان عام 2004م.

إن ما ذكر في المقال من مجازر شهر نيسان/ أبريل، هو عدد قليل جدا أمام مسلسل الجرائم الصهيونية التي تواصلت على مدار السنوات حتى يومنا هذا، ولكني ركزت الحديث عن مجازر نكبة فلسطين. فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة: تردد إبريل، رائحة الخبزِ في الفجر، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي، وخوف الغزاة من الذكرياتْ. فعلى هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ، على هذه الأرض سيدةُ الأرض، أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين.

الوسوم
اظهر المزيد

د. محمد عريف

كاتب وباحث في التاريخ الاقتصادي الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، عضو الاتحاد الدولي للمؤرخين والجمعية المصرية للدراسات التاريخية. مشارك في عشرات المؤتمرات والندوات بدراسات سياسية واقتصادية وقانونية وتاريخية. كاتب لدى القدس العربي والحياة اللندنية والعربي الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: