عولمة “الموضة” وخطرها على المرأة

إن ما انتهت إليه المرأة في بعض البلاد العربية والإسلامية، من أشكال التبرج، والإغراق في استعمال المساحيق والجري وراء الموضة وبريق المظهر ولو على حساب الدين والحياء، كل ذاك ويزيد كان من أسبابه السياسة الإعلامية العقيمة والمنحرفة التي تأثرت بموضة التغريب والعولمة. فالمرأة وهي عاطفية الطبع ورقيقة الحس ميالة للمحاكاة؛ تجد نفسها مشدودة إلى كل ما تلقنه وسائل الإعلام من أنماط السلوك ومختلف الطباع، حتى ولو خالفت الفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها الأنثى. وأضح الإدمان على تتبع كل برامج ومسلسلات و المواقع التواصل الاجتماعي ومجلات الموضة وعرض الأزياء، التي ينشرها المتربصون بالإسلام المتحكمين في كل وسائل الإشهار والإغراء… فنفخت في بعض النسوة روح التمرد على القوامة بدعوى المساواة الكاملة في كل شيء. بل منهن من تقبل الرجل (زميلا) و(صديقا)، ولكنها لا تقبله قيما في البيت ولا في المجتمع أو في شأن من شؤون الحياة. ومن ثم لم يعد في فطرتهن أن للرجل في الأسرة تلك الدرجة، فالسلطان إما للمرأة التي تريد أن تثبت شخصيتها وإما منازعة دائمة بين الرجل والمرأة في البيت، كل يريد أن يثبت أنه هو صاحب السلطان. وكلا الحالين مفسد لترابط الأسرة ومفسد للأطفال.
إن المرأة المغربة اللاهث وراء سراب الموضة في وطننا لم تبق تحمل من قيم الإسلام إلا الاسم- وابتعد البعض منهن ممن انبهرن بثقافة الانحلال والحرية الزائفة كل البعد عن منهج الله تعالى، فأهملت واجبتها تجاه أسرتها، وأصبحت ندا للرجل، الأمر الذي يجعلها سلعة سائغة، سهلة المنال خاصة بعدما تبرجت وتحللت من كل الأخلاق والآدب، وكشفت عن محاسنها ومفاتنها، ولبست(الميني جيب) و(البنطلون) وتفننت في الملابس الفاتنة المثيرة والمساحيق والأصباغ، وخرجت إلى الشارع كالعروس .
لقد خدعوا المرأة المسلمة بقولهم: “إنك لن تكوني عصرية متحضرة إلا إذا سايرت المرأة الغربية في كل سلوكها، ولن تتحرري إلا إذا خلعت تقاليدك المتزمتة التي مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، بعد أن أوهموها أنها مهضومة الحقوق، مهدورة الآدمية، وذلك عبر آليات العولمة والتي يعد التلفزيون والانترنيت في مقدمتها؛ إذ جعل المرأة المسلمة المعاصرة مشدودة إليه، مطبقة لكل ما يمليه الغرب من غزو فكري مشاهد في صورة حية، متحركة من النساء العاريات، والشباب الخليع، ونجوم السينما المستهترين.
ويخدعونها أيضا بقولهم: “إن حجاب المراة عائق عن مشاركتها الرجل في نهضته الفكرية والثقافية والاجتماعية، و إنما أولى الخطوات إلى أي نشاط فكري أو اجتماعي، أن تسفر الفتاة عن وجهها ومفاتنها، وتحطم ما بينها وبين الرجل من حواجز واعتبارات. كما أن أول السبيل للقضاء على ملكتها واستعداداتها الفكرية والاجتماعية المختلفة، أن تحبس نفسها في قفص هذا الحجاب، وتضع بينها وبين الرجل حاجزا مما تسميه الستر والآدب .
وما يتحدث أحدهم عن جهل المرأة، وتخلفها، إلا ويجعل من صورة المرأة المحتجبة مظهرا لذلك. وما يتحدث عن ثقافة المرأة، وتقدمها، ونشاطها الفكري والاجتماعي، إلا ويجعل من صورة المرأة العارية أو السافرة مظهرا لذلك .
فمما لا شك فيه أن هذا التلازم المختلق، إنما هو بهتان كبير لا أساس له ولا دليل عليه وإن المطلع على التاريخ، يعلم أن تاريخنا الإسلامي مليء بالنساء المسلمات اللاتي جمعن بين الإسلام أدبا واحتشاما وسترا، وعلما وثقافة وفكرا. بدءا من عصر الصحابة، إلى عصرنا هذا.
ويخدعونها كذلك بقولهم لها: “إن الفتاة التي تحبس نفسها عن الناس من وراء الحجاب، إنما تحرم بذلك شبابها بل حياتها من سعادة الزواج، فالشاب إنما يقبل على الفتاة التي يعجب بها، و إنما يعجبه منها قبل كل شيء جمالها وما يتصل به من مظاهر شخصيتها. وأنى له أن يطمئن إلى ذلك منها إذا لم يتهيأ له أن يراها وهي متبرجة، وكيف يتهيأ له ذلك إذا كانت تأبى إلا أن تحبس نفسها وراء سور الحجاب “.
تلك هي حجة الأمهات لبناتهن، تحسب الواحدة منهن أنها تجلب الخير بذلك لابنتها، وتقرب السبيل لها إلى اختيار فتى أحلامها. ويزيد في ذلك اندفاعا إغراءات جنود الشيطان من حولها، يستغلون لديها هذه الرغبة، فيزيدون من مخاوفها إن تزينت ابنتها بلباس الإسلام، ويدعمون آمالها إن هي تحررت منه وانسلخت بين صفوف الشباب، تعرض من زينتها عليهم، وتخلط نفسها بهم.
وهذه كذلك خدعة باطلة توحي بعكس الواقع والحقيقة، خدعة يصوغها دعاة الباطل على علم. ولو تأملنا الواقع الذي نعيش فيه لرأينا نسبة الإقبال على الأسر والفتيات المحافظات للزواج منهن أكثر، من الإقبال على الأسر المتحررة المتغربة اللاتي يطبقن الوصفة الخادعة التي اغتررن بها.
وهناك شبهة يثيرها ويحتج بها أولئك الذين يدعون إلى الاختلاط – مسلمين كانوا أو غير مسلمين – بين الذكور والإناث في مراحل العمر المختلفة – خاصة منذ الصغر -في العمل وغيرها، وهي: أن الاختلاط يجعل النظر إلى المرأة أمراً مألوفا عاديا، لا يحرك في نفسي الذكر والأنثى غريزة ولا شهوة، بعكس الفصل بينهما وحجزهما عن بعض؛ فإن ذلك يؤدي إلى تعلق كل منهما بالآخر بصورة أكبر؛ مما يؤدي إلى افتتان بعضهما ببعض ووقوعهما في المحرم.
والرد على هذه الشبهة يكون بما يلي:
أ- إن هذه الشبهة مخالفة لما دلت عليه النصوص الشرعية وأقوال العلماء، التي تحذر من الاختلاط، وما يؤدي إليه من المفاسد.
ب- إن هذه الشبهة والدعوى فيها تجاهل للفطرة الغريزية، فالله عز وجل لما خلق الرجل والمرأة، جعل في كل منهما ميلاً جنسياً إلى الآخر. قال تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين الْقيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .
فهل يريد هؤلاء أن يبدلوا فطرة الإنسان، وأن يحولوا سنن الحياة، لا سيما إذا كان كل من الرجل والمرأة – في حال اختلاطهما – جائعين جنسياً، فإن الفتنة تكون أشد، والانجذاب إلى الفاحشة يكون أبلغ وأقوى.
ثم لو كان الاختلاط منذ الصغر – وفي جميع مراحل العمر – لا يحرك في الرجل ولا في المرأة غريزة ولا شهوة، لانقلبت المودة بين الزوجين إلى عداوة، والرحمة بينهما إلى ظلم، والاتصال الجنسي إلى برود، ولما رضي أحدهما البقاء مع الآخر في ظلال الزوجية. وهذا خلاف الواقع.
ج- إن الواقع يكذب هذه الدعوى والشبهة، فالمجتمعات الغربية التي أمر الاختلاط فيها شائع بين كل الطبقات، وعلى مختلف المستويات، في الشارع، والمدرسة، والجامعة، والمتجر، والمنتزه، وفي كل مكان، تشتكي من السعار الجنسي، وازدياد العلاقات الجنسية المحرمة، والتحرشات الجنسية، بل وصلت أرقام اغتصاب الذكور للإناث حداً مفزعاً للعقلاء هناك، كل هذا بالرغم من أن الاختلاط يبدأ في تلك المجتمعات من المرحلة التمهيدية للدراسة، ويستمر في جميع مراحل الدراسة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعية، والدراسات العليا، فأين آثار الاختلاط التي تهذب الغريزة، وتضعف الشهوة ؟
د- صحيح أن مظاهر الإغراء قد تفقد بعض تأثيراتها بسبب طول الاعتياد وكثرة الشيوع. ولكنها إنما تفقذ ذلك عند أولئك الذين خاضوا غمارها وجنوا ثمارها خلال مرحلة طويلة من الزمن، وبديهي أن ذلك ليس لأنهم قد تساموا فوقها، ولكن لأنهم يشبعون كل يوم منها.
إن رؤية المناظر والمواقف الجنسية المثيرة في بلدة كالسويد مثلا، تعتبر أمرا عاديا لا يثير استغرابا ولا استهجانا بالنسبة لأولئك الذين نشئوا أو عاشوا في تلك الأجواء، فهل هذا يعني ذلك أنهم قد تجاوزوا طبيعة التأثير بدواعي الانحراف و أسبابه، فهم لاينحطون إليها ولا يتأثرون بها ؟
كلنا يعلم أن هذا الذي يمر بالمشاهد الجنسية المكشوفة هناك، غير عابئ بها، ولا ملفت إليها، قد تجده بعد ساعة يمارس العملية نفسها في مكان آخر. وهكذا فإن عدم الإكثرات والتأثير بمظاهر الإغراء، إنما هو نتيجة انتشار اللذة الرخيصة في كل مكان، وليس نتيجة فهم معين أو جديد لما قد تبصره عيناه. والذي يتصور تحقق الزهد في الجنس، دون أن يكون نتيجة لانتشاره وإباحته، إنما هو كمن يتصور إمكان زهد الجائع في الطعام بمجرد أن تتناثر أطباقه الشهية أمام عينيه في واجهات المحلات عن يمين الشارع ويساره .
وإلى المرأة المسلمة المعجبة بالفنانين والفنانات أهدي إليها نص الوصية التي تركتها ممثلة الإغراء العالمية (مارلين مونرو) بعد أن ودعت الحياة بأسوأ ما تودع به الحياة.
تقول في وصيتها المحفوظة في (مانهاتن بنك) في نيويورك:
“احذري المجد … احذري كل ما يخدعك بالأضواء … إني أتعس امرأة على هذه الأرض … لم أستطيع أن أكون أما … إني امرأة أفضل البيت … الحياة العائلية الشريفة على كل شيء … إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز لسعادة المرأة بل الإنسانية …
لقد ظلمني كل الناس … و إن العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد و الشهرة الزائفة … إني أنصح الفتيات بعدم العمل في السينما و التمثيل. إن نهايتهن إذا كن عاقلات كنهايتي”.

الوسوم
اظهر المزيد

د. يوسف القسطاسي

دكتوراه الدولة في الفقه والأصول بجامعة القاضي عياض المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: