خمس وسائل، تجعلكِ محافظة على صلواتِك، ومحبوبة عند ربك.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من سلك طريقه إلى يوم الدين.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[1]، المؤمنة مثل المؤمن تعيش في هذه الحياة الدنيا بين الخوف والرجاء، ترجو رحمة ربها وتخاف عذابه، وأعلى ما ترجوه المؤمنة سواء في الدنيا أو في الآخرة، هو لقاء ربها، فمن وجدت الله في حياتها الدنيا، وجدت كل شيء، ومن فاتها الله تعالى، فاتها كل شيء، ومن خرجت من الدنيا ولم تفز بلقاء الله تعالى فلا نهاية لحسرتها، قال تعالى في الحديث القدسي: (… فإن وجدتني وجدت كل شيء؛ وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ) [2].
ولا راحة للمؤمنة ولا للمؤمن إلا بلقاء ربهما، ولا يشترط أن يكون اللقاء بعد الموت، فالصلاة صلة بين الأمة وربها، فهي لقاء، ومناجاة الأمة لربها في الدعاء لقاء، وذكر الأمة ربها آناء الليل وأطراف النهار لقاء، وتفكر الأمة في خلق الله – لأن عظمة الله تتجلى في عظمة خلقه – لقاء، وتصدق الأمة من مالها الحلال، أو من مال زوجها بعد إذنه لها لقاء، وقراءة الأمة لكتاب ربها لقاء، فمن أرادت أن تكلم الله صلّت، ومن أرادت أن يكلمها الله، قرأت القرآن، والتودد إلى الناس بدءا بالوالدين والزوج والأبناء لقاء، وطلب العلم لقاء، لأن الله تعالى عالم ولا يعبد إلا بعلم، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾[3]، والأدب مع العلماء الربانيين الذين يُذكر الله برؤيتهم لقاء، وقيام الليل لقاء، فأقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: (إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَافْعَلْ )[4]، وهذه كلها أعمال صالحة، وجماع كل هذا، لقاء الصلوات الخمس المفروضة في وقتها، قال تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه: (…وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ…)، فالآية الكريمة من سورة الكهف التي تتحدث عن اللقاء، خلاصة المواعظ، وهي رسالة مختصرة لغاية وجودي و وجودك.
ولقد شاءت قدرة العلي العليم القدير الذي خلق الإنسان فسواه؛ أن يتكرم عليه بهدية الصلاة؛ والتي فرضت دون سائر أركان الإسلام الأخرى في مكان لم يصله ملك مقرب ولا رسول محبب؛ سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت بمثابة معراج روحي لكل مسلم مصلّ، يقترب فيها إلى ربه جل وعلا، فتتصل القوة الضعيفة الفانية، بالقوة المطلقة الأزلية، لتستمد منها كل العطاءات الربانية، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾[5]، وحتى تبقى هذه العطاءات الربانية مستمرة لهذا الإنسان الضعيف، والإمدادات متواصلة دون انقطاع، لم يجعل الله الصلاة مرة في الأسبوع كما عند اليهود والنصارى، أو في وقت معين من النهار، فيكون الإنسان بها قويا في فترة دون سائر فترات اليوم، بل وزعها سبحانه وتعالى – وهو العليم الخبير – على اليوم كله، قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[6]، وأكد على أدائها في وقتها؛ وإلا فقدت فاعليتها وأثرها في الإنسان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾[7]، موقوتا حتى على المجاهدين في ساحة الوغى، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾، أي حافظوا -أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها، وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر، وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين. فإن خفتم من عدو لكم فصلوا صلاة الخوف ماشين، أو راكبين، على أي هيئة تستطيعونها ولو بالإيماء، أو إلى غير جهة القبلة، لهذا كانت مسألة المحافظة على أوقات الصلاة بالغة الخطورة والأهمية؛ لأنّ عدم المحافظة على أداء الصلاة في الوقت المحدد يؤدي بالشخص إلى التقاعس واللامبالاة، ومن ثم إلى ضياع الصلاة والعياذ بالله. لهذا أغلظ سبحانه وتعالى الوعيد على المتهاونين في أداء الصلاة في وقتها فقال عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾[8]، فكيف نحافظ على الصلاة في وقتها، دون أن ننجرف وراء مشاغل الدنيا المبعَدَة والمبعِدَة عن الله؟ إنّ المحافظة على الصلاة في وقتها أمر ميسور على من يسّره الله عليه. لهذا من الضروري أن تتهمم كل أخت مسلمة لهذا الأمر الجلل، وتسأل نفسها هذا السؤال وتقول: “كيف أحافظ على صلاتي في وقتها؟ وماذا لو متّ وأنا على حالتي هذه في التسويف والتأخير والتضييع للصلاة؟ ماذا سوف أقول لله عز وجل عند لقائه يوم القيامة وقد كنت منقطعة عنه في الدنيا؟ وكيف سيكون حالي يوم القيامة يوم يقال لتارك الصلاة والمتهاون فيها بعد أن كان في الدنيا سالما معافى، وقادرا على المحافظة على الصلاة في وقتها: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾[9].
أختي الكريمة، إنه باستطاعتك الآن أن تجددي نيتك لله عز وجل في أن تعزمي على أداء صلاتك في الوقت المحدد، واعلمي جيّداً أنّه ليس هناك ما يستحق أن يؤخرك على أداء صلاتك في وقتها، مهما كان في نظرك عظيماً؛ فلن يكون أعظم من الصلاة في وقتها، وتذكري أول ما يُذكر في الأذان، “الله أكبر”، فالله أكبر من كل شيء، وتذكري أيضاً قول المؤذن: “حي على الفلاح”، فالصلاة هي الفلاح في الدنيا والآخرة، وسوف أضع الآن بين يديك بعض الخطوات و الإرشادات التي تساعدني وتساعدكِ على المحافظة على الصلاة في وقتها بحول الله سبحانه.
1 – مراقبة أوقات الصلاة: وذلك باستخدام رزنامة توضّح أوقات الصلاة، أو ساعة خاصة بذلك، أو تطبيقًا على الجوال، أو أي طريقة أخرى لتبقيْ مراقبة لأوقات الصلاة أولًا بأول.
2 – انتظار الصلاة بعد الصلاة: إن السبب الأساسي لتأخير الصلاة عن وقتها هو الغفلة عن مواعيدها، والحل المباشر لهذه المشكلة هو تعويد نفسِك على انتظار الصلوات، وهذا لا يعني بالتأكيد أن تبقيْ جالسة على السجادة بعد كل صلاة تنتظرين الصلاة التالية، بل يعني أن تبقيْ متنبهة طوال الوقت إلى الوقت المتبقي للأذان التالي، وهذه العملية مضبوطة في الجوالات في برنامج الأذان، وأن تبقيْ متيقّظة في كل لحظة إلى موقعك من اليوم، ومن أوقات الصلوات الأخرى، حتى إذا اقترب وقت الأذان كنتِ على استعداد للصلاة قبل أن يؤذن، وإن كنت مع أخواتك في أي اجتماع فلا تبدئيه إلا بعد النظر إلى الساعة، والتذكير بوقت الصلاة المقبلة حتى لا يبقى أي شاغل مهما كان حجمه يشغل عن الصلاة ولو كانت محاضرة أو درسا أو مجلس ذكر أو أي لقاء تربوي أو تنظيمي، دنيوي أو أخروي، وهكذا ينبغي أن تكون المؤمنة التي تنشد الإحسان. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهَ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «إسْبَاغُ الوُضُوءِ،[10] عَلَى المكَارِهِ[11]، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ[12]»[13]. قال أبو بكر بن العربي-رحمه الله-: (…انتظار الصلاة بعد الصلاة أراد به وجهين: أحدهما: الجلوس في المسجد، وذلك يُتصور بالعادة في ثلاث صلوات: العصر والمغرب والعشاء، وفي العبادة في أربع: في هذه وفي الصبح ولا تكون بين العتمة والصبح. الثاني: تعليق القلب بالصلاة والاهتمام لها، والتأهب لها، وذلك يتصور في الصلوات كلها) [14].
3 – الاستعداد قبل الأذان: الكثير من النساء المؤمنات إلا من رحم الله، يسمعن الأذان، ثم يدّعين أنهن يردن فقط إكمال ما بدأنه من أعمال، ثم ينسين الصلاة في وقتها، ويستمر ذلك لساعات قبل أن يتذكرن الصلاة مرة أخرى، هل هذا أمر مألوف بالنسبة لك أختي؟! إنه يتكرر كثيرًا معنا جميعًا، لذلك وجب أن نتجنّب ذلك عن طريق الاستعداد “قبل الأذان”، وبما أنك صرت تعرفين أوقات الأذان، وتنتظرين الصلاة بعد الصلاة، فأنت تعرفين متى يكون وقت الأذان القادم، فعندما يتبقى 5 دقائق – على الأقل – لهذا الأذان، اتركي كل ما في يديك، وتوضّئي، ثم افرشي سجادة الصلاة، وهيّئي نفسك للصلاة، واجلسي لتستغفري الله أو تسبحيه أو تجددي إيمانك بالإكثار من ذكر الكلمة الطيبة ” لا إله إلا الله”، أو بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لتنوري بها قلبك، أو تقرئين بعض الآيات القرآنية قبل الأذان، هذه الدقائق الخمس رغم قصرها، إلا أنها تُعدّك للصلاة، وتجبرك على أدائها في وقتها، كما أنها تساعدك على تصفية ذهنك لتكوني أكثر خشوعًا في الصلاة.
4 – التعاون على البر والتقوى: مشكلة تأخير الصلاة هي مشكلة شائعة بين الناس إلا من رحم الله، والجميع يطمح إلى تجاوزها، فتعاوني مع أخواتك في الله، أو أخواتك وإخوانك في الرحم، أو زوجك، وذكروا بعضكم بعضا بالصلوات، أو أعدّوا جدولًا للتقييم؛ وتنافسوا بينكم، وأيقظوا بعضكم بعضا لصلاة الفجر، وابتكروا طرقًا خاصة بكم لتتحدّوا بها هذه المشكلة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[15].
5 – طلب العون من الله بالدعاء: مهما بذلتِ من الجهود للمحافظة على الصلاة في وقتها، فتذكري أنه لا حول ولا قوة إلا بالهي، وأن هذا توفيق من الله، يوفّق لهُ من يُخلصُ نيّته ويُحسن التوجّه إليه، فاسألي الله دائمًا بأن يعينك على أداء الصلوات في أوقاتها، وأن يقبلها منك. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الهوامش
[1]سورة الكهف، الآية 110. [2] مجموع فتاوى ابن تيمية 8/52. ابن القيم، الجواب الكافي 1/140، وابن كثير في آخر تفسيره لسورة الذاريات، تفسير ابن كثير 5/696. [3] سورة محمد، من الآية 19. [4] رواه الترمذي وصححه. [5]سورة العلق، من الآية 19. [6] سورة الملك، الآية 14. [7]سورة النساء، الآية 103. [8]سورة الماعون، الآيتان 4- 5. [9] سورة القلم، الآيتان 42-43. [10] إسباغ الوضوء: إتمامه وإكماله , باستيعاب المحل بالغسل، وتكرار الغسل ثلاثا. تحفة الأحوذي (ج1ص 61). [11]على المكاره: تكون بشدة البرد، وألم الجسم، ونحو ذلك. النووي (1/ 406). [12]الرباط: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، وقوله: ” فذلكم الرباط ” أي أنه أفضل الرباط، كما قيل: الجهاد جهاد النفس. (النووي – ج 1 / ص 406). [13] أخرجه مسلم. [14] عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي1/68. [15]سورة المائدة، الآية 2.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: