منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صندوق الزكاة بالمغرب؛ ضوابطه وآليــات تفعـيله

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

مقــدمـة:

عاد الحديث عن “صندوق الزكاة بالمغرب” إلى الواجهة، مرة أخرى، وبدأ النقاش حوله، لكننا نلاحظ أن بعض الشخصيات يتحدث عن الزكاة وكأنها تطور وتبرع ، كأن يقول أحدهم: “ونحن نعرف إلى أن هذه الأموال تتجه لدعم الفقراء والمحتاجين، ولتكريس قيم التآزر والضامن”. أو يقول آخر: “نغتنم فرصة شهر رمضان المبارك، ونضخ فيها الزكاة”.

إن الزكاة فرض، وركن من أركان الإسلام، يدفعها المسلم بنية التعبد، وهي ليست مجرد إحسان، بل هي عبادة نتقرب بها إلى الله تعالى، وفي الوقت نفسه أكد علماؤنا وخبراء الاقتصاد أن لها مقاصد تربوية واجتماعية واقتصادية، ومنها تحقيق التضامن والتكافل الاجتماعي، الإنساني، ومساهمة الميسورين في تحقيق الكفاية والعدل، الذي يعتبر سمة المجتمع المسلم وأساس استقراره. وتنظيم اقتصادي واجتماعي يمكن أن تشرف عليه الدولة.

وقد أُسس أول بيت لمال المسلمين ومال الزكاة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان يقع على عاتق أمير كلّ منطقة وإقليم. ومع بدء الفتوح الإسلامية واتساع رقعة الدولة حرص الخلفاء الراشدون على توزيع أموال الزكاة وأموال المسلمين بعدل، وأسس سيدنا عمر رضي الله عنه ديوانا خاصا بذلك، وفصل الديوان المالي عن الديوان السياسي[1]، كما كانوا دائمي الحرص على إنفاق مال الزكاة على من تجب عليهم الزكاة حتى نفاذه لمنع فتنته على العاملين فيه والقائمين عليه.

المزيد من المشاركات
1 من 5

وللإشارة فقد مرت في بلدنا مبادرات لتأسيس صندوق الزكاة، وكلها لم تُـفعّل؛

الأولى سنة 1980، وتوجت بإدراج حساب خصوصي للزكاة في ميزانية الدولة،

والثانية كانت سنة 1998، وأنجز دليل لجباية الزكاة بين وزارة المالية ووزارة الأوقاف.

أما الثالثة فكانت سنة 2004، ولم تخرج إلى حيز الوجود لأنها تزامنت مع إنشاء المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

أولا: أهمية صندوق الزكاة؛

بحسب التجارب التي سبقت في تنظيم مؤسسات الزكاة، تبين أهميتها وآثارها الإيجابية على الفرد والمجتمع والدولة، ومن ذلك:

* يمكننا من تعبئة أموال الزكاة في مختلف المجالات الاجتماعية الاقتصادية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 15

* استفادة فئة من المستحقين الذين لهم مؤهلات علمية وتتوفر فيهم الشروط، كالطلبة والباحثين المستحقين لها.

* استفادة فئة المستحقين الذين نخشى أن يخرجوا من الدورة الاقتصادية وهم المدينون أو المستثمرون، والذين أفلسوا أو مهددون بالإفلاس.

* يمكن أن نشجع الناس على إعطاء الزكاة خاصة الشركات بنوع من الإعفاءات الجبائية، التي تراعي إعطاءهم للزكاة.

* التخفيف من الضغط الجنائي الذي تتخوف منه الإدارات الجبائية.

* تنظيم الزكاة من جديد، ومحاولة توظيفها لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، والنفسية المعاصرة، وتحفيز التفاعل الوجداني بين أفراد المجتمع، كما يقول الدكتور القرضاوي عن الزكاة: (وهي نظام خُلُقي؛ لأنها تهدف إلى تطهير نفوس الأغنياء من دنس الشح المهلك، ورجس الأنانية الممقوتة، وتزكيتها بالبذل وحب الخير، والمشاركة الوجدانية والعملية للآخرين. كما تعمل على إطفاء نار الحسد في قلوب المحرومين الذين يمدون أعينهم إلى ما متع الله به غيرهم من زهرة الحياة الدنيا. وإشاعة المحبة والإخاء بين الناس)[2].

ثانيا: ضوابط وأسس صندوق الزكاة:

عند إنشاء صندوق الزكاة نحتاج إلى ضوابط وأسس تقنية وتدبيرية ومالية-اقتصادية، لضمان استمراره وجودة خدماته، ومن هذه الضوابط:

* التقيد بالنصوص الشرعية، وتوجيهات فقهائنا من خلال القواعد الفقهية الضابطة لجمع الزكاة وما يخص الفئات المستفيدة من فريضة الزكاة. من أجل انتظام الجمع والتحصيل، وفقا لما حدده القرآن الكريم لطرق تحصيل الزكاة وإنفاقها على المستحقين لها.

* ينبغي أن تكون مصارف الزكاة مخصصة لمصارفها المعينة، وعموما تُصرف الزكاة على المستحقين، مع ضبطهم، وتتفاوت درجة الاستحقاق حسب عجز الفرد أو العائلة مادياً، والشرائح المحتاجة عادة هم ذوو الدخل المحدود، والمرضى، وطلبة المدارس، والأيتام والمطلقات والأرامل.

* إسناد صندوق الزكاة إلى هيئة مستقلة تتوفر في عناصر إدارتها الصدق، والأمانة، والاستقامة، وخوف الله تعالى، في الحفاظ على أموال الزكاة، ورعاية حقوق المستحقين لها.

* أن تكون له هيئة إدارية أو مجلس إداري مكون من القطاعات التي يمكن أن تكون مفيدة، مثل المالية والشؤون الاجتماعية والعلماء والخبراء المؤهلين لمثل هذا العمل، كما لا بد أن تكون ذات مصداقية وشفافية لأنها مؤسسة مالية وتعبدية.

* يسند الإشراف العام والرقابة الصارمة إلى الدولة، حفاظا على أموال الزكاة من كل تلاعب أو اختلاس، وترتب أقصى العقوبات والزواجر لمن يخالف أو يخون الثقة.

* أن تكون ميزانية صندوق الزكاة مستقلة عن الميزانية العامة، لارتباط هذه الأخيرة بمشاريع ومصارف مختلفة متعددة، تحقيقا للنزاهة والشفافية والاستقلالية.

* الحرص على إتاحة المعلومات والبيانات الخاصة بالأنشطة والبرامج والمشاريع بوضوح لجميع الإدارات التابعة للصندوق، أو تلك التي لها علاقة تقنية أو مالية.

ثالثا: فاعلية صندوق الزكاة؛

من المؤشرات الإيجابية على فاعلية مؤسسات الزكاة عموما، وصندوق الزكاة بشكل خاص نسجل؛ حسن تنظيم مؤسسة الزكاة، وإقبال الناس على تطبيق هذه الفريضة وأدائها بكل أريحية، وطمأنينة المزكين على خدمات صندوق الزكاة، ومن أجل ضبطه أكثر، أقترح ما يلي:

* إعداد قاعدة بيانات للفقراء والمحتاجين على مختلف مستوياتهم، على أن تكون مبنية على أسس علمية صحيحة.

* النزول إلى الميدان لتحديد أعداد المحتاجين وظروفهم, والآليات التي يمكن بها أن تحل مشاكلهم.

* الأفضل أن تستفيد لجنة صياغة قانون صندوق الزكاة في المغرب من نظم وقوانين مؤسسات الزكاة إسلامية معاصرة، وتطلع على تجربتها.

* إذا كان الخبراء والعلماء يؤكدون على حرص المواطن على أداء الزكاة باعتبارها فريضة، وتسليمها إلى مؤسسة الزكاة، فإنه ينبغي للحكومة من جانبها أن تخصم قيمة الأموال التي تدفع للزكاة من مجموع الضرائب السنوية المترتبة على الأفراد والمؤسسات الذين قاموا بأداء زكاة أموالهم. وهذا الإجراء يُـشجيع على دفع الزكاة.

* دورات تدريبية مكثفة؛ في الجوانب التقنية والمالية والإدارية من أجل الإحاطة بالقوانين والتشريعات وفهمها وتطبيقها بشكل السليم. وترسيخ فاعلية الزكاة ودورها في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

* إنجاز بحوث مستمرة حول الزكاة، من أجل زيادة الوعي بأهميتها وقيمتها، فضلاً عن التعريف بخدمات صندوق الزكاة، مع البحث الجاد في علاقة مبلغ الزكاة مع الضريبة على الدخل العام.

* الاستفادة من تجارب الدول الإسلامية في مجال الإدارة والتطبيق، حتى نتفادى السلبيات والأخطاء.

* إنجاز مشاريع صغرى ومتوسطة لاستثمار أموال الزكاة خصوصا في سهم “في سبيل الله”. ثم إعداد مشاريع استثمارية كبرى.

رابعا: عقبات تأسيس صندوق الزكاة؛

لكل عمل جديد عقبات وتحديات يمكن أن تعترضه سواء أثناء التأسيس أو عند الإنجاز، ينبغي أن توضع في الحسبان، لكن مع التفكير الجاد والإخلاص في العمل، ومع تراكم التجربة، فإننا نستطيع تجاوزها بإذن الله تعالى، ومن هذه العقبات:

– عدم استيعاب فاعلية الزكاة ودورها في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

– يخشى عدد من المواطنين أن تفقد هذه العبادة بعدها الديني التعبدي إذا أصبحت تدار على أنها مشاريع استثمارية.

– تخوف بعض المواطنين من إدخال هذه الأموال في مشاريع اقتصادية لا تخلو من المخاطرة.

– كثير من الناس يخلطون بين الزكاة والضريبة.

– عدم الإحاطة بالقوانين والتشريعات وفهمها وتطبيقها التطبيق السليم.

– وفقا لخبراء في الاقتصاد الإسلامي فإن أهم التحديات التي تقف في وجه تطوير عملية استثمار أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية، يعود إلى أن الزكاة لا تزال في وعي المسلمين ضمن مفهومها التعبدي الديني الصرف، ولم تتجاوز ذلك إلى بعدها الاقتصادي.

ونلاحظ أنه رغم التجربة الرائدة لماليزيا في جمع الزكاة وإنشاء مؤسسات خاصة بها، فإنه عددا من المواطنين يفضلون دفها بأنفسهم، يقول مستشار المصارف الإسلامية الدكتور محمد فؤاد عبد الله يوه: (إن البيانات المعلن عنها لدى صناديق جمع الزكاة في الولايات الفدرالية أو بيت المال في الولايات الأخرى لا تعبر عن الحجم الحقيقي لعائدات الزكاة في البلاد، حيث يحرص كثير من المواطنين على أداء هذه العبادة بالشكل التقليدي لمستحقيها الثمانية الذين حددتهم الشريعة الإسلامية)[3].

خامسا: تجارب ناجحة في إنشاء وتسيير مؤسسات الزكاة؛

إن عددا من الدول العربية والإسلامية تنظم الزكاة جمعا وتوزيعا، عبر مؤسسات، وتضبط طرق تصريفها، وشروط مستحقيها اعتمادا على ما ورد في الكتاب والسنة، ومن هذه المؤسسات على سبيل المثال لا الحصر:

– صندوق الزكاة القطري.

– صندوق الزكاة في الأردن.

– بيت الزكاة الكويتي.

– مصلحة تنظيم فريضة الزكاة في السعودية.

– نظام تدبير الزكاة في ماليزيا.

وبالنسبة لتجربة ماليزيا في تنظيم الزكاة؛ وحسب بيانات صندوق الزكاة بماليزيا فقد بلغت عائدات أموال الزكاة في الولايات الفدرالية الثلاث سبة 2011 نحو 112 مليون دولار. كما سجلت أعداد دافعي الزكاة سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات ارتفاعا ملحوظا، حيث بلغ عددهم عام 2011 أكثر من مائة ألف بينهم 1571 شركة. وحسب تقرير بيت الزكاة في ولاية سيلانجور لسنة 2015م، وصل إجمالي جباية بيت الزكاة في سيلانجور في عام 2015م أربعة مليار رنجيت، من المشاريع التنموية في بيت الزكاة، ومنها؛ بيت المودة لرعاية المسنين وبيت الحسنة لرعاية الأطفال، إضافة إلى برامج لتطوير الطالب وبناء وحدات سكنية للفقراء وإعمال سهم في الرقاب وإعمال سهم المؤلفة قلوبهم.

لذلك ينبغي أن نستفيد من التجارب السابقة في هذا الباب لا سيما بيت الزكاة في سيلانجور الذي نجح في تحقيق التنمية ومواجهة الفقر في ولاية سيلانجور. والوقوف على مساهمات هذه التجربة في تحقيق التنمية المجتمعية، ومحاربة الفقر، مع تسليط الضوء على أبرز إيجابياتها، وبعض النقاط التي ستسهم في تطوير هذه البيوت،

خــاتمـة:

كان للزكاة أثر فعّال –ولا يزال- في التخفيف من مظاهر الفقر والهشاشة في المجتمعات الإسلاميّة عبر التاريخ، وذلك في الفترات التي طبّقت فيها الزكاة، وتمّ إعطاؤها لمستحقيها. وفي عصرنا نجد أنّ عددا من البلدان الإسلاميّة لها اهتمام بالغ بالزكاة، فأحدثوا مؤسسات وبيوت تقوم على الزكاة جمعا وأداء وتنظيما لوجود حاجة إلى ذلك.

ومع أهمية إنشاء صندوق الزكاة فإنه ينبغي احترام ضوابطه وتفعيل خدماته، لأنه يسهم في تحقيق فاعلية الزكاة وأداء دورها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولأنه ليس مجرد صندوق احتياطي يوظف في الأزمات والجوائح، ولكنه تطبيق عملي لركن من أركان الإسلام، وقربة من أعظم القربات. فوجب أن يُـفعّـل هذا الصندوق “سواء في حالة الشدة أو الرخاء”، وإن كان في حال الشدة تكون الحاجة أكثر، فهناك دراسات قامت بها مؤسسات ذات خبرة في هذا المجال، منها “البنك الإسلامي للتنمية”، مما جاء فيها: “إذا طبقت الزكاة بشكل علمي يمكنها أن تعطينا ما بين 3 إلى 6 في المائة من مجموع الإنتاج الداخلي الإجمالي”.

ويبقى العامل الأساس لتفعيل صندوق الزكاة بالمغرب هو وجود “إرادة سياسية حقيقية”، لتـأسيس هذا الصندوق، وحسن تنظيمه، وجودة تدبيره. ويكمن أن نترك للمكلفين نوعا من الاختيار بإعطاء نسبة معينة للصندوق ونسبة أخرى يتشرفون بتوزيعها بأنفسهم.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – ينظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، (المكتبة الإسلامية-بيروت) ج: 3 / ص: 211-213.

[2] – يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، (مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة، 1422هـ- 2001م).

ج: 2/ص: 633

[3] – تصريح لموقع الجزيرة نت، بتاريخ 21/05/2012.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.