منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ماذا لو عاشوا … (قصة قصيرة)

ماذا لو عاشوا ... (قصة قصيرة)/ محمد بوعنونو         

0

ماذا لو عاشوا … (قصة قصيرة)

بقلم: محمد بوعنونو

دوى صوت الرعد بقوة، واجتمعت الغيوم من هنا وهناك، وأرخت السماء بعزاليها على الأرض، وآوى كل واحد إلى خيمته، وحدها الأم الحنون بقيت ترقب وتنتظر ابنها أن يعود بقطيع الماشية من الجبل.

بعد مدة لم تدرك الأم أكانت قصيرة أم طويلة، بدا لها من بعيد كعصفور بين الأجراف، بلل المطر جناحيه فلم يقو على التحليق، تسبقه أغنام هزيلة تقطع بثغائها صوت المطر وهو يداعب الحجر والمدر.

تهلل وجهها وتنفست الصعداء، ثم سارعت إلى إدخال الماشية الإصطبل، لتعود مجددا إلى الخيمة المهترئة قصد إعداد الطعام، وما هي إلا لحظات حتى اجتمعت الأسرة حول نار هادئة، عيها قدر أسود متآكل ينفث بخارا، تكتنفه ألسنة اللهب الصفراء ذات اليمين وذات الشمال، فترسم بذلك لوحة بانورامية ترتاح لها الأعين وتنساب لها الأنفس وتهفو إليها الأرواح.

اجتمعت الأسرة حول ذلك القدر الأسود، واستمتعوا بما فيه من حساء لذيذ، حساء ممزوج بالحب والحنان والمودة والعطف، حتى إذا نالوا وطرهم منه، توجه كل واحد منهم إلى مرقده، فأما الأب والأم والطفل الرضيع فمكثوا في الخيمة، في حين توجه الإخوة الثلاثة إلى بيت مهترئ جوار الخيمة، ثم أطفئت الأسرجة، وغط الجميع في نوم عميق مستمتعين بصوت المطر ومعزوفة الرياح.

لم تتوقف الأمطار تلك الليلة، واسترسلت استرسالا عجيبا، كان الرعد يقطع أحيانا صوت المطر وهو يداعب جنبات الخيمة ويعزف عليها سمفونية غريبة الألحان، رقيقة الأنغام، تجعل سامعها في سبات عميق.

فجأة سمع صوت غريب، لا هو بصوت الرعد ولا الرياح ولا المطر، أطرقت الأم قليلا وهي تحاول تفسير هذا الصوت الغريب، وانتهت بإيقاظ الزوج لاستكشاف الأمر، خرج متثاقلا والأم تتبعه بخطى ثابتة محسوبة، خطوتين مسرعتين، ثم ثالثة أقل سرعة من الأوليين، هناك كشف المصباح ذو الضوء الخافت سقوط البيت المهترئ الذي كان يأوي الأطفال الثالثة!

سقط المصباح من يمين الأب جراء هول المنظر، وأرسلت الأم صرخة قوية، تبعتها صرخات متتالية أقل قوة من الأولى، فما زالت حدة صوتها تتناقص شيئا فشيئا حتى تحول الصراخ إلى فحيح مبحوح لتفقد على إثره الوعي تماما، أما الأب فقد ظل للحظات يخمش بأظافره الحطام،

ويرفع بساعده ما يستطيع من حجر ووحل، لكن ماذا يصنع رجل واحد أمام بيت منهار وظلام دامس ومطر مسترسل؟

في الصباح سارع سكان القرية لمكان الحادث، وانتشلت الجثث الثلاث، أطفال في عمر الزهور وضعوا جميعا قدمهم في عالم الآخرة، بعدما كانوا بالأمس فقط ورودا تشرأب بأعنقاها إلى الحياة.

تلقت الأم التعازي وهي في صدمة، لا تتكلم ولا تصرخ ولا تنتحب، فقط ترسل دموعا حرّى لا يتبعها زفير ولا شهيق، وتظاهر الأب بالصبر والسلوان في بداية الأمر، لكنه أرسل دموعه في نهاية المطاف.

كان أحد الصحافيين المرافقين للسلطة المحلية كلما أراد توثيق صور الجثث الثلاث، تغلبه العبارات، فيترك آلة التصوير ويكفكف دمعه، فلما تكرر معه الأمر أكثر من مرة، التقط الصور ودموعه تسيل على خده في صمت رهيب.

تفرقت الجموع، وانقضى فاصل العزاء، ونسي الناس الحادثة أو تناسوها، وحدها الأم لم تنس أبدا أطفالها الثلاث، وبقيت لأكثر من خمسين سنة تردد عبارة واحدة: ماذا لو عاش أطفالي إلى اليوم؟

ثم تسرد الحكاية على كل من يزورها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.