منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب: نحو عمران جديد

عماد الدين محمد عويس عشماوي

0

قراءة في كتاب” نحو عمران جديد”

المؤلف: هبة رؤوف عزت

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث

الطبعة الأولى: 2015

عدد الصفحات: 254

مراجعة: عماد الدين محمد عويس عشماوي

باحث ماجستير

 

 

 

لا يجادل عربي مسلم، أن أمتنا مازال أمامها الكثير لتخرج من إسار التراجع الحضاري الذي يلف جوانب حياتها، ولا نحتاج جهداً كبيراً لنقنعه أن هذا الأمر مرهون بتضافر كل الجهود، وأن تحزم الأمة-ممثلة في نخبها الحقيقية ومؤسساتها المختلفة- أمرها، وتنفض عنها غبار الشواغل المزيفة التي أخرتها، ولتنشغل بدواعي العمران، مقدمة المال والوقت والفكر والجهد، حتى تحقق التجديد المنشود لواقع الأمة.

تقوم الدكتورة هبة رؤوف عزت، في كتابها الذي بين أيدينا، عبر مقدمة وفصلين، بطرح هام للغاية في عمق أزمتنا، وتقترح معالم خريطة للخروج منها، من خلال رسم خرائط قضايا الأمة، وإعادة ترسيم حدود المفاهيم اللازمة للنهضة، والمساهمة في وضع بعض الملفات الشائكة المعطلة لفعلها على طاولة البحث، من أجل تجديد تصوراتنا عنها.(ص24).وذلك من خلال تلمس معالم عمران إسلامي جديد، من خلال بيان العوائق التي تقف في سبيل هذا العمران من ناحية، والخطوات المطلوبة لهذا البناء الجديد من ناحية اخرى، وفق مرجعية معرفية تعتمد على التحليل وقراءة الواقع، وتستند إلى فلسفة النظرية السياسية في تطوراتها، وفهم للوحي ينطلق من مقاصده.

وفي قراءتنا للكتاب سنقوم بتقسيم القراءة إلى ثلاثة أقسام. يتناول الأول معوقات بناء عمران إسلامي عربي. وفي القسم الثاني نتناول معالم خطة بناء العمران الجديد، وفي القسم الثالث نوضح أهم أفكار الكتاب وأهميته في لحظتنا الراهنة باعتباره أحد محاولات الخطاب الإسلامي الجديد في تشخيص مشاكل الأمة واقتراح الحلول لمعالجتها.

أولاً: في عوائق بناء عمران جديد

1- فقر ترسانتنا الفكرية

تعتبر المؤلفة، أن افتقاد التكوين المنهجي والمعرفي للأجيال العربية المسلمة، قد تسبب في “مآلات ليست محمودة على كل المستويات: المجتمعية والفكرية وصولاً إلى المستوى السياسي؛ نظراً لما تشكله الكلمة والفكرة من أثر في الفعل والحركة ومنهج العمل، ولأن هذا التكوين يعد الرافعة الرئيسة والمؤسسة للفعل والعقل الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن الخطاب الفقهي والشرعي الممتد والمتصل بالروافد الاجتماعية والسياسية”(ص11).

فالفقر في الترسانة الفكرية”القادرة على إنتاج الأفكار الكبرى”، جعل الأمة تظل في دائرة رد الفعل لا تستطيع الخروج منها. (ص21)

2-عقل مكبل:

وكان من الطبيعي، أن ينتج عن نقص هذه الترسانة الفكرية، عقل مكبل، لا يمكنه الإبداع والتجديد، ومن ثم تشييد حضارة وبناء عمران وتحقيق شهود، فقد كبلته قيود ثلاثة حالت بينه وبين مواجهة التحديات الراهنة الوطنية والدولية العالمية، تتمثل في:

  • انحسار معارف هذا العقل عن مساحات العلوم الاجتماعية، واقتصاره على ما سمي”العلوم الشرعية”.
  • انحسار سلطة هذا العقل عن تغيير الواقع، بما أفقده الدافعية إلى التجديد.
  • اعتزال هذا العقل الشرعي، مساحات الهموم العامة، وانغلاقه على الهموم الفردية للناس واليومي من مشكلاتهم، بما أحدث خللاً في خريطة الاجتهاد. (ص144-147).

3- الإعراض عن فهم التاريخ وتحولات الاجتماع:

فالإعراض عن سنن الله الاجتماعية، والتغافل عن دروس التاريخ، والتغيرات التي تعج بها مجتمعاتنا على جميع المستويات، ناهيك عن الخروج من التاريخ المتمثل في الذهول عما يجري في العالم من حولنا، جعل الأمة تضرب في تيه طويل، منعها من التقدم إلى الأمام، فالعجز عن”فهم مدارات التاريخ وتحولات الاجتماع”، ينتج خيبات مستمرة. كما أن “الإعراض عن المنهج واتباع الهوى، واستمرار التفكير في النهضة من منطلق: السياسي/الدولة/المؤسسي، بدلاً عن مبدئية: العمراني/الإنساني/النفسي”، يصعب من عملية فهم مفاتيح التغيير ومناط التحولات التي شهدناها ونشهدها في مجتمعاتنا العربية الراهنة” (ص60-61)

ف”قضايا النهضة، لم تعد شؤوناً فكرية تخضع للفقه الحضاري والنظر الفلسفي في العلاقة بين الإسلام والغرب، وملفات التغريب والاستقلال الحضاري، بل صار الأمر يحتاج من العقل المسلم والعقل العربي إلى شحذ أدوات فقه الأولويات ونظرية المصلحة، والنظر إلى خريطة العالم بشكل مركب وإلى خيارات النهضة بشكل قطاعي. (ص 105)

4- التراث..غياب بصمة الوحي

تعد مناهج تعاملنا مع التراث، جزء من أزمة تخلفنا الراهن، والتي لم تجد لها حلاً على مدار القرنين الماضيين، يجعل الأمة تستفيد من هذا التراث دون أن تقيم فيه، أو تنحيه تماماً. وتؤكد المؤلفة، أنه على الرغم من أن:

“التراث الإسلامي، يتميز بتوافر بعدي التنظير المعرفي والتطبيق العملي في حركة الحياة،كما أن رؤية العلوم الإسلامية تجسد-في ظاهرها ومضمونها-، رؤية توحيدية خالصة..نظراً لما تحمله بداخلها، من رؤية وفلسفة للاجتماع وسننه..فهي علوم لصناعة السياسة لا ممارستها فحسب، ولتكوين حضارة لا لمواكبتها فقط (ص7-9 ).

 كما أن هذه الخريطة في: تأسيسها ونشأتها وتطورها، كانت”خريطة متحركة تتكون بتكون الواقع، وتنضج بمعرفة تضاريسه وبزوع أنموذجه، وتعكس الرؤية الإسلامية في تحقيق المصالح ودرء المفاسد وتنزيل المقاصد وإقامة العمران.

إلا أن تكلس الرؤية وجمود التفكير وغياب بصمة الوحي مع مرور الزمن، وتراجع الاجتهاد جعل التراث عائقاً لا معيناً لبناء العمران.

5- حركة إسلامية ببنية حداثية:

تعتقد المؤلفة، أن كتابات الإسلاميين من أول القرن الماضي لأخره، تدلنا على نتيجة مفادها” غياب الخيال الاجتماعي والسياسي والفلسفي-النظري من تصوراتهم عن”السياسة”، وهيمنة الفقه الشرعي التاريخي والقانون، وتكريس مركزية الدولة، وتشكل حول ذلك خطاب شرعي وفكري يدعم هذا التصور” (ص158)

وتؤكد المؤلفة، أن”معظم”التنظيمات الإسلامية”، هي بنية حداثية بامتياز (ص189-190). وكثير من خطاب الإسلاميين، هو في جوهره: ليبرالي متسربل بالديباجة الدينية، ويسعى للأسلمة بتنقية الهياكل من ظواهرها الرأسمالية من دون نقض لها، وإعادة تأسيس هياكل اقتصادية وسياسية وإدارية متأسسة على بنيان الإسلام وفلسفته في العمران التي تقوم على العدل وشراكة الناس في مقومات الحياة (ص128).

 كما أن”الأفكار الحاكمة للجدل الراهن في تصور الإسلاميين حول العلمانية أنها: تعني إنكار الوحي وتحكيم العقل المحض والتخلي عن الحاكمية الإلهية- وأن العلمانية هي مرادف إفقاد الدين قوته ومن ثم إخضاعه للدولة-وأن العلمانية وفصل الإسلام عن السياسة جدل أنشأه الاستعمار لإضعاف الأمة منذ بداية القرن العشرين-وأن العلمانية هدفها تكريس الفردية وغايتها نسبية الأخلاق، وهو ما يناقض القيم الإسلامية (ص129-133)، هي كلها أمور ليست مسلمة لهم على الإطلاق.

بين دارين وعولمة ضارية

 كما تؤكد المؤلفة، أن فهم كثيرين من الإسلاميين للعالم ورؤيته له، والمتمثل في: مفهوم الدارين والمعسكرين، أو دار العهد وأمة الدعوة وأمة الإجابة، يعد بعداً آخر من أزمة الأمة، وسبباً من أسباب تعطل عمرانها، مؤكدة أنه”لا يسعفنا في ظل عولمة تفشت فيها الجاهلية في دور المسلمين، واختلط الصالح بالسيء في الممارسة الاجتماعية والسياسية والشخصية. (ص240)

6- الصراع الصفري بين الدولة والإسلاميين

تؤكد المؤلفة، أن من أهم عوامل أفول عمراننا، هو تلك الحرب الضروس بين الدولة ومعارضتها الإسلامية، وصراعهما المستمر طوال قرن كامل، مما أدى إلى تغييب ملف التمدن وأسس النهضة (ص19). وحتى عندما قامت بعض الجماعات المسلحة بمراجعات فكرية، جاءت كتاباتها تعكس “رؤية وعقلية نصوصية تدور في فلك الشروح على المتون، من دون إحاطة بتغير خريطة العالم والقضايا والتحديات حتى في العقود القليلة الماضية” (ص20). وكذلك الدولة تعاني من نفس ما يعاني منها الإسلاميون، فهي لم تكلف نفسها عناء “مراجعات تصورها لدورها وعلاقتها بالقوى المجتمعية والسياسية وأجندة القضايا التي تقدمها كموضوع للتنازع” (ص19).

7-الأمة..مفهوم مظلوم

تناولت المؤلفة، في سياق مناقشتها لأسباب فشلنا في بناء عمران جديد، مفهوم الأمة المظلوم، مؤكدة أن”التنازع الجاري الآن في العالم يدور بدرجة كبيرة حول مفهوم الأمة وتعريفه، وتنازع مفاهيم متنوعة للأمة يقدم كل منها مشروعه الفلسفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي..بما في ذلك العولمة التي تقدم رؤيتها ل”ما هو متجاوز للأمم” بشعارات الكونية، وهيمنة السوق والاستهلاكية والاستعمار الجديد.. (ص40).

في حين، تنازعت المفهوم لدينا رؤية قومية عربية ورؤية وطنية حداثية قطرية وثالثة إسلامية تتمسك بالجوهر الديني للمفهوم وتسعى لاحتواء الرؤية القطرية والقومية، مما أدى إلى غياب المفهوم عن الفكر والواقع كما ينبغي أن يكون.

وعلى الرغم، من أن”الأمة في الإسلام تأتي قبل الدولة”، إلا أن معظم علماء الإسلام لم يستطيعوا بسط دلالات المفهوم القرآني للأمة بما يتجاوز رابطة العقيدة لمستويات أكثر تنوعاً وتداخلاً، وإن استطاع بعضهم الاستعانة بمفهوم اجتماعي في شرحه كالفارابي في مدينته الفاضلة، أو بمفهوم تاريخي كالمسعودي في التنبيه والإشراف، لكن ذلك لا يقترب من أية مساهمة فعالة على مستوى المفهوم السياسي المعاصر لمصطلح الأمة كما ورد في الموسوعات السياسية الغربية الحديثة. (ص125-127)

 وأوضحت المؤلفة، أنه على الرغم من قبول”القوميون المكون الإسلامي، وقبول الإسلاميون العروبة والوطنية باعتبارها من مكونات الهوية وتعريف الذات، وإدراك دعاة الوطنية أن الوطنية مفهوم معقد لا يمكن اختزاله تحت سقف المواطنة القانوني، وتوافقات نخب هذه التيارات على تلك الرؤية” إلا أن القواعد ظلت (وبخاصة الشبابية) بعيدة عنها، حيث سعى كل تنظيم وحزب للحفاظ على تماسك كوادره حول منظومته الخاصة حتى وإن أدرك الحاجة إلى مد الجسور مع التيارات الأخرى لظروف السياسة ص(40-41).

وأشارت أخيراً، إلى أن هناك محاولات من المدرسة الحديثة لدراسة العلوم السياسية من رؤية معرفية إسلامية، لبلورة مفهوم معاصر ومركب يجمع بين التراث والمستجدات التي طرأت على وضع الأمة الإسلامية في القرن العشرين، لكنها لم تنضج تماما بعد (ص 119-120)

8-الدولة والدين

موضوع الدين والدولة، كان محوراً رئيسيا في عملية الصراع الصفري داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية طوال القرن الماضي، استنفد غالب طاقات أمتنا وصرفها عن البناء العمراني، وهو الأمر الذي دعا المؤلفة لعده سبباً رئيسياً لتخلف عمراننا وتبدده، مؤكدة أن “الإشكال النظري والعملي في التعامل مع فكرة علاقة الدين بالدولة، بحاجة إلى إعادة تأسيس وتخصص دقيق واجتهاد جماعي ومراجعة شاملة وتحديث للقضايا ومناقشة للتفاصيل وتمييز للمستويات، ودراسة عميقة للتجارب والخبرات والخروج من أسر التعميمات” (ص159).

الحداثة والعلمانية والدولة:

تؤكد المؤلفة وتلح، في معظم كتاباتها ومن ضمنها هذا الكتاب، على فكرة محورية غائبة عن نقاش معظم الإسلاميين كان لها دورها السلبي في تأخر نهضتنا، تتمثل في أن: الواقع الحالي ليس واقعاً إسلامياً، بل هو واقع حداثي واستبدادي في آن واحد، أخذ مقومات الحداثة الفكرية والمدينية والصناعية والفردية وعملت ديناميكياته عملها عبر عقود في تقويض النظام الاقتصادي والاجتماعي والقيمي الإسلامي ومصادرة أفقه الشوري.

كما تشدد، على أن التعامل السائد مع فكرة العلمانية الذي يتراوح بين ثلاثة فرقاء: الأول يرى العلمانية تهديدا للإسلام ومصادرة لما بقى منه في المجال العام في ظل نظم قطرية علمانية باطشة. الثاني يرى العلمانية الحل لتحديث الدول الإسلامية بتقديم إسلام ليبرالي. الثالث يرى الحل هو المفاصلة الكاملة مع هذه الأنظمة لكنه لا يقدم بديلا وكيفية الانتقال، ليس هو المدخل الصحيح لمعالجة هذه القضية ص134

فالعلمانية، ليست فصل الدين عن الدولة، بل هي في الأساس قضية عقلية-مفاهيمية مرتبطة بالتصورات الذهنية الفكرية والمناخ العلمي والثقافي في الغرب،وهي التي أدت إلى”بلورة الأطروحات الليبرالية بشأن الفرد والدولة وقيم الحرية، وبلورة مفاهيم الحقوق والمواطنة..كما أن اقتران العقلانية بالعلمانية والليبرالية بنظريات التحديث أدى إلى التوجه نحو الضبط للمفاهيم تأسيساً على الواقع ص226-227

وتؤكد المؤلفة، أنه على الرغم من سقوط العلمانية الحداثية، كأسطورة كبرى من أساطير الحداثة-كما تقول المؤلفة-، لكن آلة الدولة التي تركها الاحتلال في بلادنا لازالت باقية تسبب تخلفنا.

 الدولة وأسطورة التحكم الكامل

تشير المؤلفة، إلى أن”فكرة التنظيم المؤسسي صعدت مع: الحداثة، ونشأة الدولة، وتأسيس الجيوش، وتحويل الوظائف إلى الآلة البيروقراطية، وتحرير الدولة من المسئولية أمام الجماعة، واعلانها احتكار القوة وحيازة الرشد حيازة كاملة، لتتوارى الذات الفاعلة الفردية-الجماعية وراء ركام المؤسسات المتخصصة ولا يسمح لها بتجاوز المساحات ولا الحركة خارج الدور المرسوم الذي يحدده القانون واللائحة والقواعد.

فالدولة القومية الحديثة، هي”الثقب الأسود للحداثة”، والتي جاءت “صورة” الدولة الإسلامية-للأسف-، على مثالها من حيث البطش والاختراق لكل المساحات والهيمنة على الافراد والاحتكار للرشد ومصادرة قوة المجتمع وقدرات الفرد في أذهان المنتمين إلى الصحوة الإسلامية” ” (ص185-189)

حتى” صار التفكير ب”منطق الدولة” هو الأصل، فالدولة لم تهيمن فقط على المساحات لتأمين السوق بالأساس، بل هيمنت على تصوراتنا عن السياسة فأضحت منهاجية للتفكير، لذلك برزت فكرة “الدولة الإسلامية” في الخطاب الإسلامي”.

وتنبه المؤلفة، أنها ليست”ضد فكرة علاقة الدين بالدولة من حيث الرعاية والحاكمية بالمعنى الإسلامي-الشوري-، لكنها بحسم ضد أن تتحول الدولة لمنطق سائد في أي تفكير سياسي يطغى ويهيمن، فتكون لدينا تلال من المؤلفات عن الدولة الإسلامية إدارة وسلطات ولا يكون لدينا إلا النذر اليسير عن المواطن في دار الإسلام وحقوقه، والمجتمع في ظل الحكم الإسلام: فاعليته واستقلاله ومساحاته المحرم على الدولة أن تقترب منها (ص112-113)

أم الكوارث

تتعجب المؤلفة، من أننا، كمسلمين، لم نعاد في تاريخنا المعاصر الحداثة الغربية؛ إلا في فصلها بين الدين والدولة، وقامت المعارك الطاحنة حول العلمانية والإسلام، وحتى”لما تفتق ذهن المفكرين الإسلاميين عن حل هو: فكرة “الدولة الإسلامية”، فقد أتجهوا إلى “أسلمة الدولة القومية”.هذه الدولة الحداثية، فكان هذا في الحقيقة-بمعيار مقاصد الإسلام- هو “أم الكوارث”، ليس لأن الإسلام ليست له نظرية في السلطة والقوة والشرعية والإدارة السياسة(بل له بالفعل نظرية ورؤى وتراث فكري غني جداً).

 ولكن، لأن أية صيغة سياسية للحكم تحقق مقاصد الإسلام من: عدل ومساواة وتبادل لكرسي الحكم ومساءلة وشفافية ومواطنة، لا يمكن أن تكون عبر هذه الدولة القطرية القومية الحديثة تحديداً بأي حال من الأحوال، لأن خريطتها الجينية ابتداء كانت ضد مرجعية الدين، وأركانها تأسست على غير دعائمه، وهذا ليس رأيا أيديولوجيا بل حقيقة واقعة تاريخيا، حتى إننا، مازلنا نسيء الظن بالنظم، ونحسن الظن بالدولة الحديثة ص110-112

فوائض الثروة.. والقوة.. والوهم:

تحدثت المؤلفة، عن فوائض مهدرة، تقابلها طبائع بشعة أخرى مثلها، تسببت في تردي أحوالنا متمثلة في:

  • فائض القيمة وعلاقته بالعدالة الاجتماعية وسلطة الدولة
  • فائض الوهم وهو أنواع: الوهم السياسي وهو الفارق بين أداء الحكومات وما تدعيه من إنجازات
  • فائض الخيارات المتاحة التي تشتريها في سوق السلع ولا نستخدمها، وهم الاستهلاك في حين أننا صرنا نشتري حتى من دون أن نستهلك في حين أن فلسفة الفائض في القرآن تتأسس على الفضل والفوائض يقابلها فوارغ ص175-179
  • فائض القوة التي انبنت عليها مفاهيم الاستعمار، وكيف نحسن استغلاله ونتحكم فيه كي لا يتغول.

وعن طبائع ثلاث:

  • طبائع الاستبداد.. وما يفعله بالعباد والبلاد..وتناولت كتاب الكواكبي عن طبائع الاستبداد
  • طبائع الاستملاك.. وتناولت، كتاب طبائع الاستملاك لنادر كاظم وفكرة منطق الهيمنة من ناحية وأدواتها من ناحية أخرى. مؤكدة أن، الاستملاك هو الدافع وراء التنافس بين الجماعات، ووراء هيمنة نخب سياسية على غيرها من الجماعات والفرق والطوائف التي يضمها وطن ما واستملاك ما هو غير قابل للاستملاك على وجه التحديد، ليس الثروة فقط، بل المجال العام والخطاب العام والقيم العامة واحتكارها، ودائرة الحقوق الإنسانية والقيم المشتركة والدولة ذاتها وكل ما هو عام ومن هنا تمثيل الآخر بصورة مشوهة تقتضي عدم أحقيته في التواصل الاجتماعي أو الشراكة السياسية ص180-182
  • طبائع الاستهلاك، وتكتمل الثلاثية باستهلاك ما لا يحل استهلاكه، وبالأساس مساحات الوطن.وهو استهلاك يجعل الأرض سلعة، ويحول الوطن إلى مشروع استثماري، وإلى حساب جار، فإن وقف شيء في وجه ذلك تم تجريفه بما في ذلك التاريخ.

ولتتلاقى ثلاثية الطبائع الردية، مع ثلاثية الفوائض المشوهة، ليكون ما نراه من ترد أحوال وغياب لهمة التغيير وانصراف للشأن الفردي وانشغال بما هو شخصي ص183

النهضة والتمدن: صيغ ونماذج التغيير

تشدد المؤلفة، أن المئة عام الأخيرة، قد شهدت تحولات غير مسبوقة في صيغ التمدن الإسلامي، نتيجة الاجتياح الاستعماري والاقتصاد الاستعمالي، وهي آثار امتدت إلى يومنا هذا ومازالت تنتج تداعياتها، وأثمر ذلك تداخلاً في صيغ عمرانية وحضارية متناقضة، وتشتت في العقلية الإسلامية التي ترزح تحت وطأة جملة من التناقضات والارتباكات.

فنشأ لدينا فقهاء وحركيين، يسعون لشرعنة الواقع بأدواته وميكانزماته والحداثة التي تسيطر عليه، وإلباس “المشروعية” لأدوات لا يمكن أن نحقق بها “الشرعية”.ونشأ لدينا أهل علوم اجتماعية وإنسانية وسياسية غاية أملهم في حالة حماستهم لصياغة مشروع شهود أمة المسلمين في عالم اليوم إلى تلطيف مقدمات وفواصل علومهم وأبحاثهم وتفكيرهم ببعض الآيات والمعاني القرآنية والحديثية والشرعية، فنلبس جسدا ثوبا ليس ثوبه (ص 235)

وتنبهنا المؤلفة، أن نماذج النهوض والتغيير وصيغ التمدن والعمران تختلف من مكان لآخر ومن ظرف لأخر، متناولة النهضة خارج منطقتنا العربية: في ماليزيا وايران وتركيا أمريكا اللاتينية وجنوب افريقيا، وداعية إلى المقارنة والمقابلة بين تلك النماذج والاستفادة من خبراتها في علاقة الدولة بالمجتمع، وعلاقة مشروع النهضة بالبعد الإقليمي والعالم، في بناء عمراننا الجديد (ص101-105)

من هنا نبدأ:

من الناس نبدأ-هكذا تقول المؤلفة-، فالأمم، تحقق النهضة بروح تسري فيها، وليس بخطوات مرتبة.وخريطة التغيير، أشبه بطاولة البلياردو وليس بلعبة القوس والسهم، والواقع لا يتغير بطلقة تصيب هدفاً بل بمناورة والمراهنة على الجروح الصغيرة ص88-90

وتحدد المؤلفة معالم الطريق نحو عمران جديد في الخطوات التالية:

أولا: من المقاومة..إلى النهضة

تبدأ رحلة عودتنا إلى مسارنا الصحيح، لنحقق عمرانًا جديداً، بالتأكيد على أن”الأمم لا تحصل على تقدمها ولا تبني حضارتها بفعل المقاومة وحده. فالمقاومة خطوة تكتيكية في سياق استراتيجية نهضة كاملة.والمقاومة بلا رؤية للنهضة، سقوط في أسر الصورة والمشهد، من دون رؤية للمستقبل” ص93-94

النهوض على صورتنا:

لن تتحقق نهضة، تأتي على غرار صورة نهوض الآخرين،-خاصة التجربة الغربية-، فلكل مجتمع مساراته النهضوية التي تلائم قيمه ومعتقداته واحتياجاته، ومن ثم فإن من أولى خطوات نحو عمران جديد”تفكيك ما هيمن على تصوراتنا عن النهضة من منظور غربي. والإجابة على سؤال”كيف ننهض على صورة بخلاف الغرب؟ وكيف نصوغ رؤيتنا للعالم بمعايير ومقاييس ومؤشرات غير التي حكمت خيالنا وتصوراتنا منذ إعلانات الاستقلال؟، كي يكون التجديد حقيقياً وأصيلاً.

ويحتاج ذلك الأمر، إلى تقريب مسافات وتجسير فجوات، تبدأ من استعادة الوعي بالبعد الإنساني والاجتماعي في التجديد والنهضة من خلال:

  • استيعاب التاريخ، في حركته ومنطقه وليس في أحداثه ومحاكاتها، وفهم تاريخ العالم وسنن الله في الأنفس، واستعادة الوعي بالبشرية وعدم الاقتصار على النموذج الغربي الاستعماري، والنظر شرقاً وجنوباً لنماذج التنمية والنهضة وتصورات العلاقة بين السياسي والاقتصادي والدولي والقومي والدولة والمجتمع الغائب، من خلال محاور:

 الأول: البناء الفكري، عبر رؤية واضحة للهدف والغاية والمنطلق والإرث الحضاري.

 الثاني: الدور الفاعل، للقيادة الفردية والجماعية والشعبية المحلية.

 الثالث: تنوع صيغ علاقة الدول بالمجتمع.

 الرابع: علاقة مشروع النهضة، بالسياق الدولي وتحديات الهيمنة وبناء التحالفات.

  • الموسوعية والبينية العلمية، عبر نسج رؤية متكاملة ومعقدة للنهضة ومساراتها ومستوياتها، وإلا اختلت الأولويات وتعارضت المسارات، ولنا في التحولات الأخيرة في العالم العربي دليل على مشقة السبيل وحتمية التكامل والاجتهاد الجماعي (ص67-69)

ثانياً: إعادة بناء المفاهيم

تؤكد المؤلفة، أن”عالم تجديد المفاهيم وإصلاحه هو مفتاح النهضة.ومن هنا، ضرورة”إعادة الاعتبار للمفاهيم التأسيسية للتصور الإسلامي ورؤية العالم، كي نضع السلطة في حجمها الحقيقي بعد أن تضخمت بدرجة تتجاوز حقيقتها ووظيفتها، ونعيد للأمة مكانتها، وللإنسان كرامته، وللتمدن اصوله وللعمران مقاصده (ص109)..

1-ما العمران؟

العمران الجديد، الذي تحتاجه أمتنا،كما تقول المؤلفة، ليس تحضراً مادياً يفتقد للروح والإيمان، ولكنه “تصور لخرائط الحياة اليومية في تراكمها التاريخي، وما ينتج عن ذلك من تحولات إنسانية وبشرية… وتصور للعالم وموقعنا فيه ومساحات الفراغ وفضاءات التواصل.. ورسم البشرية لأحلامها، وبحثها عن الصيغ المتنوعة لتجلياتها في الزمن والمكان وتفاعلها مع الأكوان والألوان والأصوات…وهو منطق للسلطة يقوم على: الرعاية وتحقيق الكفاية…وهو بصمة الحضارة على الروح، قبل أن تكون آثارها في المساكن، وهو دوائر عدل وساحات براح وجسد اجتماعي يتمدد ويتجدد، إنه عبر وبصائر ونظر وفضائل (ص70).

2-الفطرة: مفتاح النهضة

تؤكد المؤلفة، أن مفتاح النهضة، هو العودة للفطرة. ففهم مفهوم الفطرة، هو مفتاح تغيير الواقع وصناعة النهضة، لأن غياب المنطلقات عن الوعي، وغلبة متابعة المستجدات على أجنة العقل، قد ساهم في ما وصلنا إليه من مأزق تاريخي، ولأن التنازع السياسي الذي يواري الرسالية ويخرجها من سياقها، يحتاج إلى من يذكر دوماً بسؤال: من نحن وماذا نريد؟ (ص27).

 المفهوم القاطرة

وقد آن الآوان-كما تقول المؤلفة- لمفهوم الفطرة-ذلك المفهوم الذي يربط شهادة الأزل بمسار التوحيد والهداية والرشد في هذه الدنيا، ويؤسس لمعايير المحاسبة في الآخرة-، أن يغدو”المفهوم القاطرة” للفكر الإسلامي ومساهماته في الجدل الراهن بشأن قضايا الإنسان، وأن يكون القاعدة الصلبة للمشروع الإسلامي والدعوة الإسلامية في مرحلة التجديد الراهنة نحو أفق مستقبلي للإسلام ورسالته كرحمة للعالمين (ص 39).

رباعية الفطرة:

والفطرة-كما توضح المؤلفة-، مكونة من رباعية مفاهيمية للأمانة والخلافة الإنسانية، التي يحاسب الله عنها العباد يوم القيامة، والتي يكشفها النظر في كتاب الله، تلك الرباعية تتكون من: الفطرة، والعقل، والوحي، ثم السنن التي يدركها الإنسان بالسير والنظر (ص29-30)

سنن الفطرة: إعادة نظر

تؤكد المؤلفة، أن الفكر الإسلامي يحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم “سنن الفطرة”، الذي اقتصر على ما يتعلق بالجسد من: عناية وحق للبدن، ليخرج إلى أفق فهم آيات النفس الإنسانية في تفردها..وفي اجتماعها وعمرانها.فالربط بين الفطرة وآيات الأنفس من ناحية، وآيات الآفاق من ناحية أخرى واضح في قوله تعالى”سنريهم” ويؤدي القصص القرآني دوراً مهماً في هذا الصدد، ويصبح البحث في مفردات: الإنسان-الأمة-القوم-المدينة-بني آدم-الناس-البشرية، وما يتعلق بها من خصائص يتناولها القرآن، شديدة الصلة بالبحث في الفطرة (ص30)

في قلب الأزمات

نحتاج إلى مفهوم الفطرة، كما تبين المؤلفة، في الكشف عما يصيب النفس الإنسانية في حال التأنس والتوحش، وكيف يمكن استنقاذ الفطرة حين يسود التوحش، كي يمكن رد الإنسان الفرد والجماعة إلى التأنس مرة أخرى.. وتفعيله، ليتحول من مفهوم نظري إلى مفهوم توليدي فاعل في شتى القضايا المطروحة اليوم على العقل المسلم، ونحسب أن ذلك لو تم ستحدث نقلة نوعية ليس فقط في تحليل القضايا الراهنة، بل في إعادة قراءة الفقه ووعي الفقهاء بهذا المفهوم في مساراتهم الاجتهادية وموازين المصالح والمفاسد (ص 32)

 الفطرة والحرية:

الفطرة والحرية، صنوان، لا عكس ما يشاع أن الفطرة مرتبطة بما لا يملك الناس تغييره، وأن الحرية متعلقة بالإرادة والذاتية (ص32-33). فالحرية في الإسلام لا تنفك عن الفطرية، وهي كذلك قرينة الخيرية والحق والحدود (ص34). والخروج بالحرية من الفطرية يعني بالضرورة نسبية الأخلاق، إذ أن مجافاة الحقيقة وهجر الشريعة، لا يترك مجالاً إلا للهوى، وبالتالي كان نمو منظومة نسبية الأخلاق مسألة تابعة ومنطقية لمن أنكر الألوهية والنبوة، وترك العقل وحده يقرر الخيارات ويضع الحدود والمسارات (ص 34-35)

ركيزة الحرية ولغتها:

مفهوما الحق والحدود، هما ركيزتا الحرية في التصور الإسلامي، فما من حرية إلا ولها سياج من حق لك أو عليك، لله أو للعباد.والحدود هي نقاط الوقوف والانتهاء.والحرية في التصور الإسلامي لها جذورها، وأصلها ثابت في حكم الله، وفرعها في سماء العقل واجتهاده في النظر والفهم والتدبر والفقه.

وفي حين أن”الحرية في الفكر الوضعي، قديمه وحديثه، تبدأ من الفردية، والنظر إلى الإنسان في تفرده وقيامه بنفسه ولنفسه، وهو أمر معتبر كفلته منظومة الحقوق في الإسلام؛ بيد أن التفكير في الفردي في الرؤية الإسلامية موصول طوال الوقت بالتفكير بصيغة الجمع ومنطق الجماعة، في توازن دقيق لا يترك أحدهما يطغى على الآخر، عبر ميزانه المتمثل في”التقوى”. (ص36-37)

3-إعادة تأسيس مفهوم الأمة

تدعو المؤلفة، إلى إعادة تأسيس مفهوم الأمة، على قاعدة مفاهيمية تتمايز عن الدولة القومية الحداثية من جهة، ثم ربطه بالواقع الجغرافي والعملي من ناحية أخرى. مشددة على أنه”لا يتصور بناء مفهوم متماسك للأمة، من دون استعراض تحولات عديدة مرت بها مجتمعاتنا الإسلامية بعد قرن ونصف من الاحتلال الأول، ثم الكولونالية الجديدة في ظل العولمة. ومؤكدة على أهمية تأكيد الرابط الإيماني، وأن التأمل في تصور علاقة”أمة الدين”،”بالناس” يبدو مركزيا للتجديد المنشود والتغيير المأمول.. داعية إلى إعادة قراءة”وثيقة المدينة”، التي تكشف عن تصور دقيق في هذا الصدد. (ص43-46)

وتنوه المؤلفة، إلى أن “تخلينا عن أسطورة الدولة كمركز للمشروع الإسلامي، واستعادتنا فكرة الأمة، ثم اجتهادنا في تسكين الشريعة في صف الأمة، هو الأصل في المنهج الإسلامي مما سيجعل مهمتنا، هي مراجعة إنشغالنا الزائد بالتأسيس للرابطة السياسية الإسلامية على قاعدة الدولة الحديثة التي تقوم في منطقها الداخلي على مصادرة وتقويض مفهوم(الجماعة والأمة والناس) التعددي الإسلامي الذي أسسه دستور المدينة، وتستبدل به رؤية للتعدد الثقافي اليوم لها حدودها وقيودها (ص143-144)

كما تبين المؤلفة، أن”فهم خرائط الأمة في تحولاتها، من هجرات دولية ونشأة أقليات داخل أقطار غير إسلامية وتنامي تواجد عمالة مهاجرة لها حقوق داخل دول الأغلبية المسلمة، وظهور مظالم تستلزم تجميع الجهود على مستوى الناس من جهة العدالة الدولية والسلم الدولي، وأثر قضايا البيئة في واقع المسلمين، وتحولات صيغ التدين وثورة تقنيات الاتصال بخيرها وشرها، وتنامي النزعات العرقية والمذهبية داخل نسيج الأمة باستحقاقات تاريخية، تحتاج تسوية في ظل فهم أشمل للتوازنات الدولية، وخرائط التمدين والتخطيط الحضري وما تثمره من مشكلات عديدة في مجال الاقتصاد، واستكشاف واقع جديد تشكل عبر أجيال على الأرض، ونشأت في ظله مدارس فكرية خارج الإقليم العرب أسهمت في تصور مستقبليات الأمة، لم تترجم إلى العربية ولم نهتم بمطالعتها كإنتاج فكري للأمة عن الأمة خارج دائرة العروبة ص47-48″، وأن هذا كله، يجعل عملية إعادة بناء المفهوم تتم في سياقها الصحيح والمثمر باتجاه عمران جديد.

وهي تقترح أربعة مفاهيم تسهم في إعادة بناء الأمة:

  • مفهوم الفطرة، بالتحرك على أرضية المفهوم منذ البداية باعتباره قريناً لمفهوم الناس”كنتم خير أمة أخرجت للناس”.
  • مفهوم العالمين، لإخراج تصور الأمة من أسر الدولة كحقيقة أخلاقية، دون أن نقع في وصم كل ما هو غير إسلامي بأنه غير أخلاقي، والخروج من كل عداء مع كل ما هو غير ذلك.
  • مفهوم المجتمع المدني العالمي، الذي يتجاوز فكرة”القومية المنهاجية”، ليقدم أفقاً جديداً للتفكير في العولمة من منطلق: الحركات والأفراد والأفكار، والتدافع مع فكرة العولمة التي زعمت تجاوز الدولة؛ لكنها في الحقيقة حجبتها ولم تتحداها، ولا رصدت تحولات الدولة ومنطقها وطرق عملها قطريا ودوليا في علاقتها بالمجتمع والسوق.
  • مفهوم المجال العام، بشقيه الداخلي و الخارجي، بناء على ما قدمه “هابرماس”، وهي مساحة مهمة لتطوير رؤيتنا لدور الأمة، باعتبار الفعل الدعوي في الأساس فعلاً تواصلياً، والتحاور واللغة كأداة لبناء اتفاق على ملامح الإدارة المجتمعية والسياسية، وخلق توافق حول حلف فضول مجتمع،ي ومنه لحلف فضول دولي يتحدى هيمنة الدولة القومية على النظام الدولي (ص43-45)

4- إعادة بناء الدولة:

تدعو المؤلفة، الفكر الإسلامي المعاصر في سعيه لعمران جديد، إلى تبني دولة جديدة: في بنيانها، وفلسفتها، وأدوارها، ومساحاتها، تحقق وظائف الحماية والرعاية والعدل، لكي تكون أكثر كفاءة، و أقل ضرراً وضوضاء (ص113).من خلال:

ا- إنهاء الارتباك في العلاقة المفاهيمية بين خريطة مفهوم الدولة القومية وخريطة مفهوم الأمة..وتبني تصور للهوية الأوسع، بمعنى انتماء الإنسان إلى هذه البشرية،

ب-– المواطنة العالمية

تدعونا المؤلفة، إلى أن نهتم بمفهوم المواطنة كمدخل للتفكير في أمر”السياسة”، وارتباطها بإدارة التوطن وخدمة العمران.ص113. والاهتمام البعد الإنساني والاجتماعي في هذا المفهوم، بدلا من الولع بالبعد الدستوري والنظمي والاداري ص113. ومؤكدة أن الاهتمام ب”مفهوم المواطنة العالمية” يعد فرصة جيدة ومدخلا لإعادة بناء نظرية جديدة للفاعلية السياسية أقل ثقة في الحداثة، وأكثر انفتاحا على النظرية الاجتماعية الأوسع، وأكثر قبولا لفكرة التنوع سواء في صيغ الرابطة السياسية أو مفاهيم البحث النظري ص 22 ولم يجد مفهوم المواطنة العالمية حفاوة تليق به، ولم يخضع لكثير من النقاش، إما لضغط الانشغال بنقد العولمة التي ارتبطت بالهيمنة الرأسمالية الدولية من قبل كل التيارات، أو لاعتباره فكرة طوباوية يغلب عليها الرومانطيقية بالنسبة لبلدان العالم الثالث التي مازالت تناقش قضايا الهوية والثقافة والسياسة في مساحاتها المكانية بما لا يسمح لها بالنظر إلى ما وراء ذلك من أبعاد مؤجلة ص 42-43

ج- إعادة فك وتركيب منظومة المفاهيم الداخلة في جدل الدين والعلمانية، لأن هذا سيمكننا من:

  • استعادة التحليل المفهومي والمعرفي في رسم خرائط الفكر.
  • استطلاع الإمكانية العقلية للتوافق بين رؤى متنوعة للعقل والتاريخ والنص والحرية والعدل والخاص/العام،وتصورات التنوع الديني والفكري وفهم الطبيعة الإنسانية والإرادة، وسبل تحقق القيم الجماعية، وفلسفة الحق والحقوق.
  • انهاء التبسيط السائد للفكرة الديموقراطية في الجدل السياسي، ووضعها بشكل ما على الضفة العلمانية من النهر، الذي يحمل في طياته خداعا مبدئيا يوفر على الإسلاميين الاجتهاد في تفكيك العلمانية سياسيا.
  • تحليل المفاهيم الحاكمة، مما ينفي الخصوصية المبالغ فيها عند وصف فكر الإسلاميين وأطروحاتهم السياسية المعاصرة(دون إنكار لطبيعتها المعرفية).
  • التنبه إلى أن النظر التحليلي المفاهيمي عند الحديث عن جدل العلمانية والشريعة يجب ألا ينفك عن رؤيتنا لفريضة انخراط الإسلاميين ومؤسساتهم في المجتمع المدني، أو قبول الإسلاميين في نظام سياسي ليبرالي ديموقراطي،وفهم تلك المعادلات، فالمعرفة بطوبغرافيا الواقع يجب أن تجد طريقها لتطوير الأطروحات النظرية بشأن الأمثل،والممكن، والمأمول ص137-140

وتؤكد المؤلفة أن هذا يؤدي بنا إلى نتيجة هامة وربما صادمة لكثير من الإسلاميين تتمثل في أن “العلمانية بمعنى تحديد المساحات بين السياسي والاجتماعي والخاص والعام، وحدود الفردية وضمانات الخصوصية وحقوق التجمع المدني لن تضعف الإسلام بل قد تكون أداة ليس لفصل الدين عن الدولة(ببساطة لأن الدولة تهيمن واقعيا هيمنة كاملة على الدين)، بل فصل الدولة عن الدين لصالح الأخير بامتياز.(ونحتاج إلى أن نفكر في وسائل وشروط قبولها لذلك في ظل تحكمها التام) ص. 134 وهي العلمانيةالتي نريد لحماية الدين من الدولة اليوم. فالعلمانية يمكن أن تكون “مفهوما جسرا” في الجدل الديموقراطي لتأمين شراكة الإسلاميين في السياسة-والأهم- في التغيير الاجتماعي والتحول الاقتصادي ص140

فجدل العلمانية اليوم يحتاج عمليا إلى أن يقوده علماء السياسة والاقتصاد من أصحاب الرؤية الإسلامية الحضارية، فقد ظل القانونيون والحركيون لفترة طويلة قادة التفكير والتنظير، ومن يقرأ بعض ما كتبوه-على إخلاصهم- يجد معظمه بالغ التبسيط والتنميط (ص 155)

5-أولوية الدعوة:

تشدد المؤلفة، على ضرورة ألا يفلت منا خيط الدعوة حين نشد حبال السياسة. ففي حين أن الدعوة، هي استمالة للقلوب، فكيف يمكن أن تتحقق حين تجرفنا نزاعات السياسة ومصالح الاقتصاد.ومن هنا ضرورة”صياغة نموذج رباني المنهج، وتوزيع الأعباء ورسم خرائط المساحات وتقسيم المهام وتنسيق الحركة وتمييز الوسائل وصيانة الرؤية الكلية ومنطقها الأعلى والأسمى ص95-96.

كما تنبه المؤلفة إلى حاجة الدعوة إلى اعتبار”الظروف المحيطة بالإنسان، والتي تؤثر في رؤيته للقبيح والحسن؛ فتعين الفطرة الأولى أو تخذلها، وهو أمر غفل عنه كثير من العاملين في حقل الدعوة في سياقنا المعاصر، فظنوا أن إرادة الفرد المحضة تمكنه من تغيير سلوكه، غافلين عن الشرط الموضوعي وعلاقات القوة والسلطة وتقسيم المساحات المحيطة به ص63

6-إعادة بناء علوم التراث:

تؤكد المؤلفة، أنه على الرغم من أن”خريطة علوم التراث، خريطة متحركة ومتغيرة، تسعى نحو التكامل لا التعارض.. وهي ليست علوم تاريخية بحال، وإنما تمثل أدوات منهجية في العقل المسلم، بل في عقل الأمة كلها، تولد لها القدرة والطاقة والفرصة لتجديد وتكرار ابداع النموذج الإسلامي في العمران..مجددا، فهي أدوات منهجية حية لديها قدرة توليدية وتجديدية وليست تراثا متحفيا جامدا ص 8-9

وتدعو المؤلفة إلى، توضيح نموذج هذه الخريطة ومعالمها، حتى تتجسد الرؤية الحقيقية للعلوم الإسلامية-ليس فقط من حيث النظرية والمثال؛ وإنما كذلك من حيث الغاية والفعالية والمقصد ودوره في صناعة الحضارة والعمران تاريخيا بالمثال التطبيقي والأنموذج الواقعي البشري.وأن علينا أن

“نعيد رسم خريطة العلوم الإسلامية تنظيرا وعمرانا وبيانا، لنكشف اللثام عن أوجه التميز في الرؤية والمنظور الإسلامي للعلوم الذي يعكس رؤية توحيدية وينتج نماذج عمران متكاملة في الحياة محققة السعادة العاجلة والآجلة، مع ذكر أوجه الوصل والفصل بينه وبين العلوم المعاصرة وسننها. وذكر التمايز بين منظورات هذه العلوم وفلسفتها الوضعية وبين ما تحتويه العلوم الإسلامية من رؤية توحيدية لسنن الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتاريخ..وأوجه العمران، مع إشارات لكيفية تحريك العلوم كسياسات وبدائل حية وحيوية (ص13). وذلك عبر”استعادة الرؤية الكلية وتناغم المسارات: بين علوم التراث والعلوم الاجتماعية. (ص273-238).

7-أمكنة النهضة: المفتاح المنسي

كانت الأرض، دوماً المساحة والمجال للتشريع والتفعيل.وعمارة المكان وعمارة الأنفس والوجدان سارا بالتوازي من أجل تحقيق نموذج عمران ومركزية الإنسان في الفقه بالمعنى العميق والأخلاقي. ص71-73

ولهذا، تنبه المؤلفة، أن أحد مفاتيح النهضة المنسية هو: فهم تحولات المكان كي لا تتوه مشاريعنا في متاهات اليومي، فتمر الحياة من دون أن نملك التحقق والعيش بشكل يليق بنا كبشر…وتحول المكان في المدن لمساحات تنتج التفكيك والتنازع وانتاج الفوارق لا للنسيج الاجتماعي.

فالتمدن، من حيث هو “منظومة كرامة إنسانية” يسعى إلى: حفظ الحياة والمال، ليس فقط حفظ بقاء، وإنما سعي في مدارات الخيرية، ومن دوائره التواصل مع الأمم المختلفة لأنه من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وحفظ الملكية تنمية، وعدالة الملكية استخلاف لا إتلاف أو إفساد في الأرض باستنزاف الطبيعة والموارد ص246-247

وتشدد المؤلفة، على أننا نحتاج إلى فهم علاقة العمران بعمارة الأرض، وكيف أن الأرضية التي يقف عليها العمران كمفهوم حضاري مركب قد تكون أرضية النهضة أو ساحة الصراعات.فالعمران يتأسس على مقاصد حفظ النفس، ونظرة المدينة للجسد ودرجة “تمدن” المجتمع: تنبع من الإدارة الناجحة لهذه العلاقة بين الفردي والجمعي والمشترك والمختلف، والجسد في ذلك كله هو الفاعل المتحرك..ولا يمكن تجاهل أبعاد الجسدين الفردي والجمعي في تفاعلهما مع الجسد السياسي في فهم تحولات العمران، وبالتالي في مناهج الإصلاح الحضاري، مؤكدة أن”كل باب الارتفاقات في كتب الفقه يصب في هذه المعاني”. (ص76-79 )

وتدعو المؤلفة، إلى تأسيس نظريات جديدة للعمران والمدن، تحيي فقه المكان، ليكون مدخلاً لتدشين حركة لحق الأمة في تدبير عمرانها كمدخل لاستعادة مجالات إنسانيتها، ساحات رساليتها (ص79-86)

وتشير المؤلفة، إلى أن هناك عناصر تساعدنا في بناء مفهوم التمدن ورسم خرائط المعنى الخاص به، منها:

عنصر الميزان الذي نقيس به العدل والسعادة والنظر للإنسان من وجهة متكاملة ترد له تكامله واتساقه.

عنصر أو تصور الإنسان الفلسفي/الإنساني للمكان في علاقته بالأبدان.

بعد المكان ذاته، فالتمدن، في حد ذاته أصبح مختلفا عن الماضي، ولدينا اليوم علم كامل هو علم اجتماع المدن.

عنصر الزمان، من خلال الإجابة على سؤال: كيف ننقل الفهم والحكمة التي نظر بها الفقيه أو عالم الاجتماع أو الفيلسوف المسلم إلى واقعنا باختلاف الأزمنة وباختلاف طبيعة الوقت والتنظيم وعلى خريطة اليوم؟

بعد العمران بمعنى بنيان العلاقات والمؤسسات التي يتم من خلالها إدارة هذه العلاقات بين الطبقات المختلفة.

بعد الأكوان بالربط بين مقاصد الشريعة ومقاصد العمران والنظر في الأكوان (ص242-245)

8-إعادة بناء مفهوم الخدمة العامة

تؤكد المؤلفة، أن مفهوم الخدمة العامة، ليس هو ما يتبادر إلى الأذهان، من”سد الثغرات”، بل هو: بناء القدرات وتحديد المسارات بمشاركة المواطنين في مساحات”العام”، ولهذا فالسؤال عن أوجه العموم وخرائطه تصبح نقطة انطلاق مهمة لتفعيل الخدمة العامة (ص56).وأن هناك سلسلة متضافرة من مساحات”العام” تتنوع علاقة المواطن بها وتتفاوت، منها: المصلحة العامة-الملكية العامة-المجال العام-الجدل العام-الرأي العام-المكان العام-الحياة العامة

ومفهوم الخدمة العامة ينبني على من عناصر ثلاثة: التلقائية بدافع من الفرد وإرادته، والشبكية-أي التشبيك وليس المأسسة-، والمواطنية عبر ربط فاعلية المواطن بفضاء واسع من الخيارات الواسعة لمسار الحياة اليومية لصناعة التاريخ بدلاً من لحظة الاستحقاق الانتخابي، والعالمية، عبر تواصل روابط المواطنين عبر الحدود في جهود صياغة المصلحة العامة (ص59 -60).

وتدعو المؤلفة، إلى دعم مدنية المجتمع بالأساس، لا دعم نظام سياسي وسياساته الاجتماعية، من أسفل عبر شبكات المواطنين.فالخدمة العامة صارت درعاً للمجتمع، ليس فقط ضد انفراد الدولة بتحديد مسارات”العام”، بل كذلك لتحجيم الشركات العابرة للقارات التي لا تأخذ المصلحة العامة لكل مجتمع في الاعتبار، بل مصالحها الدولية (ص56-58).

من للجماهير يعلمها؟

الجماهير، شركاء وليسوا دهماء. وتتساءل المؤلفة: من للجماهير يعلمها كيف تنقاد وكيف تحفظ المقاصد العليا للأمة حين تهدرها القيادة؟ وكيف تفهم رسائل الإعلام الخفية وتفك شيفرة الذل، وتستعيد معاني الكرامة، ومتى تتحرك حين الأخطار، ومتى تفهم حقوقها لدى القيادة، وكيف تخلق قياداتها في لحظات الأزمات، مؤكدة أن “مقومات القوة لا تنتقص بجماهير قوية، بل هذه قوة إضافية للقيادة.وهو ما يحتاج إلى كوادر مؤهلة في مجالات الفكر والدعوة والحركة، تعلم الجماهير وتقود الأمة. (ص171-175)

9-التكوين المعرفي والمنهجي لنخبنا الجديدة:

تشدد المؤلفة، على أن أمتنا “تحتاج إلى صياغة عقل النهضة، قبل العمل على مشروع النهضة”.ف”تحرير الخيال من نهج التقدم الغربي، واستقلال التفكير عن التجربة الغربية هو المقدمة المطلوبة، كي نفكر بهدوء ونخرج من نزاعات “العلمانية أم الدولة الدينية؟”،”الرأسمالية أم الاشتراكية أم القبيلة”،”المجتمع التراحمي أم مجتمع الأفراد” ص160-165، إلى براح الأمة وعمرانها القائم على: التوحيد والتزكية، والمنغرس في قلب العالم شهوداً ورحمة وعدلاً في سبيل الله والمستضعفين في الأرض يحررهم ويطلق طاقاتهم.

ولهذا تشدد المؤلفة، على أن”تكوين عقول استراتيجية عمرانية، تدرك وتمتلك أدوات التفكير المنهجي الشرعي بعمقها الاجتهادي التنزيلي بعد إدراك تصورها، وتمتلك في الوقت نفسه أدوات العلوم الاجتماعية بمستوياتها النقدية لإحداث مقاربة حقيقية تقرأ فيها هذه العلوم، وتغربل في ضوء تصورات الوحي وسننه ومقاصده وقواعد شريعته، هو وحده القادر على إحداث التفاعل المطلوب وتحقيق شهود الأمة المعرفي العالمي لتكون خطوة أساسية لتغيير العالم، وتكون لدينا القدرة على تقديم مفاهيم أمتنا في ركب التدافع الحضاري حول التمدن والعمران والتحضر والمعرفة وشتى صنوف التصورات” (ص236)

كما تدعو المؤلفة، إلى أن يكون “تكوين هذه العقول”، بخبرات متعددة وأدوات تفكير منهجية متوازية، وربطها بدوائر العمل، ومساحات الاجتماع والاقتصاد وأوجه العمران المتعددة، لتكتسب الخبرة التطبيقية، كي نخرج من مأزق الرؤى التنظيرية التي تفتقد الإدراك الحقيقي لتحديات الواقع وتعيش في معزل عنه، مما يساعد في سد الفجوة بين العقول الفقهية التي تنطلق من الرؤية الإسلامية وبين الواقع الذي تتحكم فيه وتصوغه محددات ومنطلقات العلوم الاجتماعية والإنسانية المعاصرة، بحيث لا نعيش بين فرضيتي”العقل الفقهي” الذي لا يدرك تفاصيل الواقع الاجتماعي وأبعاده المركبة، هذا الواقع الذي لن نستطيع فهمه ولا فك شيفرته إلا بتحليله عبر أدوات العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومن ثم قد يقوم الفقيه بتنزيل رؤاه الفقهية وفتاواه على واقع يناقض أصل ما جاء في تأصيله، مما قد يظنه محققاً للقصد الشرعي فيصف واقعاً غير شرعي بأدوات شرعية، والعقل الاجتماعي الذي لا يقرأ العقل الفقهي بشكل فعال، و”العقل الاجتماعي” الذي لا يحسن قراءة العقل الفقهي، فيقع في محظورات شرعية أو يختصر الرؤية في بضع آيات أو أحاديث تسمه بإسلامية سطحية لا غناء فيها. (ص11-12)

ومشددة، على أن يكون تكوين هذه العقول، شاملاً “تزويدها بأدوات التفكير المنهجية الشرعية والمعرفية الناضجة والمركبة والمقارنة بشقيها: الشرعي بأبعاده الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبعلوم الواقع بتنوعاتها ومعارفها، بما يمكن هذه العقول من مكنة إنتاج أفكار وتوليد”سياسات” فاعلة تمثل بدائل واقعية لها، تمثل نماذج اقترابات حقيقية للشريعة ونموذجها الراشد، بما يضمن التخصصية العلمية والمعرفية، والحركية الواقعية التطبيقية، والتشابكية والفعالية والتواصلية. (ص13)

تحرير علم السياسة

من منطلق تخصصها في الفسلفة السياسية ومن موقعها الأكاديمي وخبرتها العملية في التدريس، تنطلق المؤلفة لجعل حقلها الدراسي والتدريسي مجالاً للتجديد المؤدي لعمراننا الجديد، داعية إلى ضرورة”تحرير العقل الأكاديمي” من قيود المنهج التي تحجب البصر، وتطمس البصيرة، حيث اتضح بجلاء إشكالية عجز العلوم الاجتماعية؛ ليس فقط عن بناء تصور للتمدن، بل فشله في مهمته الحداثية الكبرى، في: التفسير والتنبؤ،-وبالتالي التحكم-، هذا بخلاف فشلها في القيام بالدور الكفاحي للعلم لو اعتبرناه دورها المحوري في عالمنا الإسلامي (ص247)

ففي مجال العلوم السياسية، -هكذا تقول المؤلفة-، لم نتلق تعليماً يتأسس على فهم التمدن القائم والمنشود، فمفهوم الدولة قد هيمن على التفكير والخيال المعاصر بشأن السياسة حتى منعه من رؤية المتعين عياناً..لذا فالعقل السياسي العربي، في حاجة إلى استعادة قدرته على التخيل مستقلاً، ليفكر من جديد في المفاهيم المركزية في مجال السياسة، في ضوء فشل الدولة العربية من ناحية، وصعود الانتفاضات والمقاومة من ناحية أخرى، متحرراً من فشلها ومن أسطورتها التي زكتها الأيديولوجية القومية. (ص248)

وليس هذا وحسب، بل تدعو المؤلفة، إلى تجديد النظر في علم السياسة لتحريره من منظورات علم السياسة الغربي، المرتبطة بمفاهيم الشعب والقانون والسلطة والمصلحة العامة والدولة، والذي يستبطن قيم الصراع والتكييف والحلول الوسط وتحكيم الواقع..وتبني الرؤية الإسلامية التوحيدية للسياسة، باعتبارها: القيام على الشيء بما يصلحه، وإصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة، وما تتسم به من العموم والشمول، ومخاطبتها-كمفهوم- كل فرد مكلف في رسالة الإسلام، بأن يرعى شؤونه، ويهتم بأمر المسلمين وعامتهم، فهو يرتبط بالتوحيد والاستخلاف والشريعة والمصلحة الشرعية والأمة.

ومؤكدة، أن الانطلاق من مفهوم الواجب وباقي مفاهيم الرؤية الإسلامية، مستبطناً القيم الإسلامية وأبرزها العدل، هو ما يحقق العمران الجديد المنشود، ويحقق تكامل العمل السياسي في الرؤية الإسلامية، حيث يتميز هذا المفهوم مقارناً بمفهوم الحق أو حقوق الإنسان-المنطلق من النظرية السياسية الغربية-، بما يأتي:

ا- انضباط المفهوم:حيث أن ارتباطه بالمفاهيم الشرعية وأحكام الشريعة والمفاهيم الإسلامية الحاكمة يحقق له الاستقرار والانضباط.

ب- ربط العمل السياسي بالمسؤولية الفردية، فالعمل السياسي واجب شرعي لا ينفك عنه أحد من الناس عينا أو كفاية، فهو فريضة تتأسس على مفهوم الاستخلاف، وهو مسئولية فردية و جماعية تضامنية.

ج- يختلف مفهوم “الواجب”عن مفهوم”الحق“، فالأخير يمكن التنازل عنه أو عدم استخدامه..والواقع يبرز مشكلة ما يمكن أن نطلق عليه اسم”التعسف السلبي في استخدام الحق” بإعراض الأفراد عن المشاركة السياسية في كثير من الدول الإسلامية في ظل حكومات تعاني أزمة الشرعية، في حين أن مفهوم الواجب يتلافى هذا العيب في مفهوم الحق، بل يعبر عن رؤية إسلامية عملية، ويصلح أساسا حركيا تعبويا لنهضة تنموية وحضارية.

د- درجة”الديناميكية” العالية التي يتمتع بها المفهوم، فالواجبات الكفائية يمكن أن تكون واجبات عينية مثل الجهاد.وبذا يدخل الواقع مع المصلحة الشعبية في تحديد درجة الحكم وفق الفتوى الشرعية.كذلك يرتبط مفهوم الواجب في بعده الديناميكي بالقدرة، فلا تكليف إلا بمقدور.

ه- تركيبية المفهوم، فهو ليس مفهوماً اختزالياً جامعاً بلا تحديد، بل يميز المفهوم بين الافراد وقدراتهم. (ص51-54)

خاتمة:

كتاب الدكتورة هبة رؤوف هذا، من الكتب الفارقة في لحظات حاسمة، في حياة أمة في قلب العاصفة.كل صفحة فيه تحمل هماً وفكرة، وكل فكرة تحتاج جهوداً مخلصة لتناقشها، ومؤسسات عاملة لتحققها، وما تسمية السلسلة التي صدر فيها باسم”الفقه الاستراتيجي” إلا حقيقة تعبر عن محتوى الكتاب.

فهذا الكتاب يلفت الأنظار إلى ضرورة التنبه لقضايا كثيرة خطيرة مثل:

  • النخب المهضوم حقها، والتي تغرد خارج السرب، والثمن الباهظ الذي تدفعه لقاء ذلك، والحاجة الملحة لقيام المجتمع ومؤسساته بواجبه تجاههم ببذل المال، لنشر أفكارها، وتعميم فوائدها بدلاً من أن يبقى حبيسة الأوراق وأدراج المكاتب أو ملفات الكمبيوتر، أو أن تقع فريسة من بيده مقاليد السلطة، أو تحاربه نخب المنتفعين من استيراد الجديد من دون استنبات لعقل رشيد يرفع لواء الاجتهاد.
  • التحذير من دعاة الجمود على الموجود: من مؤسسات وهيئات، تكرس”هيمنة الجيل الأكبر-في شتى المجالات-على موارد المعرفة، ومصارفها، حتى أن المرء ليسأل نفسه أحياناً: متى يعتزلون؟، من دون وعي بحدود قدرة العقل الفردي على الإحاطة بالمستجدات مع تقدم العمر، وضرورة البحث في كل جيش عن أسامة يتولى القيادة وإن كان في الجيش أبو بكر و عمر (ص17-18)
  • القضايا التي يجب أن توضع على خريطة العقل من أجل تطوير الخطاب الديني، وهو يناقش الدين والدولة، والأولويات الملحة التي نريد لهذا الفكر أن يتصدى للاجتهاد بشأنها وهو يفكر في موضع الدين في العمران والنهضة، ومكانة الدولة بين الوظيفة المؤسسية والمركزية التي تشغل مكانة عقدية، وقضايا العمارة والمكان، وقضايا الوجود وحقوق الإنسان وقضايا السياسة والعمران (ص147-155)
  • هل العلمانية، مع أم ضد اللحظة الإسلامية الديموقراطية الراهنة؟ وهل العلمانية في ظل الدولة القومية القائمة والنظم غير الديموقراطية الحاكمة، هي أداة لتقويض الدين أم لحفظه؟
  • دور الجيوش في علاقتها بالعمران،باعتبارها ركيزة أساسية لحماية النموذج الحضاري، وهل مشكلة الجيوش في المعادلة الخارجية أم في غياب رأس سياسي مفكر حريص على سيادة الدولة، (ص165-168).وما هي الدراسات المطلوبة لفهم هذا”الفيل” الرابض في الغرفة المجاورة للسياسة، وكيف نتعامل معه ونروضه، كما وصفته يوماً في إحدى محاضراتها.
  • ملف التمدن وعمراننا المادي، وما أصابه من تشوهات، ألقت بظلالها القاتمة ونتائجها السلبية على روابط المواطنة بين الأحياء المسورة والعشوائيات، وبين المدينة وأجسادنا.
  • كيف يمكن تفعيل شبكات الرحمة الإنسانية لمواجهة الكوارث وحل النزاعات المسلحة وكيف يمكن توليد رؤى للجمال في زمن القبح. المكان والمدن والعمارة وسائط في بناء النهضة، والأمكنة في بلداننا تحتاج إلى تأسيس معرفي وعملي. (ص73-75)
  • يلفت انتباه الجماعة العلمية، إلى عودة الاهتمام بالأسطورة في علم الاجتماع الغربي، بوصفها أداة لفهم الواقع وتفسيره عبر نسق أفكار جماعي في ثقافة ما، وباعتبارها ليست نقيض العقل، بل هي قصص كبرى لها وظيفة تفسيرية مهمة ودور محوري في دعم الرابطة الاجتماعية، وأنها تعبير عن اللاوعي الجماعي، وهذا اللاوعي الذي هو بدوره ليس مناقضا للعقلانية، بل هو مساحة من مساحات العقل الإنساني (ص228-229)، ومدى فهمنا لهذا في تعاملنا مع الكثير من تراثنا وأعرافنا التي أدخلناها في إطار الأسطرة.

وهذا الكتاب، أخيراً، يصلح أن يكون “مانفيستو فكري”، للمرابطين على ثغور العمل الإسلامي فقهاء ومفكرين وعلماء اجتماعيات وحركيين وعاملين في المجتمع المدني، يوضح الطريق لعمران جديد ومعالمه، ويبين المزالق التي تزل فيها الأقدام وتضل فيها الأفهام في سعيها لنهضة راشدة، وليس هذا وحسب بل إن هذا الكتاب يمكن أن يكون مقرراً دراسياً–مع تعديلات تبسيطية قليلة-يعمم على طلبة الجامعات، بل إنه لو وجد العقول النابهة لأمكن تبسيط قضاياه وتعميمه على المدارس الثانوية في بلادنا، لتنشأ الأجيال الجديدة واعية بأسباب تراجعنا ومطلعة على منطلقات عمراننا الجديد، وواجباتنا إزاء هذا كله.

ويبقى الكتاب، سواء أتفق البعض مع أطروحاته أو رفضها، في مجمله دفقة فكرية ساخنة، تمثل مع كتابها السابق”الخيال السياسي للإسلاميين” وكتابات أخرى كثيرة غيرها لأجيال جديدة من مفكرينا، تمثل معالم خطاب إسلامي جديد؛ قادر على بعث النشاط في العقل العربي المسلم، و دفعه دفعاً للتفكير في كثير من قضاياه ومسلماته المتعلقة باجتماعنا، ونظم حكمنا، وقضايا العمران، والعلمانية بشكل مغاير، ويلفت انتباه المفكرين والعاملين من أبناء العرب المسلمين إلى ضرورة الاجتهاد الفكري، لإنقاذ مجتمعاتنا من عولمة ضارية تحتمي بدولة لا تعرف سوى ذاتها، و لا تطمح أكثر من خلق ذوات تسبح بحمد هدفها: الربح و الكفاءة والإستهلاك دون حدود أو قيود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.