منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إن في السحور بركة

رشيد الذاكر

اشترك في النشرة البريدية

بهذه العبارة الجميلة ذات الأبعاد التربوية العالية، وجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى أهمية الاعتناء بأكلة السحر، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة»[1] ولكي نفهم أحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام الفهم الجيد لابد من مراعاة قاعدتين اثنتين: الأولى: [ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى][2] والثانية: [أعطيت جوامع الكلم].

ولسنا عزيزي القارئ نود أن نحلل لك ألفاظ الحديث فأنت أخبر بذلك من غيرك ولكن سوف نشاركك معنا في الأبعاد: التربوية والنفسية والبدنية التي تحصلها عندما تتناول أكلة السحر في وقت السحر، وسوف نجعلها في خُماسية وهي أكثر من ذلك وزيادة …

أولا: تناول أكلة السحر عنوان على طاعتك للمصطفى:

إن تناول المسلم لوجبة السحور يحقق مقصدا من مقاصد الدين وهو طاعة سيد المرسلين، ويعلم الجميع أن لا شيء بعد طاعة الله أجمل من طاعة رسول الله، والله يقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[3] ومن إمتثل هذا حصل على هذا: «من أطاعني دخل الجنة»[4].

إن أعظم ما يصل إليه الإنسان المؤمن بالله أن يكون في تصوراته وقنعاته الفكرية، وفي أعماله وسلوكاته تَبَعُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن هذا هو بلسم الإيمان وعنوان المحبة ودليل صدقها وإلا كان الإنسان مدعيا فحسب، وليس كل من أدعى شيئا أقر له به، بل لا بد من الخضوع للقاعدة الذهبية  في القضاء «البَيِّنَة عَلَى المُدَّعِي» ولما كانت بينة الإيمان من متعلقات القلوب التي لا يمكن التحقق منها على جهة الحس كان واجبا الاحتكام إلى الاختبار والامتحان القرآني المتجلي في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]

ثانيا: تناول أكلة السحر مخالفة لليهود والنصارى:

لا يخفى على المسلم أهمية التميز في الحياة، والدين الإسلامي جاء لميز المسلمين عن غيرهم، فإذا كانت الأمم السابقة التي فرض عليها الصيام ممنوعة من الأكل بعد النوم فإن الأمة المرحومة قد أباح الله لها هذا رفعا لشأنها وتسيرا عليها، وهذا كاف ليشعر المسلم اليوم بضرورة: ألا يكون إمعة مقلدا وخاصة لمن ليس على شاكلة دينه.

إن استشعار هذا المبدأ في الحياة لهو أقوى ما تحتاجه الأمة المسلمة اليوم لخروجا من فلك التقليد الذي لا يزيدها إلا تخلفا وطمسا لذاكرتها وتغيرا لهويتها.

إن انطلاق الأمة الحقيقي لن يكون إلا عندما يستبطن أفردها فلسفة التميز ومخالفة الغير والإحساس باستقلال الذات الإسلامية، وأن الواجب عليها أن تكون تابعة لا متبوعة.

ثالثا: تناول أكلة السحر شهود لوقت الاستجابة:

إنه السحر ولا شيء غيره من الزمان يكون محطة لاستجابة الدعاء من قبل رب الأرض والسماء قال الله {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [5] وقال أيضا {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[6] فقط بأكلة السحر تكون واحدا – إذا نصبت قدميك ورفعت دعاءك لله –  من المستغفرين بالاسحار الموعودين من قبل الملك الغفار: هل من سائل فيُعطى؟ هل من داع فيُستجاب له؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟.

إن وقوة المؤمن ليست فقط بالانتساب اللفظي أو الوراثي لهذا الدين العظيم، ولكنها قوة العمل التي تحمل المؤمن أن يكون واحدا من هولأء الجند الذين يعملون على نصرة الأمة في الخفاء قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم»[7]

رابعا: تناول أكلة السحر شهود لصلاة الفجر:

الفجر طريقك إلى الجنة «من صلى البردين دخل الجنة»[8] هذا الذي يحصله المؤمن عندما يقوم لتناول وجبه السحور، فيدرك بذلك صلاة الفجر في جماعة المسلمين، وما أظن شيئا يجده المسلم في دنياة ألذ ولا أطيب من صلاة الفجر في المسجد و في وقتها.

إن صلاة الفجر في المسجد علامة صدق على صحة الإيمان، وبرهان على خروجه من مجاله النظري إلى مجاله التطبيقي، وانتقال من الفرقة والشتات إلى الوحدة والتأخي مع جماعة المسلمين والتي بداية عملها اليومي من بعد الفجر وليس إلى طلوع الشمس، هذه الأمة أنما تربعت على ذروة البناء الحضاري عندما عرفت قيمة الوقت فأحسنت الاستثمار فيه، ولم تعش كحال العديد منا اليوم الذي لا هم له سوى ( قتل الوقت)

وقد شاء الله أن تنشر هذه المقالة في زمن الكورونا، والتي حرمنا فيها من لذة الجماعة فنسأل الله جميعا رفع هذا البلاء حتى نعود إلى المساجد.

خامسا: تناول أكلة السحر راحة نفسية وقوة بدنية على الصيام:

وهذا غير محتاج إلى شرحه لأن الواقع شاهد لايرتفع، والممارسون للأعمال الشاقة يعطونك خبر اليقين وليس من عاين كمن سمع.

إن رمضان لم يأت لكي ينهك أجسام الناس ولكن جاء لأجل صحتهم بالقصد الأول (صوموا تصحوا) لكنه وضع برنامجا في هذا الصيام بدايته من السحور وخاتمه عند غروب الشمس، فمن أحسن الالتزام فلنفسه ومن أساء فعليها.

كل هذا وغيره تحققه أيها المسلم إذا ايقظت نفسك في وقت السحر لتناول وجبه السحور، لتعلم يقينا أنه صلى الله عليه وسلم: [ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى][9]


  صحيح البحاري (1923) صحيح مسلم (1095)[1]

 [النجم: 3، 4]  [2]

 [النساء: 80] [3]

 صحيح البخاري 7280 [4]

 [آل عمران: 17] [5]

 [الذاريات: 18] [6]

 سنن الترمذي  (3549 ) وهو حديث حسن[7]

 صحيح البخاري (574) وصحيح مسلم (212)[8]

 [النجم: 3، 4] [9]

المزيد من المشاركات
1 من 10
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.