منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحصار وفرج الإسراء والمعراج

بن سالم باهشام

اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

مقدمة

أكتب هذه السطور والمغاربة قاطبة في الحصار الصحي، في ليلة الأحد 27 من شهر رجب الأصب، الذي يصب الله علينا فيه الخيرات صبا، حيث منّ الله علينا بالغيث بعد فترة من الجفاف، كما منّ علينا بمحنة في طيها منحة، وهي الابتلاء بفيروس كورونا، الذي أرسله الله ليحاصرنا في بيوتنا لنراجع حساباتنا مع أنفسنا وزوجاتنا وأبنائنا حول الصلاة التي فرضت في هذا الشهر المبارك العظيم، والذي هو من الأشهر الحرم، والذي قال الله لنا في شأنها: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا، نَحْنُ نَرْزُقُكَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: 132]، و نرى مدى استجابتنا لهذا الأمر الإلهي، والمسارعة بالتوبة إلى الله تعالى، والتضرع إليه بأن يجعلنا من المقيمين للصلاة وذريتنا، لتفريطنا في أمرهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، قال تعالى على لسان أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم: 40، 41]

ظروف الإسراء والمعراج

جاءت منحة وعطاء رحلتي الإسراء والمعراج من الوهاب الرحمن الرحيم، للرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا، وللأمة الإسلامية عموما، بعد ظروف قاسية عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم في سبيل دعوة الله، نجملها في خمس ابتلاءات:

1 – فقدان النبي صلى الله عليه وسلم سنده الداخلي وهي أولى زوجاته وأم أبنائه، أمنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها التي آزرته بمالها، ونفسها.

2 – فقدان النبي صلى الله عليه وسلم سنده الخارجي، عمه أبو طالب الذي كان يؤازره ويحميه من أذى الكفار.

3 – تكذيب المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم والتضييق عليه، وعلى أتباعه، ومحاصرة دعوته في مكة.

4 – إذاية سكان الطائف الشنيعة لسيد الخلق أجمعين، صلوات الله وسلامه عليه، وتسليط صبيانهم وغلمانهم عليه، ورميه بالحجارة.

5 – انغلاق كل الأبواب الأرضية دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقيب هذه السنة بعام الحزن، وتوجهه عليه الصلاة والسلام، إلى باب الله الذي لا يغلق، وسرعة استجابة الله له، واستثمار الدعاء لمن آذوه بالهداية، والطمع في صلاح ذريتهم.

إن مع العسر يسرى

من سنة الله تعالى مع خلقه، أن مع اليسر يسرا، لهذا كانت بعد الضائقة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك السنة أن تداركه وأكرمه الرحمن الرحيم برحمته الواسعة، وآنسه بحادثة الإسراء والمعراج، وأي تكريم ومؤانسة أشد وأعظم من تكريم كهذا، إذ أتى جبريل عليه السلام ليصحب الرسول عليه الصلاة والسلام في رحلة الإسراء والمعراج.

والإسراء: هي تلك الرحلة الأرضية، وذلك الانتقال العجيب، بالقياس إلى مألوف البشر، والذي تمَّ بقدرة الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في جزء يسير من الليل، والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال، يقول تعالى في سورة الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الآية 1.

وأما المعراج: فهو الرحلة السماوية، والارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، حيث سدرة المنتهى، والذي كان في نفس اللحظة، وفرض ركن الصلاة، التي جعل الإسلام تركها كفرا، إذ كَانَ أصْحَابُ محَمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم – (لا يَرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الأعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاَةِ). رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ في كِتابِ الإيمان بإسنادٍ صحيحٍ. ثم الرجوع بعد ذلك إلى المسجد الحرام، بداية الانطلاق، يقول تعالى في سورة النجم: ( وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)، الآيات 13 – 18، وقد حدثت هاتان الرحلتان في ليلة واحدة، وكان زمنها قبل الهجرة بسنة. وقد أثير حول الإسراء والمعراج جدل طويل، وتساؤلات عدة، فيما إذا كانت قد تمت هذه الرحلة بالرُّوح والجسد، أم بالروح فقط؟ ومتى وكيف تمت؟

وعلى الرغم من أن ” الإسراء ” و” المعراج ” حدثا في نفس الليلة، ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، قبل الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، بعام واحد، وتكوُّن أول دولة إسلامية على وجه الأرض، وتغير الخطاب القرآني، من “يا أيها الناس” إلى “يا أيها الذين آمنوا”، فإن موضعي ورودهما في القرآن الكريم لم يترادفا، بل ذكر الإسراء أولا (في سورة الإسراء) في الترتيب 17 من القرآن الكريم، وتأخر الحديث عن المعراج إلى “سورة النجم” التي وضعت بعد سورة الإسراء في الترتيب 57 من سور القرآن. وقد تكون الحكمة في هذا هي جعل الإسراء الذي هو الرحلة الأرضية، مقدمة للإخبار بالمعراج، وهي الرحلة العلوية التي ذهل الناس عندما أخبروا بها، فارتد عن الإسلام وقتها ضعاف الإيمان، بينما ظل على الإيمان أقوياءه.

قال ابن القيم رحمه الله: “أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح، من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البُرَاق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد”. وانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته الأرضية كان بين مسجدين:

أولهما: المسجد الحرام: بمكة في أرض الجزيرة العربية، وهو قبلة المسلمين إلى يوم الدين، وهو أحب بيوت الله في الأرض، وأول بيت وضع للناس، قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96]، والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد، سوى المسجد النبوي والمسجد الأقصى.

وثانيهما: هو المسجد الأقصى: بأرض فلسطين، والذي بني بعده بأربعين سنة، وهو مهد الأنبياء والرسل عليهم السلام، وقد كان القبلة الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم، منذ ذلك الوقت إلى آخر الزمـان. والمسجد الأقصى من أفضل مساجد الأرض جميعا، والصلاة فيه تعدل خمسمـائة صلاة في غيره من المساجد، سوى المسجد الحرام، والمسجد النبوي.

ولم يذْكَر مِعْراج الرسول صراحةً في آيات القرآن، بل يُفْهَم منها، قال تعالى في سورة النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) الآيات 1 – 10.

في هذه الرحلة ظهر جبريل عليه السلام، على صورته الحقيقية لرسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في “الأفق الأعلى”، فاقتربا وكادا أن يتلامسا، ولكن جبريل فارق الرسول صلى الله عليه وسلم عند موضع لا تتعداه الملائكة، وقال له: إذا تقدمتَ – يا محمد – اخترقتَ، وإذا تقدمتٌ – أنا – احترقتُ. وبعد عبور هذا الموضع تجلى الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالإنعامات والتجليات والفيوضات، وأوحى إليه وحــيا مباشرا، وكانت الصلاة المعروفة لنا والمفروضة علينا، هي ما أوحى الله به لنبيه وحبيبه ومصطفاه، فإذا كان هو قد عرج الله به إلى سدرة المنتهى في تلك الرحلة المباركة، فقد جاءنا يحمل لأمة الصلاة التي هي عروج بروح كل مصل وكل مصلية، إذ قال تعالى في سورة العلق: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19]. و عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:« أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ وَغَيْرِهِ.

الخاتمة

إذا كان الاختلاف في تاريخ رحلتي الإسراء والمعراج، في اليوم والشهر والسنة، فهذا لا يضر بصلب الدين الإسلامي، ولا يلغي حكما شرعيا، أو يؤثر فيه، ما دامت الرحلة ثابتة وخبرها متواتر لا شبهة فيه، لهذا لا مشاحة في التاريخ، ما دامت الرحلة ثابتة، وأنها كانت بالروح والجسد، وأن في هذه الرحلة فرضت الصلاة، وتم الربط بين أقدس مسجدين على وجه الأرض، واللذان هما المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، وأن تحرير المسجد الأقصى اليوم، رهين بتحرير المسجد الأدنى، الذي يوجد قرب مسكن كل واحد منا، وذلك بالسعي لعمارته، وعدم التغيب عنه في كل صلاة من الصلوات الخمس، وخصوصا صلاتي العشاء والصبح، فما تخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، قَالَ الصحابي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ. فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ -صلى الله عليه وسلم- سُنَنَ الْهُدَى. وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّى هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ. وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ عَنْ أَبِى نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ. 9502، كما أنه لابد من محاسبة النفس على مدى عمارة بيت الله، وهذا لا يتم قفزا، وإنما يكون ويتحقق إن نحن أقمنا صلاة النوافل في بيوتنا بالمحافظة على الرواتب والنوافل وقيام الليل وصلاة الضحى، وكنا قدوة صالحة لأبنائنا، فتربوا على إقامة الصلاة منذ نعومة أظفارهم. والتربية تشرب وليست كلاما وأوامر، عن أَبي هريرة – رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: ( لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقرَةِ) رواه مسلم 2/188 (780) (212). وللحديث أطراف أخرى منها: “لا تتخذوا بيوتكم مقابر صلوا فيها”. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.