منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآنيون وزيف افتراءاتهم على صحيح البخاري |مداخل نقد السنة النبوية قديما وحديثا

د. لمياء أحمد عبد الدايم نصر الله

0

القرآنيون وزيف افتراءاتهم على صحيح البخاري |مداخل نقد السنة النبوية قديما وحديثا

بقلم: د. لمياء أحمد عبد الدايم نصر الله[1]

لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم هدى للناس، وأنزل معه السنة المطهرة تبياناً وتفصيلاً، قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[2]وتعهد الله تعالى بحفظ الكتاب حيث قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾[3] فكان تمام حفظه بحفظ ما يفسره ويبينه، فالسنة النبوية من الذكر الذي تكفل الله بحفظه، لأنها جاءت شارحة ومفسرة لمراد الله تعالى في القرآن الكريم.

والقرآن الكريم معجز بلفظه؛ فاقتضى أن يحاط بمزيد عناية، لذا حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُكتب بين يديه، ويجمع منذ زمن الصديق رضي الله عنه في مصحف واحد، أما السنة النبوية فقد قيّض الله تعالى لها شكلاً آخر من الحفظ، فجعل في هذه الأمة علماء جهابذة عكفوا على جمع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدوينها، وتمحيصها، بحيث ينفون عنها الزلل والخبث.

ولما كان القرآن الكريم عصيّاً على أيّ محاولةٍ للتغيير والتبديل لحفظه تامّاً في الصدور والسطور، ظنّ أعداء الإسلام أن السنة النبوية هي الطريق الأسهل لتقويض الإسلام من الداخل، ومن هنا عمدوا إلى الوضع في الحديث، حتى إذا وجدوا علماء الأمة لهم بالمرصاد، انتهج فريق منهم مسلكاً آخر، وهو رد السنة النبوية بالكلية، بحجة أن السنة النبوية لم تدون حتى القرن الثالث، فدخلها التزييف والتحريف، أو بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم وظيفته مقتصرة على تبليغ القرآن فقط، ولتأييد دعواهم أخذوا بإثارة الشبهات حول أهم مصادر السنة، والطعن في رواتها.

وقد ظهر من المعاصرين أدعياء لهذا المنهج، أسموا أنفسهم القرآنيين أو (أهل القرآن) يدّعون أن القرآن الكريم هو مصدر التشريع الوحيد، ويرفضون السنة النبوية كلّها أو جلّها، ويقومون بحملات للطعن فيها من خلال مؤتمرات ومواقع إلكترونية ومحاضرات وغير ذلك من وسائل إعلامية، وقد نال الصحيحان وصحيح البخاري خاصة الحصة الأعظم من ذلك، فاعتبروه أكبر مسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكبر خطر على الإسلام.

وقد لاحظت من خلال اطلاعي على مجموعة من مقالاتهم، أن نقدهم غير قائم على منهج علمي، وإنما تحكيم لعقولهم القاصرة في نصوص الوحي، واعتمادهم مجرد ظاهر النص دون فهم عميق لمعاني النصوص، أو معرفة بالقواعد العلمية التي يسير عليها أهل الاختصاص والدراية. لذا طمحت أن تكون لي مشاركة في هذا المشروع الهادف للتعريف بصحيح البخاري وفق منهجية علمية، بعيدة عن التعصب والشطط، فاخترت الكشف عن جانب من الطعون الزائفة فيه، والتي لا تقوم على علم صحيح أو حجة دامغة أو منهج سليم، من خلال بحث موسوم ب ” القرآنيون وزيف افتراءاتهم على صحيح البخاري”

وقد قسمته إلى مقدمة وفصليين:

  • أما المقدمة: فأذكر فيها أسباب البحث وغاياته.
  • وأما الفصل الأول فهو: في حقيقة القرآنيين ودعواهم في رد السنة النبوية.
  • وأما الفصل الثاني: ففي شبهاتهم حول صحيح البخاري.
  • ثم انتهيت إلى خاتمة بينت فيها أهم نتائج البحث.

وآمل من خلال بحثي هذا أن أُسهم في الدفاع عن حمى الإسلام، والذود عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما توفيقي إلا بالله.

الفصل الأول: حقيقة القرآنيين ودعواهم في رد السنة النبوية.

المبحث الأول: الجذور التاريخية للقرآنيين.

بدأت حركة التشويش على السنة النبوية مصدراً للتشريع الإسلامي منذ وقت مبكر من تاريخ الإسلام، وتشير المصادر إلى ثلاث فرق على وجه الخصوص: الشيعة والخوارج والمعتزلة.

أما الشيعة: فهم يَعُدُّون السنة النبوية مصدراً للتشريع عندهم على وجه العموم، ولكنهم لا يعتبرون من السنة_ أي الأحاديث النبوية_ إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أما ما يرويه أبو بكر وعمر وعثمان وأبو هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم فليس له عندهم -كما يقولون- اعتبار بمقدار بعوضة[4].

فجملة ما يرويه الصحابة مردود عندهم، لأنهم يرون الصحابة -إلا النادر-كفاراً أو فساقاً، فقد روى الكليني في ” الكافي” – وهو أصح مصدر للحديث عندهم- عن حمرآن بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ما أقلنا! لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها. قال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟ المهاجرون والأنصار ذهبوا، إلا _ وأشار بيده_ ثلاثة”[5].

ووفقاً لذلك فإنهم لا يعترفون بمصادر الحديث النبوي الشريف عند السنة، كالصحيحين والسنن الأربعة وغيرها، وإنما يعتمدون على مصادرهم، حيث إن” الاجتهاد لدى الشيعة مرتكز على الكتب الأربعة: الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق(القمّي)، والتهذيب، والاستبصار للطوسي، وهي من الأصول المسلمة كالصحاح الستة”[6] عند أهل السنة.

وهكذا فإنهم مع اعترافهم بكون السنة المصدر الثاني للتشريع، فإنهم في واقع الأمر ينكرون الأحاديث المروية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبعون مايدعون أنه الثابت عندهم.

وأما الخوارج: فهم يكفرون علياً وعثمان وأصحاب الجمل والحكَمين ومن رضي بالتحكيم وصوَّب الحكَمين أو أحدهما.[7] فالصحابة عندهم غير عدول، لا تقبل أخبارهم، لذلك أنكروا حجية السنن الشرعية، وزعموا أن لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، فأنكروا الرجم والمسح على الخفين؛ لأنهما لم يثبتا في القرآن الكريم،[8] وكذلك لم يقيموا الحدود على من قذف المحصنين من الرجال، وأقاموها على من قذف المحصنات من النساء[9]، لأنه ثبت في القرآن في قاذفي النساء دون الرجال.

هذا ما نجده قد نُقل عن أكثر الخوارج في موقفهم من السنة[10]؛ لأن كتبهم التي دونوا فيها معتقداتهم وأراءهم قد فقدت، فلا نستطيع الرجوع إليها، إلا بعضاً من كتب الإباضية،[11] والتي يظهر فيها أنهم لاينكرون السنة النبوية، حتى إنه يصح عندهم أن يخصص بها القرآن الكريم، كما جاء في أصول السالمي أن السنة المتواترة القولية تخصص الكتاب اتفاقاً، أما المتواترة الفعلية والآحاد فيقع فيهما الخلاف[12].

ووفقاً لذلك لا نستطيع أن نعمم القول بأن الخوارج كافّة قد اتفقوا على إنكار السنة النبوية المشرفة.

أما المعتزلة: فقد ذهب رئيسهم واصل بن عطاء إلى التشكيك في عدالة الصحابة، وقال: في الفريقين من أصحاب الجمل، وأصحاب صفين: إن أحدهما مخطئ لا بعينه. وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه، قال: إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، وأقل درجات الفريقين أن لا يقبل شهادتهما فلا يجوز قبول شهادة علي، وطلحة والزبير على باقة بقل، ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه[13].

وكما شكك بعض المعتزلة في عدالة أكثر الصحابة، وهم الطريق الموصل إلى الحديث النبوي الشريف، أوجب بعضهم شروطاً لقبول الأخبار تقتضي ردها كافة أو الغالب منها[14].

ولكن مع ذلك لا نستطيع الجزم بأن هذا قول كافتهم أو أكثرهم، والذي يبدو أنهم ” طعنوا في صحة بعض الأحاديث، عندما وجدوها تقف في سبيل نظرياتهم، لكنه لم يكن من مذهبهم رد الأحاديث جملة”[15]

والخلاصة: أن هذه الفرق وإن لم تكن تصرح تصريحاً ظاهراً برفض السنة النبوية مصدراً للتشريع الإسلامي، فإنها ما تزال البوابة التي يلج منها كل من أراد التشكيك في السنة النبوية المشرفة ومصادرها، وما برحت المثال المحتذى لفرقة القرآنيين، التي ظهرت لاحقاً بعد قرون عديدة، والتي تتبنى فكرة أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للتشريع الإسلامي، فنجدهم يرددون مقولات من سبقهم، ويتتبعون شبهاتهم.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهور هذه الطائفة التي تتشبث بالقرآن الكريم وتنكر السنة النبوية، فحذر من ذلك، فقال:” ألا إنّي أُوتِيتُ الْكتابَ، ومثلَهُ معهُ أَلَا يُوشِكُ رجلٌ شَبعانُ على أَرِيكتهِ يقولُ عليكُمْ بهذَا القرآنِ فما وجدْتُمْ فيه مِنْ حلالٍ فأَحلُّوهُ، وما وجدتمْ فِيهِ مِنْ حرامٍ فحرِّمُوهُ، أَلَا لا يحلُّ لَكمْ لحمُ الْحمارِ الأَهليّ، ولا كلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعاهدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتغنِيَ عنها صَاحِبُهَا، …”[16]، وفي رواية:” وإنّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَما حرّمَ الله”[17].


[1] دكتوراه في الحديث النبوي الشريف

[2]– سورة النحل/ 44

[3]–  سورة الحجر/ 9

[4]– انظر: أصل الشيعة وأصولها، محمد الحسين، ص: 289.

[5]–  أخرجه الكليني في ” الكافي” كتاب الإيمان والكفر، باب في قلة عدد المؤمنين، 2/ 24، ح(6). بلفظه وفيه زيادة.

[6]– تلخيص الشافي، السيد حسين بحر العلوم، ص: 29.

[7]– انظر: الفرق بين الفرق، البغدادي، ص: 74.

[8]– انظر: أصول الدين، البغدادي، ص: 19.

[9]– انظر: مقالات الإسلاميين، الأشعري، ص: 59. والملل والنحل، الشهرستاني،1/ 121.

[10]– انظر: أصول الدين، ص: 19.

[11]– انظر: الخوارج والحقيقة الغائبة، ناصر السابعي، ص: 24 وما بعدها. ودراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، محمد مصطفى الأعظمي، 1/ 23.

[12]– انظر: طلعة الشمس، عبد الله  السالمي، 1/ 313.

[13]– انظر: الملل والنحل، 1/49. والفرق بين الفرق، ص: 120.

[14]– انظر: الفرق بين الفرق، ص 127- 128، ص: 132، ص: 143.

[15]– دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، ص: 25. وقد ذكر أدلة من كتبهم على ذلك.

[16] – أخرجه أبو داود في ” سننه”، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، رقم: 4604 عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه بلفظه، جزء من حديث. وأخرجه ابن حبان في ” صحيحه” المقدمة، باب الاعتصام بالسنة، رقم: 12 عنه أيضاً بلفظ مقارب.

[17] – أخرجه الترمذي في ” سننه”  أبواب العلم، باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 2664 بلفظه. ثم قال:” هذا حديث حسن، غريب من هذا الوجه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.