منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأدب والأخلاق: مدرسة النقد الجديد أنموذجا

0
اشترك في النشرة البريدية

ملخص

منذ ثلاثينيات وحتى ثمانينيات القرن العشرين، سيطرت على المشهد الأدبي مجموعة متنوعة من الأساليب النقدية، التي يبدو أنها رافضة للنقد الأخلاقي. ثم أصبحت مراجعة القيمة الأخلاقية للأدب شاغلا حاسما للدراسات الأدبية. وهذه العودة إلى مسألة القيمة الأخلاقية للأدب تسعى إلى توضيح العلاقة بين علم الجمال والأخلاق. والواقع أن كلا من الفلسفة الأخلاقية — التي تربط بين النظرية الأخلاقية والدراسات الأدبية—والنقد الأخلاقي — الذي يدافع عن العودة إلى الإهتمام بالأخلاق في الأدب — كانوا ينظرون بعين الشك إلى مختلف المدارس الشكلانية الأنجلو أمريكية، وكثيرا ما أقصوا، على الأقل في الولايات المتحدة، مدرسة النقد الجديد باعتبارها مسؤولة عن تشجيع ممارسة القراءة التي لا تعتبر الأخلاقيات في الدراسات الأدبية.

لفهم المناقشات الأخيرة التي تجادل أو تعارض النقد الأخلاقي، نحن بحاجة إلى التأمل في العلاقة بين الإتجاه الشكلاني في النقد الأدبي والنقد الأدبي الأخلاقي حيث نتناول في هذا المقال مسألة العلاقة بين الأخلاق والأدب من خلال أحد رواد مدرسة النقد الجديد الأمريكية الناقد الأدبي Cleanth Brooks (1906-1994)

مقدمة: الإطار العام للنقد الجديد

Cléanthe Brooks منظر أدبي أميركي ينتمي إلى مدرسة النقد الجديد،  شارك في تحرير “مجلة الجنوب” مع صديقه Robert Penn Warren من 1935 إلى 1942 وقضى الكثير من حياته في جامعة Yale، حيث علم الأجيال من الطلاب الأمريكيين قراءة الشعر والقصة بالشكل الصحيح حسب رأيه. كما ساهم بشكل كبير في السمعة الأدبية لزميله الجنوبي William Faulkner وأثر في الدراسات الأدبية الأمريكية من خلال أعماله، خصوصا كتابه “فهم الشعر (1936)، “الشعر الحديث والتقاليد (1939) والإناء محكم الصنع (1947).

ركز الجيل الأول من رواد مدرسة النقد الجديد، أمثال John Crow Ranson، Allen Tate، Robert Penn Warren، وCleanth Brooks، على القيمة الجمالية للأدب التي تتمحور أساسا عند Brooks حول التركيز ليس فقط على منهجه الأدبي، بل أيضا على رؤيته للأزمة الثقافية التي ينظر إليها على أنها الأزمة الروحية للعصر. الواقع أن نظرية النقد الجديد منذ البداية تهتم أيضا بالإصلاح الاجتماعي والروحي حيث تطور النقد الأدبي مع المدرسة إلى نشاط خاص يصاحبه المدلول الديني. على مدى سنوات عديدة، ومن خلال النظرة المعيارية فإن النقد بالنسبة للمدرسة يعتبر ممارسة مؤسساتية؛ بمعنى أنه يمارس وظيفة مؤسساتية. حاول Brooks أن يكون ثابتا في الدفاع عن وجهة نظره النقدية الشكلانية، ولكن نظرا للطريقة التي يمزج فيها المناقشات الدينية والنقدية معا على نفس النمط من الفكر، تمتد نظريته النقدية إلى ما هو أبعد من الإتجاه الشكلاني للأدب.

 

المزيد من المشاركات
1 من 52
  1. ظلٌّ المفهوم الأخلاقي

لفهم الكيفية التي يحدد بها Brooks، ويعرف بها نظريته للنقد الجديد، يتعين علينا أولا أن نفهم سياق الفكر الثقافي والأخلاقي الذي يتجلى في عمله الذي ساهم في المناقشة الدائرة بين المدافعين عن النقد الأخلاقي والقيمة الأخلاقية للأدب، وبين أنصار الشكلانية في الأدب والنقد. حاولت هذه المناقشات الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كانت القيمة الأخلاقية والجمالية للأعمال الفنية مستقلة عن بعضها البعض، أو على العكس من ذلك، مترابطة فيما بينها. كان Brooks يناضل باستمرار ضد الأحكام المسبقة التي قابلها هو وكثيرون غيره. في وقت مبكر جدا شارك في محاولة لإصلاح المجتمع الأمريكي، وتحدث ضد الفوضى الاجتماعية وتأثير المجتمع الصناعي.في مجال الأدب أكد على أن “ظل Matthew Arnold لا يزال يمتد إلى عصره، وأن النقاد الشكلانيين هم وحدهم الذين يرفضون بشكل كامل Arnold لأنهم يدركون الآثار المترتبة على ذاك الامتداد” (581978, 357- Keast). حاولBrooks دحض مفهوم Arnold للشعر مؤكدا على أن الشعر في نظر Arnold يتحمل عبء إعطاء القيم للحضارة ويعزو إلى الشعر الوظيفة التي كان الدّين يؤديها من قبل.

يتجلى مفهوم Arnoldللشعر في تحديده للعنصرين الأساسيين للثقافة الغربية وهما الدين والأخلاق من ناحية، والفهم والجماليات من ناحية أخرى.  الهبرية (أو الوعي الأخلاقي) والهلينية (أو الذكاء النقدي) بين هاتين النقطتين يتحرك العالم حسب Arnold. ينطلق هذا المفهوم لدى Arnoldمن الإعتقاد بأن عدم الإهتمام بما يسميه الثقافة هو نتيجة وإشارة إلى غياب التعليم السليم. هذا النوع من التعليم الذي يسعى إليه لا يوفره إلا الشعر. في المقال الشهير “دراسة الشعر” (1888) يحدد Arnold بوضوح مسألة أن الشعر هو وسيلة لتثقيف أنفسنا بالقيم. وفي الفقرة الافتتاحية، يؤكد على أن الشعر يعمل كمقياس للحقيقة و”نقد للحياة” (Arnold 1961, 3-7). هذا الموقف يأتي نتيجة عزمه تغيير موقف المجتمع تجاه الفن، لجعله يقبل الشعر كوسيلة للثقافة. لذا فهو يقيم علاقة وثيقة بين الشعر والحياة. لأن الشعر في نظره له وظيفة روحية مقدسة، وله القدرة على فهم الحياة.

يشكل هذا الرأي لدى Arnold موقفا أخلاقيا اتجاه الأدب ويحدد فيه ما ينبغي أن يكون عليه الشعر. يأتي هذا المفهوم الثقافي الذي يسوغه Arnoldإستجابة للتحدي الذي يشكله العلم للدين وللمجال الروحي وتعود الأسباب التاريخية لمناقشة التأثير السلبي للعلم على الثقافة ودراسة الأدب، على الأقل، إلى كتابه “ثقافة وفوضى في عام 1869. وهذا الكتاب، كما عبر عنهHans Bertens في كتابه “ا لنظرية الأدبية: الأساسيات (2001)، “يشكل معارضة ثنائية بين الثقافة – التي تعني بالنسبة ل Arnoldالاتساق والنظام من جهة، والفوضى وانعدام القانون من جهة أخرى” (172).

بما أن حجة العلم تثير الشك في قدرة الدين على حل المشاكل التي تواجه العالم الحديث، يبحث Arnold عن بديل للمحافظة على مكانة الوعي الأخلاقي والقيم الأخلاقية. فهو ينظر إلى الشعر الملائم على أنه أداة للتجربة الروحية الحديثة. فعلى هذا الأساس تتبع مناقشات Arnold حول الثقافة والأدب ثلاثة مسارات: المكانة التي يعطيها للشعر، وأهمية التعليم، وضرورة النقد. معظم النقاد الذين أتوا بعده تعاملوا مع إحدى، أو كل هذه المحاور.

أيا كانت الثغرات التي قد تكون في موقف Arnold من الشعر والثقافة، فإن أفكاره على الأقل كان لها تأثير إيجابي في إلهام المناقشات الكبرى، في زمنه الخاص ولاحقا، في النقد الأدبي والدور الأخلاقي والاهتمام بالأدب. إن قوة Arnold Matthew، كما أراها، تكمن في الصراحة والانفتاح اللذين يحملهما في العودة الشاملة إلى المعايير الأخلاقية. وهذا ما يفتقر إليه العديد من النقاد الآخرين في دفاعهم عن القيم الأخلاقية. اهتمام Arnold بالشعر لم يكن غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإبراز القيم الأخلاقية. وهذا ما يجعل بعض النقاد الآخرين يعتبرونه ناقدا أخلاقيا صرفا.

يعتقدT.S.Eliot، مثله مثل Arnold وأتباعه، أن الثقافة في خطر بسبب الدور المتزايد للعلم وأنه يشعر باستياء كبير اتجاه العالم المعاصر، الذي يرى أنه يفتقر إلى الوئام والنظام. في موقفه من التقاليد يشبهEliot تقريبا الموقف الذي يعطيه Arnold “للهلينية”. بيد أن مفهوم Eliot للتقاليد يحاول حل الصراع بين موقفي Arnold المتعارضين، والانقسام داخل النفس الفردية، بين الفكر والشعور. فالحل الذي قدمه Eliot يرتبط بمفهوم “الحس الموحد” الذي يحمل معه هذا المفهوم: “دمج الفكر والعاطفة . . . وهو شرط مطلق للشعر الجيد الذي يحد بشكل كبير من قائمة Eliot للشعراء المجيدين” (Bertens 2001, 13). يعتبر Eliot من بين النقاد الأوائل الذين ناقشوا العلاقة بين التقاليد والحس الفني. فهو يعتقد أن الشعر القوي والجيد هو الذي يتمسك بالتقاليد ويجمع بين العقل والعاطفة.

بدلا من صرف الإهتمام إلى مناقشة وظيفة الأدب الإجتماعية، كما يفعل Arnold، يٌحوّلٌ Eliot النقاش ليشمل طبيعة الأدب. يبدأ Eliot بصياغة أفكاره الخاصة بشأن قضية الثقافة والنقد الأدبي ويعتقد على أن الطريقة التي يدافع بها Arnold عن الأخلاق، بشكل عام، في الشعر ليست واضحة. لدى قام Eliot بإنتقاد الآثار الأخلاقية والدينية للتشويش على الشعر والأخلاق في محاولة Arnold إيجاد بديل للحقيقة الدينية والإيمانية. فكما ينظر Eliot إلى الأمر، لا يمكن للشعر أن ينحدر إلى غرس الأخلاق؛ وهو ليس دينا ولا يمكن أن يكون بديلا للدين. وجهة نظرEliotهي ببساطة: “لا شيء في هذا الواقع ولا الذي بعده يشكل بديلا لأي شيء آخر؛ وإذا وجد أنه يجب على الشاعر أن يتعامل في شعره من غير عقيدة دينية أو تصور فلسفي، فلا بد له أن يستغني عن ذلك” (1986, 113 Eliot). يرفض Eliot فكرة استبدال الشعر بالدين أو البحث عن الجانب الديني في تجربة شعرية. إلا أن هذا لا ينفي، في رأيه، أن للشعر علاقة بالأخلاق وبالدين. كلاهما في نظره ضروري لتطوير الحس الشعري.

مع اعتراضه على النقد الأخلاقي ل Arnold طور Eliot نظريته عن النقد الأدبي التي يميز فيها بين النقد الادبي والنقد الأخلاقي الذي يهتم أساسا في نظره بآثار الأدب على المجتمع. إن النظرية النقدية التي أسسها Arnold، كما يرى Eliot، تساعدنا كثيرا على التمييز بين جانبين لهما أهمية كبيرة، حيث “يعود [له] الفضل في طرح القضية الدينية بوضوح في مناقشة الأدب والشعر” (127). فعيله فإن Eliot يثمن ويرحب بفكرة مناقشة القضايا الأخلاقية في الأدب لكنه يرفض الطريقة التي يدافع بها Arnold عن أطروحته. هكذا يأتي Eliot ليحسم مسألة القيم الأخلاقية والتجربة الجمالية أو الشعر. ما يحتاجه الشاعر هو توحيد الحس لتحقيق الانسجام واستقرار النفس لأن مسألة الإنقسام داخل الروح الفردية هي التي تجلب العالم الحديث إلى الحياة الفوضوية الكاملة وهزيمة الأخلاق. الملاحظ هنا، هو أن كل النقاد المذكورين في هذا الباب يتناولون فكرة الحس المنقسم، ويصفون الأزمة في الثقافة على أساس هذا الانقسام بين القلب والعقل.

كان لكتب I.A. Richards معنى المعنى (1923)، مبادئ النقد الأدبي (1924)، “العلم والشعر (1926) و “النقد العملي (1929) أثر كبير على دراسة الأدب. ومثله مثل العديد من المفكرين في عصره، يشعر Richards أيضا بالقلق إزاء ما يعتبره الأزمة الروحية وفقدان التوجه الأخلاقي في عالم معاصر يبدو وكأنه يقاد نحو الفوضى. وللتغلب على الأزمة الثقافية للمجتمع الحديث، يعتقد Richards، كما توقع Arnold الرجوع إلى الشعر لقدرته على إنقاذنا؛ لأنه وسيلة للتغلب تماما على الفوضى.

يرى Richards أن عمل الشاعر هو “إخراج النظام من الفوضى”، و” ترتيب ما يعتبر في معظم العقول فوضى” ( ,461970 Richards). فعقل الشاعر يمثل “توافق الدوافع التي لا تزال في معظم العقول مشوشة ومتداخلة ومتضاربة” (46). لذا فإن قراءة الشعر بشكل جيد، حسب رأيه، يجب أن تكون بالتركيز على الشعر نفسه. بتركيزه على القيمة الجمالية والسمات الرسمية للشعر مهد Richards الطريق لغيره من النقاد الذين تفاعلوا أيضا ضد “الخلط بين الدين والجمال عند Arnold مع زيادة التأكيد على الاهتمام بالموضوع الفني، لغته وشكله. ومن بين هؤلاء النقاد يبرز رواد مدرسة النقد الجديد الذين فهموا مشروعهم بأنه التركيز على النص الأدبي نفسه لفهم معناه الذي لا يمكن إعادة صياغته.

  1. النقد الإحترافي

كان النقد الجديد لفترة طويلة هو المعتقد السائد في أقسام الأدب في الجامعات الأميركية. ولكن من هم النقاد الجدد على وجه التحديد؟ في كتابه “النقد الجديد (1941)، الذي أعطى الحركة اسمها، تعامل الشاعر والناقد John Crow Ransom مع شخصيات مؤثرة مثل T.S.Eliot، I. A. Richards، William Empson، وYvor Winters. لكن معظم الطلاب والمدرسين الملمين بالحركة في سنواتها الأخيرة، يعرفون المدرسة بأقطابها ا الرئيسة وهم John Crowe Ransom نفسه، Cleanth Brooks، Robert Penn Warren، Allen Tate، وR. P. Blackmur. وكان أبرزهم من الجنوب. إذا، ما هو النقد الجديد؟

كان الجيل الأول من مدرسة النقد الجديد، بما في ذلك Brooks، يعتقد أن التعليم الأكاديمي فشل بسبب أوجه القصور في تدريس الأدب وقراءته. وعلى هذا فقد انضم هؤلاء النقاد الجدد بإقبال شديد إلى المعركة الأكاديمية لوضع الجامعات في المسار الصحيح حسب اعتقادهم نحو النقد الأدبي. بدأ دور Brooks كمدافع عن النقد الجديد في أوائل الثلاثينيات. لم ينضم لحركة Ransom عندما كان هذا الأخير ومجموعته مهتمين بإصلاح المجتمع الأمريكي اقتصاديا وسياسيا؛ لكنه كان يعتقد، كما فعلت مجموعة Ransom منذ عام 1936 فصاعدا، أن الدراسات الأدبية من الممكن أن تنظر إلى الأدب بشكل مستقل عن النظرية الزراعية. ثم ساعد Brooks النقاد الريفيين في وضع إستراتيجية لفصل نظريتهم الخاصة للأدب عن أيديولوجيتهم الزراعية. وبالتالي فإن الجيل الأول من النقاد الجدد أكد على القيم الجمالية للأدب.

قبل تقديم ودعم برنامجهم التعليمي ونظرياتهم النقدية حول كيفية تدريس الأدب في الجامعات والكليات، وجدت مجموعة Ransom أنه من الضروري محاربة المناهج السائدة. حتى ظهور النقاد الجدد، كانت الفيلولوجيا والتاريخ الأدبي تهيمن على قاعة الصف الأدبي في الكلية الأميركية. وكان اعتراض النقاد الجدد على المناهج القائمة في مجال المنح الدراسية الأدبية هو أن هذه الأخيرة هي شكل من أشكال الوضعية التي لم تتمكن من تحديد “خصوصية النشاط الأدبي” Jancovich1993,68)). يقدم Mark Jancovich تقييما واضحا للكيفية التي كانت عليها الأمور في الوقت الذي أطلق فيه النقاد الجدد حملتهم ضد التوجهات الأدبية القائمة. وفي هذا السياق، كانت المنح الدراسية الأكاديمية تركز فقط على السير الذاتية للمؤلفين ونبذة عن الجنس الأدبي. وعلى نحو مماثل، تجاهلت النزعة الإنسانية الجديدة والماركسية خصوصية النشاط الأدبي. اعترض النقاد الجدد على المنهج الإنساني الجديد (Irving Babbittو Paul Elmer More) الذي يستند فقط إلى القيم الأخلاقية. أما النقاد الماركسيون، وفقا للنقاد الجدد، فقد كانوا على نحو مماثل “أخلاقيين” في نهجهم لدراسة الأدب. وعلى حد تعبير Ransom فإن “النقاش لا يمكن أن يحدث أبدا بين النقد الإنساني والنقد اليساري على أسس جمالية، لأن نقاشهم مبني على القيم الأخلاقية” Ransom1968,334)).

وفقا للنقاد الجدد، فإن هذه المناهج كانت مهتمة بمحتوى الأدب. فقد ضعفوا بدلا من تعزيز موقف الدراسات الأدبية. غير أن إصلاح النظام التعليمي، كما يرى Brooks، لابد أن يمر عبر طريق واحد محدد وهو تحسين طريقة تدريس الأدب وقراءته، ثم مساعدة الطلاب على فهم طبيعة الأدب ووظيفته بشكل صحيح. ودفع هذا الاقتناع Brooks وWarrenإلى توضيح العلاقة بين الادب والتخصصات الأخرى في الرسالة الافتتاحية التي وجهها لمدرسي الأدب في كتابهما  فهم الشعر (3819) والتي تشتمل على التحذير التالي: “إن هذا الكتاب قد تم تصوره من خلال افتراض أنه إذا كان الشعر يستحق التعلم على الإطلاق فإنه يجب تعليمه كشعر . . . فالميل نحو إيجاد بديل للقصيدة كموضوع للدراسة هو إفراط” (xiii)). في تعليقاتهم للمدرسين، رسم Brooks وWarren ما اعتبروه الأخطاء التربوية الأكثر شيوعا في مجال المنح الأدبية في الثلاثينات، والتي يقولون إنها تمنع الطلاب من تعلم القراءة الصحيحة للقصيدة كقصيدة:

  1. 1) إعادة صياغة المحتوى المنطقي والسردي
  2. 2) دراسة السيرة الذاتية والمواد التاريخية
  3. 3) التفسير التقريري والمستلهم (xi)

من خلال كتاب فهم الشعر رغب Brooks وWarren في جعل مؤسسة النقد الإحترافي قابلة للتحقيق. يوضح الكتاب معالم شعرية للطلاب، ويعترض على فكرة أن الشعر يدرس فقط إذا كان يحتوي على رسالة محددة وفكرة معينة. ويعتبر Jancovich بأن هذه الكتب النصية “ربما كانت النشاط الوحيد الأكثر أهمية في هذه الفترة” (68). فقد أيد ت مدرسة النقد الجديد نظرية استقلالية الشعر، بمعنى أن التجربة الشعرية لابد أن تكون منفصلة عن الأنشطة البشرية الأخرى ولا يجوز لها أن تكون بديلا عن الدين أو الأخلاق أو أي نوع آخر من الانضباط.

  1. 3. الأدب وطبيعته

المسألة التي تناولها Brooks كناقد عملي هي ما إذا كانت القصيدة قادرة أن تستقل بمفردها عن أي سياق إجتماعي أو تاريخي، أو فكرة الكاتب، أواي انشغال أخر. في نظر Brooks، لا علاقة لغرض الكاتب بمعنى العمل الفني: “من المألوف ان يكتب الشاعر أحيانا أفضل مما يعرفه، وللأسف أحيانا يكتب اسوأ مما يعرفه” (1978, 322 Keast). وصف النقاد الجدد أي محاولة للنظر إلى علاقة المؤلف بالنص الأدبي ب “المغالطة المتعمدة”، وأي محاولة للنظر إلى استجابة القارئ للنص يسمونه “المغالطة العاطفية”.  فمفهوم الأدب والشعر والأدلة التاريخية لدى Brooks ينطوي على موقفين: من ناحية، يزعم Brooks أنه أثناء قراءة عمل أدبي، لا ينبغي للقارئ أو الناقد أن يتمسك بأجزاء من الأدلة التاريخية، مثل السيرة الذاتية للمؤلف، السياق التاريخي والثقافي، أو غرض الكاتب. ومن ناحية أخرى، يحتاج الشاعر أو الفنان، في رأي Brooks، إلى أن يشير إلى نفسه ويغوص في أمور التاريخ والتقاليد. لكن في مقدمة كتابه الإناء محكم الصنع، يلاحظ Brooks “أن المزاج في عصرنا يتسم بقدر كبير من النسبية. وقد أبهرتنا ضرورة قراءة قصيدة من حيث سياقها التاريخي.” وفي مواجهة هذا المسألة يؤكد Brooks على أنه “إذا كانت هناك محاولة لدراسة الشعر كشعر له معنى مستقل بداته، فيجب بذل المحاولة، وإلا يصبح شعر الماضي مهمًا فقط باعتباره أنثروبولوجيا ثقافية، وشعر الحاضر، مجرد أداة سياسية أو دينية أو أخلاقية” (xi (.

يؤكد Brooks، على أن الوظيفة الأساسية للأدب هي “عدم إقرار الجانب العقدي، بل الأدب يمدنا بالشعور الذي يجعلنا ندرك كيف نعيش كأشخاص أو أن يكون لدينا إيمان معين. ولا يتمثل دور الأدب الحقيقي في تعليم الأفكار المجردة، ولكن في إضفاء الطابع الدرامي على حركات الروح “) Brooks 1995,212). المتتبع لكتابات Brooks، يجد أن الخصائص الأساسية التي يٌعرّف بها طبيعة الأدب متجانسة مع معتقداته الدينية. ولا أقصد بذلك فقط أن معتقدات Brooks الدينية ودوافعها لها تأثير كبير على نظريته في الأدب، ولكن بالأحرى أن توجهه العام نحو النظرة الإنسانية والعمليات الأخلاقية يمكن فهمه بشكل أفضل من خلال الروحانية المسيحية والتفاني الديني ل Brooks. يتساءل Brooksعما يبحث عنه القارء لدى الكتاب الجديين. “يبحث المرء عن صورة للإنسان، محاولاً في عالم مجرد من الإنسانية بشكل متزايد أن يدرك نفسه كإنسان – أن يتصرف ككائن أخلاقي مسؤول، وليس أن ينجرف كأنه مجرد شيء” Brooks1963, 4)).

من خلال هذه المفاهيم يحدد Brooks مفهومه للأدب. يقدم الأدب من وجهة نظره، رؤية للواقع ذات أهمية عميقة للمسيحيين بقدر ما هو مخلص لحقيقة التجربة الإنسانية. هذا التبرير للمعتقدات المسيحية يعتمد في النهاية على نظرة Brooks الإنسانية وما يترتب عنها. بالنسبة له، كل من الأدب والدين ضروريان في عصرنا. على حد تعبيره: “طوبى للرجل الذي يملك كليهما: الدين والشعر، الايمان والخيال، الواحد يكمل الآخر” Brooks 1995, 61)61). وإيمانا منه بأن الصعوبة الحقيقية التي تتحدى المجتمع المعاصر هي كيف يعيش المرء كإنسان، فإن Brooks، كما يفعل العديد من الكتاب الآخرين، يعطي الأدب دورا بارزا، وهو أمر أخلاقي صرف. وهكذا فإن مشروع Brooks وأيديولوجيته كلها تستند إلى جهوده لتحديد كيفية نقل المعنى وتقديمها للتوصل إلى تفاهم أفضل بين أطراف المجتمع.

  1. المعرفة الشعرية

منذ البداية، كما يتضح في كتاباته الأولى، يرى Brooks أن القصيدة هي شيء يتعلق بالحياة البشرية، وهذا يقدم لنا نوعًا خاصًا من المعرفة. ينقل الأدب، بشكل عام، معرفة مشتركة وعالمية تجعل القارئ يدرك نفسه و “لا يفهم نفسه فقط كإنسان في العصر الحديث، ولكن يفهم أيضا الحالة الراهنة للحضارة التي ترعاه” Brooks 1995,187)). ويزعم Brooks أن الشعر يشتمل على نوع من “المعرفة المفيدة” (187). من خلال عيش التجربة الشعرية، يتعلم القارئ كيف يصبح نشطا ومتحركا بينما يحاول استكشاف القصيدة. هذه التجربة ليست شخصية أو فردية، بل عالمية، وهي متجذرة في أساس المصالح البشرية. هذه الحقيقة تثير لدى القارئ الشعور بإنسانيته. يعتبر Brooks أن هذا هو التغيير الحقيقي الذي يمكن أن يحدثه الشعر في المجتمع. فالشعر يدفع بأعضاء المجتمع للعيش في شراكة، لأنهم يتشاركون نفس التجربة الإنسانية العالمية. فالشعر يقر عبر الكلمات بوظيفة أفراد المجتمع وقدرتهم على “خلق إنسانيتهم” Warren23) Brooks). يلخص Brooks قائلا: “العالم المتخيل، وهو العالم الذي تم إنشاؤه من خلال قصيدة أو مسرحية معينة أو رواية تحكمه غريزة إنسانية.  يجب أن يتم الأمر على هذا النحو، لأن كلماتنا تم إنشاؤها من قبل البشر ولعبت إلى حد ما دورها في خلق الإنسانية” (25).

لذلك، وفقا ل Brooksفإن “القصائد ليست خطب أو أجزاء من الدعاية أو الصيغ العلمية.  إنها أمثلة درامية للمواقف.  لقد تم إنشاؤها بواسطة الخيال، وإذا أراد القارئ أن يدركها بالكامل، فيجب أن يوظف خياله. ومع ذلك، من المؤكد أن هذا هو السبب في القصائد لا تحتوي فقط على المعرفة – المعرفة الخيالية – معرفة كيف يمكن أن نعيش في عالم ما – ولكن الحكمة أيضًا” (Brooks 1995, 193-4) تثير رؤية Brooks للنقد الجديد أسئلة حول الكيفية التي تؤدي بها القراءة الصحيحة للأدب إلى فهم أفضل للوضع الثقافي، بما في ذلك الأزمة الروحية في العصر الحديث. الدور الذي ينسبه Brooks إلى الأدب هو المعرفة. فالأدب بالنسبة له هو نوع خاص من المعرفة. فهو يساعدنا على فهم أنفسنا، وإدراك الأزمة الثقافية. هذا هو نوع المعرفة التي يمكن أن يقدمها لنا الأدب. وهي “نوع من المعرفة الداخلية، معرفة لأعماق النفس”. وكما يرى Brooks فإن هذه المعرفة “توقظ وتنمي قوتنا الخاصة وسلطاتنا الخيالية التي تمكننا من الاستجابة للواقع، والتمييز الصحيح في إدراك الحقيقة في أي ظرف” (198). هذا ما سماه Paul Ricoeur “نشاط الخيال” (1978, 176).

  1. توضيحات حول النقد الجديد

الكثير من النقاد يفترضون أن يكون Brooks وزملاؤه يوْمنون، بشكل عام، فقط بجمالية الأدب وأنه تجربة جمالية بحتة منفصلة عن المصادر الرئيسة للواقع، تتجنب القيم الأخلاقية. ولأنهم ينظرون إلى “النص باعتباره كائنًا منظمًا بعناية يحتوي على أنماط رسمية يمكن ملاحظتها” (Ray 1988, Murfin,) ، يعتبر العديد من النقاد النقد الجديد نهجًا نصيًا “شكلاني” للأدب. بيد أن هذا التعريف يظل ناقصا إذا ما أهمل الجانب الأهم في المدرسة الذي يحدد وبشكل عميق طبيعة النقد الجديد.

الموضوع الذي سعى Brooks إلى معالجته، على حد تعبير Mark Royden Winchell، “هو الموضوع الذي ابتليت به الحضارة الغربية على الأقل منذ زمن ديكارت: كيف نجد مكانا للفن (في هذه الحالة الأدب) في عالم حيث تسود العلوم إلى أعلى مستوى؟” Winchell 1996, 425)). ولتناول هذا الموضوع، اقترح Brooks، وأصر على أن يشير أيضا في كتاباته اللاحقة، إلى أنه ينبغي أن نذكر أنفسنا بأسئلة البعد الإنساني والأخلاقي التي تحيا بها الحضارة، والتي لا يمكن للعلم أن يقدم أجوبة عنها. ومع ذلك، فهو يرى ويلاحظ على أن الأدب في مشكلة حيث يجب الدفاع عن دوره الأكبر في وقت يكون فيه الرأي الشائع هو أن الأدب ليس سوى متعة، مجرد هواية. يعتقد Brooks، أن الرأي السلبي الذي لدى المجتمع عن الأدب، وخاصة الشعر، ينتج عن سوء تدريس الأدب. واتهم المدرسين والنقاد وأهل الإختصاص بالترويج لطرق غير ملائمة لتعليم الادب داخل الكليات والجامعات. ولكنه عزا هذا الموقف السلبي من الأدب أيضا إلى طبيعة العصر نفسه. ويعتقد Brooks أن العصر التكنولوجي “يواجه صعوبة في إيجاد دور ملائم للأدب” (,2631995). فبالنسبة له، تعد الادب والإنسانيات عموما “تكملة ضرورية لأنشطتنا التكنولوجية والصناعية” (263). الشعر والأدب، في ضوء هذه النظرة، هو قوة في مجتمع صناعي تكنولوجي.

فدور الأدب، في رأي Brooks، هو تزويد العصر بالحكمة التي تعتبر جانبا من العلاقة الوثيقة بين الشعر والأخلاق. أي أن الشعر قادر على إعطاء القدرة على إختيار الغايات الصحيحة، وهو أمر مهم جدا. إن عصر التقدم التكنولوجي والعلمي، وفقا لBrooks، يحتاج إلى الأدب. فالحكمة تتطلب أنه بجانب إستخدام الآلات، ينبغي أن يكون هناك أيضا إختيار مناسب للأهداف التي توضع من أجلها هذه الآلات. ويزعم Brooks أن الآلات لا تقدم في حد ذاتها أي توجه أخلاقي لاستخدامها على النحو اللائق. يعتقد الجيل الأول من النقاد الجدد، بما في ذلك Brooks، أن التعليم في الأكاديمية فشل بسبب أوجه القصور في التدريس وقراءة الأدب. على هذا النحو تعهد النقاد الجدد بمناقشة مكان الشعر والأدب في المناهج الجامعية إلى جانب العلوم الصرفة. وركزوا على العلاقة التكميلية بين العلم والشعر.

خاتمة

إن قضايا مثل الأدب والتعليم الأخلاقي، والأدب والمواطنة، تشكل العودة إلى النقد الأخلاقي في صميم المناقشات الدائرة حول الدور الإنساني المنسوب إلى الأدب. هذا ما أكده Brooks او بالأحرى رواد مدرسة النقد الجديد في إعطاء الأدب صبغة القيم الأخلاقية في الشعر لأنه يرتبط أخلاقيا ودينيا بإصلاح المجتمع. فيما يتعلق ب Brooks فقد كان منزعجا من إختفاء الحس التقليدي للمجتمع، وغياب الايمان المسيحي، وأخيرا من سوء فهم دور الادب في المجتمع. وهذه في رأيه الجوانب الرئيسة للأزمة الثقافية الحديثة.

للتغلب على الأزمة الثقافية التي يمر بها المجتمع الحديث، يقترح Brooks حلين مختلفين: العودة إلى المعتقدات المسيحية كما كانت تمارس تقليديا في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية قبل حرب الشمال والجنوب، وتأسيس النقد الأدبي الأكاديمي الذي يدعو إلى أساليب عقلانية ودقة في قراءة وتدريس الأدب.

يعزو Brooks إلى الأدب وظيفة تعليمية تساعد الطلاب على تنمية إنسانيتهم واكتساب الشعور بالارتباط مع الآخرين.

 

المراجع المعتمدة

Arnold, Matthew, and A. Dwight Culler. Poetry and Criticism of Matthew Arnold Edited with an Introduction and Notes by A. Dwight Culler. Boston: Houghton, 1961.

Bertens, Johannes Willem. Literary Theory: the Basics. London: Routledge, 2001.

Brooks, Cleanth, and Robert Penn Warren. Understanding Poetry: an Anthology for College Students. New York: Holt, 1938.

Brooks, Cleanth. The Well Wrought Urn: Studies in the Structure of Poetry. New York: Harcourt, Brace & World, 1947.

Brooks, Cleanth, The Hidden God: Studies in Hemingway, Faulkner, Yeats, Eliot, and Warren. New Haven: Yale Univ. Press, 1963.

Brooks, Cleanth, Community, Religion, and Literature: Essays. Columbia: University of Missouri Press, 1995.

Eliot, T. S. The Use of Poetry and the Use of Criticism. Cambridge: Harvard University Press, 1986.

The Foundation and Application of Moral Philosophy: Ricoeur’s Ethical Order. Leuven: Peeters, 1978.

Jancovich, Mark. The Cultural Politics of the New Criticism. Cambridge: Cambridge University Press, 1993.

Keast, William R. Seventeenth-Century English Poetry: Modern Essays in Criticism. London: Oxford University Press, 1978.

Murfin, Ross C., and Supryia M. Ray. The Bedford Glossary of Critical and Literary Terms. Boston, MA: Bedford/St. Martin’s, 1998.

Ransom, John Crowe. The World’s Body. Baton Rouge: Louisiana State University Press, 1968.

Richards, Ivor A. Science and Poetry. London: Kegan Paul, Trench, Trubner, 1970.

Winchell, Mark Royden. Cleanth Brooks and the Rise of Modern Criticism. Charlottesville: University Press of Virginia, 1996.

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.