منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دراسة حديث: عُرَى الإسلامِ

دراسة حديث: عُرَى الإسلامِ/ كمال كٌورَري

0

دراسة حديث: عُرَى الإسلامِ

بقلم: الطالب كمال كٌورَري

نص الحديث:

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لتُنقَضَنَّ عُرَى الإسلامِ عُروةً عروةً، فكلما انتُقِضَت عروةٌ تشبَّثَ الناسُ بالتي تليها، وأولُهنَّ نقضًا الحكمُ وآخرُهن الصلاةُ. ‘‘[1]

حديث حسن رواه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده،

ترجمة مخرج الحديث

هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني (164 هـ-241 هـ / 780 -855م) فقيه ومحدِّث مسلم، ورابع الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي. اشتُهر بعلمه الغزير وحفظه القوي، وكان معروفاً بالأخلاق الحسنة كالصبر والتواضع والتسامح، وقد أثنى عليه كثير من العلماء منهم الإمام الشافعي بقوله: «خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل»، ويُعدُّ كتابه «المسند» من أشهر كتب الحديث وأوسعها.

أكثر العلماء من الثناء على أحمد بن حنبل قديماً وحديثاً، ومن ذلك قول الإمام الشافعي: «ثلاثة من عجائب الزمان، عربي لا يُعرب كلمة، وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة، وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئاً صدقه الكبار، وهو أحمد بن حنبل»، وقال أيضاً: «خرجت من بغداد وما خلفت بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل». وقال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: «أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة»[2].

روايات أخرى للحديث [3]

حدَّث به أيضا: الإمام المنذري في الترغيب والترهيب (الحديث رقم 1/263)، الإمام البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (الحديث رقم 1/263) ، والشيخ الألباني في صحيح الترغيب وصحيح الجامع (الحديث رقم 572 و5075) بنفس المتن مع بناء فعل انتقضت للمعلوم عوض رواية أحمد المبنية للمجهول.

 ورويت فيه رواية الحاكم (حديث رقم 7217) في المستدرك أيضا بتأنيث العرى فجاءت : “لَتُنْتَقَضَنَّ” وكلها أخرجت بإسناد صحيح.

و بصيغ متن أخرى بزيادة ألفاظ مثل: “ليُنقَضَنَّ الإسلامُ عُروةً عُروةً كما يُنقضُ الحبلُ قوَّةً قوَّةً ” بحذف العرى و زيادة  ” كما يُنقضُ الحبلُ قوَّةً قوَّةً” عند الوادعي في صحيح دلائل النبوة و الصحيح المسند  (الحديث رقم  647 و 1063) و شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند لشعيب (الحديث رقم 18039).

كما رُوي مختصرا بلفظ “ليُنتقضُ الإسلامُ عُروةً عُروةً” مع حذف نون التوكيد في رواية فيروز الديلمي[4] (الحديث رقم 1/263)،حدَّث به محمد جار الله الصعدي في النوافح العطرة بإخراج حسن.

 و ذُكرت لفظت انتقاض عُرى الإسلام في رواية مطولة عند الإمام المحدث الحاكم النيسابوري برواية عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة في المستدرك على الصحيحين (الحديث رقم 8669)  : عن حُذَيفةَ رَضيَ اللهُ عنه، قال: أوَّلُ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الخُشوعُ، وآخِرُ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الصَّلاةُ، ولَتُنْقَضَنَّ عُرى الإسلامِ عُروةً عُروةً، ولَيُصلِّيَنَّ النِّساءُ وهُنَّ حُيَّضٌ، ولَتَسْلُكُنَّ طَريقَ مَن كان قبْلَكم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، وحَذْوَ النَّعلِ بالنَّعلِ، لا تُخطِئون طَريقَهم، ولا يُخطِئَنَّكم حتَّى تَبْقى فِرقتانِ مِن فِرَقٍ كثيرةٍ، فتَقولُ إحداهما: ما بالُ الصَّلواتِ الخمسِ؟ لَقدْ ضلَّ مَن كان قبْلَنا، إنَّما قال اللهُ تَبارَك وتعالَى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114]، لا تُصَلُّوا إلَّا ثَلاثًا، وتقولُ الأُخرى: إنَّا لَمُؤمِنون باللهِ كإيمانِ الملائكةِ، ما فِينا كافرٌ ولا مُنافقٌ، حقٌّ على اللهِ أنْ يَحشُرَهما مع الدَّجَّالِ” و هو صحيح الإسناد عنده رضي الله عنه.

و هناك أثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إنما تنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية”  ذكره ذكر ابن تيمية رحمه الله في “منهاج السنة” (2/ 398 وَ 4/ 590) و في “مجموع الفتاوى” (10/ 301 وَ 15/ 54).

ترجمة راوي الحديث

اسمه صُدَيّ ابن عجلان بن الحارث (ويقال ابن وهب، ويقال ابن عمرو) بن وهب بن عريب بن وهب بن رياح بن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر الباهليّ، أبو أمامة. مشهور بكنيته أَبُو أُمَامَة البَاهِلي. هو من قيس عيلان. صحابي جليل روي أنه بايع تحت الشجرة.

سكن أبو أمامة مصر، ثم انتقل منها فسكن حمص من الشام، و وقال سفيان بن عُيينة: كان أبو أمامة الباهليَّ آخر من بقي بالشّام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال أبو عمر: قد بقي بالشّام بعده عبد الله بن بُسْر، هو آخرُ من مات بالشّام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات رضي الله عنه في الثمانين من السنة الهـجرية على غالب الأقوال.

كان من المكثرين في الرواية، روى علما كثيرا : حدث عن ، عمر ومعاذ ، وأبي عبيدة رضي الله عنهم، وأَكثر حديثه عن الشاميين.

من مناقبه رضي الله عنه قال أبو أمامة : أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي ثم قال لي 🙁 يا أبا أمامة ، إنّ مِنَ المؤمنين مَنْ يَلينُ له قلبي )

كان -رضي الله عنه- كثير الصيام هو وامرأته وخادمه ، لوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم له- 🙁 يا أبا أمامة ، إنّ مِنَ المؤمنين مَنْ يَلينُ له قلبي) و بقوله صلى الله  و سلم عليه  ( عليكَ بالصوم ، فإنه لا مِثْلَ له ).

رُوي أنه جاءه رجل فقال: إني رأيت في منامي الملائكة تصلى عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست، قال ابن حجر العسقلاني: «الحديث سنده صحيح»3.

الحديث وسياق وروده

يندرج الحديث الشريف في سياق الأحاديث المستقبلية التي جمعها المحدثون تحت عنوان «كتاب الفتن» ما ذكره الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن وقائع تأتى على أمته وعلى العالم من بعده إلى ظهور الدجال لعنه الله وظهور سائر أشراط الساعة[5].

ولا ينبئك مِثْلُ خبير، لا يصف لك الأمراض الطارئة على الأمة، والتي كانت ولا تزال السبب في انخذالها حتى انتُهكت حُرمتها، غير الحبيب الطبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم[6].

آيات قرآنية وأحاديث نبوية لها ارتباط بنص الحديث ومعضدة له

  • من القرآن الكريم ـ يقول الله عز و جل: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون[7]َ﴾

والشاهد “وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ” أشارة إلى أنهم عاشوا زمن الفتنة و الغربة و تسلط و شيوع الظلم.

ويقول سبحانه في أمر الصلاة: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا[8]۝﴾

  • ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند البخاري حديثا رواه بسنده عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: «كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش». فقال مروان: غلمة ؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم: بني فلان وبني فلان».

 حديث إسناده حسن رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان. في رواية الترمذي: عن سعيد عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» قال سعيد بن جهمان ثم قال: (أي سفينة ) أمسك: (أي احسب في أصابعك): خلافة أبي بكر، خلافة عمر، وخلافة عثمان ثم قال أمسك خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد فقلت له إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم! قال كذبوا بنو الزرقاء بل هم ملوك، شر الملوك” [9].

شرح الحديث

في حديث نقض عرى الإسلام ذكر المصطفى الكريم على الله صلى الله عليه وسلم أن أول العرى نقضا عروة الحكم، وأن آخرها الصلاة، وأن الناس كلما انتقضت عروة تشبثوا بالتي تليها.

  • العُرى: الفتحات التي تدخل فيها الأزرار ليشد بها الثوب8. جمع  عُرْوةٌُ وهي لغة ما يتعلق به الناس ويستمسكون به، وما يُمْسِك الأشياء ويُمَكِّن من التحكُّم فيها مثلَ عُرْوَةِ الإبريق، أي مِقبضه، وما يربِط المتفرِّقَ مِثلَ عُرَا أزرار الثوب، وهي الفتحاتُ الممسكة للأزرار[10].

و عُرا الإسلام معاقِد القوة فيه، أصوله وفرائضه.[11]

  • لتنتقضن أو لتنقضن من فعل نقض مؤكد مرتين للام التوكيد في و نونه. و نَقَضَ [ن ق ض]. (ف: ثلاثي. متعد).** نَقَض، يَنْقُضُ، اُنْقُضْ، مصدر نَقْضٌ:

 

  1. أَفْسَدَهُ بَعْدَ إِحْكَامِهِ وَالاِلْتِزَامِ بِهِ، خَرَقَهُ.
  2. “نَقَضَ الْحُكْمَ السَّابِقَ” : أَلْغَاهُ، أَبْطَلَهُ. “نَقَضَ قَرَاراً”.
  3. “نَقَضَ عَهْداً أَوْ يَمِيناً” : نَكَثَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ.![النحل آية 91]**وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا.
  4. “نَقَضَ جُدْرَانَ البَيْتِ” : هَدَمَهَ
  5. “نَقَضَ الغَزْلَ أَوِ الْحَبْلَ”: حَلَّ طَاقَاتِهِ. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً [12].

وكل هذه المعاني الخمسة تشملها العبارة النبوية لتنتقضن أو لتنقضن بصيغة التوكيد، فالناظر إلى واقع المسلمين وحالهم اليوم يرى جليا كيف فسد أمر المسلمين بعد   أن كان أمرهم محكما في خلافة راشدة على منهاج النبوة. و أُلغِيَت الشورى و أُبطِلت من حياتهم السياسية و لم يعد منها إلا أشكال و قشور تذر الرماد في العيون. حتى المعنى الثالث الوارد في نقض العهد فهو يُثْبته مما جرى من نسيان وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرا من هذا الأمر حتى بلغ نقض الناس لعهد الصلاة التي بيننا وبينهم كما جاء في الحديث[13]. وكأننا بهذا قد هدمنا صرحا كان مشِيدا مما ينص عليه المعنى الرابع؛ وهنا إشارة نبوية لطيفة إلى بناء الإسلام في الحديث المشهور حيث الإشارة إلى بناء الإسلام على خمس أركان ومنها ركن الصلاة التي هي عماد الدين[14].

  • وتشبث أي تمسَّك وتعلَّق.

وهنا إشارة واضحة إلى المعنى الخامس وهو نقض غزل[15] الإسلام الذي دأب على توكيده النبوة الشريفة نسجا وغزلا ومن بعده الخلافة الراشدة؛ “كأن سربال الإسلام يتمزق عن جسم الأمة من أعلى، من حيث الرأس، أي الدولة، والناس يتمسكون به مخافة أن ينكشف[16]“.

سياقه والعبر المستخلصة

“مثّل الرسول صلى الله عليه وسلم شَمْلَ المسلمين، وجماعة المسلمين، ووحدة المسلمين، ونظام حكم المسلمين، بجسم ملتَئِمٍ متماسك. ومثّل انفصام وحدتهم، وتشتت رأيهم، وانتِقاص دينهم، وانحرافهم عن المنهاج القويم الشرعي في الحكم بعُراً تُنْقضُ.

أوّلُ ما ينْقَضُ الحكم ونظامهُ. أيّ هَدْم أبعدُ أثراً وأعمقُ دلالةً من تحطيم البنيان الجماعي الذي كان قائما على ائتلاف بين إرادات حُرّةٍ أعطتْ ولاءَها لله، يأتي الاستكبارُ القبليّ وفي يده السيف ليُعيدَ المؤتلفين الأحرار من عبادة الله إلى عبادة جبابرةٍ يرثون الحكم كما يورثُ المتاع؟ 9″

  • سياقه التاريخي

“البناء الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في اكتماله البشرِيِّ النسبيِّ وحافظ عليه الخلفاء الراشدون المهديون بحفظ الله بدأ انتقاضه وانهدامه وانتشاره بعد ثلاثين سنة من موته صلى الله عليه وسلم. اغتالوا الإمامَ عليا كرم الله وجهه فكسـروا قبة البناء، بل أعْملوا المعول في أُسِّهِ لما حوَّلوها ملكا عاضا. كان الانقلاب الأموي الباغي ضربة في الكيان الإسلامي، ترجَّعتْ هزاتها على مدى التاريخ كما تترجع رجات الزلزال ” 10

و” عقدة العقد وبؤرة الفساد والإفساد، هي طغيان السلطان وحاشية السلطان على القرآن وعلى أهل القرآن.

 حصدت سيوف بني أمية الباغِيَةُ خيرة الصحابة حين قتلوا الحسين رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة، وقتلوا علماء المدينة، وسفكوا دماء القائمين من أهل البيت، وسبوا الإمام عليا ستين سنة من على منابر المسلمين المقهورة. أخبر بذلك رسول الله ﷺ قبل وقوعه حين قال لعبد الله بن عمرو: «كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مَرِجَتْ عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا» وشبك بين أصابعه الشريفة. قال عبد الله: فبمَ تأمرني؟ قال: «عليك بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامَّهم». رواه الترمذي وصححه وأبو داود عن عبد الله بن عمرو.

قال القاضي عياض: «حثالة كل شيء رُذالته».

  • ارتداد رجات النقض عبر القرون

كان الصحابة رضي الله عنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث «الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عاضا». سمعوا وصدقوا أن عرى الإسلام ستنقض، وأن أول ما ينقض منها عروة الحكم ورباطه. سمعوا أن هلاك الأمة سيكون على يد «أغيلمة من قريش». فهل كانت كل هذه الإخبارات تمر على الآذان كما تمر أساطير الأولين؟ كلا بل كانوا موقنين أنه الوحي. وتدل كثرة ما روي من هذه الأحاديث المستقبلية كانت أن العلم بها كان مستفيضا. وقد جمع المحدثون تحت عنوان «كتاب الفتن» أو ما شابه كثيرا مما ذكره الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن وقائع تأتى على أمته وعلى العالم من بعده إلى ظهور الدجال لعنه الله وظهور سائر أشراط الساعة13.

حكم المسلمين أرذال الناس، وتولتهم بعد السيوف العربية الأموية السيوف الخراسانية الفارسية العباسية، ثم السيوف الديلمية والتركية السلجوقية، ثم السيوف المملوكية وهلم جرا.

في ظل السيف ظهرت الفرق البدعية، وهي بدع جزئية ولدت ونشأت وترعرعت وازدهرت في رعاية البدعة الكبرى، بدعة فساد الحكم، وتشبث علماء المسلمين، ومنهم الغزالي رحمه الله، بما بقي من عُرى الإسلام، كلٌّ يدافع عن حوزة من حوزات الإسلام وعن حرمة من حرمه [17].

كان مع سيف مُعاويَةَ لَهَجٌ بالشريعة وسيادتها. وكان أمام معاويَة مؤمنون أقوياء، إن سكتوا عن النقضِ مِن أعلى البناء لهوْلِ الخطَر فما كانوا ليسكتوا عن نقض سائر العُرا.

 عاش السادة الصوفية رضي الله عنهم في وسط الفتنة، وسطٍ انتقضت فيه عروة الإسلام العليا وهي عروة الحكم، فاجتهدوا في الحفاظ على نظافة أرزاقهم في خاصة أنفسهم في حين اجتهد فيه الفقهاء الأعلام رضي الله عنهم لفرض شرائع الإسلام في البيوع والعقود والشركات والإجارات على مجتمع مسلم في جملته، عامته المحكومة أقرب إلى الصلاح والخير من خاصَّته من الحكام.

واجتهد الفقهاء رضي الله عنهم في حماية حقوق العباد ورفع المضارّ وفصل الخصومات ودرء المظالم في المعاملات العامة ما استطاعوا، وانصرف السادة الصوفية رضي الله عنهم لرعاية حقوق الله في أنفسهم ومريديهم وأهليهم، لمن كان له أهل وعيال، يبحثون عن اللقمة الحلال في ظل التوكل أو تحت سقف الخانقاهات أو في الاحتراف الشديد الزهد الورِع. وفي كتب القوم من قَصَصِ التحري ووصايا الورع في المكاسب آيات تدل على مقدار ما كان معهم من إحسان [18].

و الآن “ينحدرُ إلينا على مَدَى قرونٍ التقليدُ الملوكي وفي حِجرهِ إسلام مستسلِمٌ، ومسلمون ضعفاء، فلا يصل إلينا من آثار النقض التاريخي المتلاحق إلا صلاةٌ يصليها الملوك الوارثون العشائريون أو العشائريون المؤسسون مثل صدام العراق على شاشة التلفزيون ليطَمْئنوا الناس أن إمامهم مسْلم” 10.

متطلبات الحديث على المستوى الفردي والجماعي

إن كان غيرُنا من رهائن الفكر المغرب المفلسف «المعقلن» يستعيرون أدواتهم الفكرية وتركيباتهم المفهومية من مرجعيتهم المادية الكافرة بالله ورسله، فنحن نستمع إلى مبلغ الوحي، النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، يخبرنا من زمانه بزماننا، من ماض مُؤَسِّسٍ عن لاحق مخرَّب مُهدَّم مُفتَّت. لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ما القصد من إخباره صلى الله عليه وسلم بحوادِثَ تطرأ على الأمة أن يطلِع الناس على ما يدفعهم الفضولُ البشريُّ للتطلّع إليه، لكنّ القصد أن يتدبّرَ متدبِّرٌ ليعلَمَ مَواطِن الانكسارِ الذي حدث في تاريخ المسلمين، وأسبابه، وفاعليه، وما اقترفوه، وما أورثوه من سنةٍ سوداءَ، وما يَصْلُح به الإسلام، وهو إعادةُ الكيَان السياسي ونظام الحكم إلى نصابه الشرعي.

والمقصد الأسمى ما كان جليا مجتمعا كاملا متكاملا في فهم الصحابة على عهد النبوة والخلافة على منهاج النبوة التي لم تدم أكثر من ثلاثين سنة بعد انتقال المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. كان ذلك المقصد الجليل جليا في العقول والقلوب والنيات والعمل الجهادي بجلاء القرآن ونصاعة بيانه وحيويته الدافقة. هذا المقصد هو أن يكون الدين كله لله، وألا تكون فتنة في الأرض، وأن يدخل الخلق جميعا في طاعة الله ليحققوا الغاية التي من أجلها وجد العالم. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[19] أمة واحدة تحمل رسالة للعالمين تبلغها وتجاهد عليها وتتوحد عليها وتحكم بمقتضاها.

على مستوى الفهم عن الله، ومن موقع الإقرار بإرادته الكونية لا مرد لقضائه وهو الرب القهار نقول: أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم قبل رحيله أن تلك الخلافة لن تدوم أكثر من ثلاثة عقود، وأن عروة الحكم من عرى الإسلام ستكون أول ما ينقض من عراه،. سبق ما سبق في علم الله.

وعلى مستوى المسؤولية والتكليف الشرعي نقول: ضيع المسلمون وحدة الشورى والعدل والإحسان، وتمسكوا بعدها بوحدة قسرية تحت ظل السيف، رضخوا لحامل السيف تطبيقا للوصايا النبوية المشفقة أو قاموا ضد الحاكم، كل حسب تقديره لأحقية الحاكم أن يطاع.

وعلى مستوى النظر المترامي إلى الإرادة الإلهية الكونية وإرادته الآمرة التي ورد بها الشرع الشريف نقول: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقيادة علمائها وصالحيها وأهل الخير في كل زمان جاهدت وقاومت وحافظت على وجودها بتوفيق من الله عز وجل رغم البلاء المتعاقب. رغم البلاء بفساد الحكام وخروج الخوارج وزندقة الفلاسفة وغزو القرامطة والتتار والاستعمار. فهذه الأمة المجاهدة المرحومة المبتلاة لا يزال لها وجود وإن كان مشتتا، وهي موعودة بالنصر إبان الخلافة الثانية، عليها أن تهب وتقوم وتجاهد لتلتقي بالوعد الصادق، وأن تنهض بالعزيمة الكبيرة ليسلك قصدها ومشروعها المستقبلي مسالك الشرع المعبرة عن الأمر الديني راجية من المولى الكريم أن يتطابق القصد ومقاصد الشرع مع مقصد الحق سبحانه في إرادته المطلقة.

خــــاتمة

نستبصِر في معاني الحديث الشريف المخبر عن المستقبل يومَ إخبار الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، ثم نستعرض العملية النّقضية عبر القرون لتنجلي أمام أعيننا المحجة التي زاغ عنها الزائغون، ولنهتدي بالحديث الشريف في عملية البناء.

 ما القصد من إخباره صلى الله عليه وسلم بحوادِثَ تطرأ على الأمة أن يطلِع الناس على ما يدفعهم الفضولُ البشريُّ للتطلّع إليه 10،

  • لكنّ القصد أن يتدبّرَ متدبِّرٌ ليعلَمَ مَواطِن الانكسارِ الذي حدث في تاريخ المسلمين، وأسبابه، وفاعليه، وما اقترفوه، وما أورثوه من بدعةٍ سوداءَ، وما يَصْلُح به الإسلام، لنعلم يقينا وبصوى هذا الحديث ونظائره أن إعادة بناء ما تم نقضه وهو إعادةُ الكيَان السياسي ونظام الحكم إلى نصابه الشرعي ليعود للأمة مجدها وعزتها بتحرير الأقطار جماعات، ومن ثم تحرير بيت المسجد الأقصى من يد رمز النقض الجبري العالمي من يد الجاهلية المستعلية في الأرض، وابتداء بتحرير نفوسنا من ربقة الهوى والعادات الجارفة أفرادا.

[1] الحديث 455 في كتاب شعب الإيمان – 13 – الصلاة للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص148.تطبيق سراج

 [2] تطبيق المكتبة الشاملة

[3] حسب بحثنا البسيط في ” المكتبة الشاملة”

[4] فَيْرُوز الدَّيْلَمِيّ (توفي 53 ه‍ / 673 م) هُوَ أمير صحابي يماني، فارسي الأصل. قَال مُحَمَّد بْن سعد : فيروز الديلمي، ويكنى أبا عَبد اللَّهِ، ويُقال له: الحميري لنزوله حمير، وَهُوَ من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن فنفوا الحبشة عنها وغلبوا عَلَيْهَا،ة وَقَال عبد المنعم بْن إدريس : ثم انتسبوا إلى بني ضبة، وَقَالوا: أصابنا سباء في الجاهلية، وفيروز هو الذي قتل الأسود بْن كعب العنسي الذي كان تنبأ باليمن، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «قتله الرجل الصالح فيروز ابن الديلمي» . وفي رواية «قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين» . وقد وفد على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وروى عنه أحاديث منها حديث في القدر، وبعضهم يروي عنه يقول: حَدَّثَنِي الديلمي الحميري، ويقول بعضهم: الديلم، وهذا كله واحد، وإنما هو فيروز ابن الديلمي، والذي يبين ذلك الحديث الذي رواه فاختلفوا في اسمه على ما ذكر، وَقَال أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن مندة: يقال: إنه ابْن أخت النجاشي.المصدر : جمال الدين المزي (1980)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال

[5] كتاب نظرات في الفقه و التاريخ للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 34 من مكتبة سراج الإلكترونية

[6] [6] كتاب العدل الإسلاميون و الحكم الديموقراطية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 539 – مكتبة سراج الإلكترونية

[7] سورة النور الآية :55

[8] سورة مريم الآيتان :59-60

[9] . كتاب نظرات في الفقه و التاريخ للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 30 من مكتبة سراج الإلكترونية

[10] كتاب الشورى و الديموقراطية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 209 – مكتبة سراج الإلكترونية

[11] كتاب العدل الإسلاميون و الحكم الديموقراطية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 42 – مكتبة سراج الإلكترونية

 [12] موقع معاجم  https://www.maajim.com/dictionary/اطلع عليه على الساعة 15س29  من يوم السبت، 22 رجب 1445 هـ، الموافق ٣ فبراير 2024 م

[13]  ن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».  حديث صحيح رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد. المكتبة الشاملة

[14] رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة عن حبيب بن سليم، عن بلال بن يحيى، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقال: الصلاة عمود الدين» وهو مرسل رجاله ثقات. المكتبة الشاملة

[15]  الآية 92 من سورة النحل.

[16] كتاب نظرات في الفقه والتاريخ للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 44 – مكتبة سراج الإلكترونية

[17]  كتاب الإحسان الجزء الأول للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 380 – مكتبة سراج الإلكترونية

[18]  كتاب الإحسان الجزء الثاني للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ص 111 – مكتبة سراج الإلكترونية

[19] سورة الذاريات، الآية 56

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.