المرأة المودرن.. بين عبوديتين
د. سمية علي العمري
تطالعنا كل يوم تيارات عديدة تنادي بضرورة إعطاء المرأة حقها تارة، وتارة أخرى تنادي بتحريرها من براثن الرجل وقيود المجتمع، وكأنها ذلك المخلوق العاجز القاصر الذي يحتاج لمن يدافع عنه، فهل المرأة مخلوق قاصر لا يحسن الدفاع عن وجوده ولا عن كيانه، هل المرأة ممزقة لا تحسن ترقيع نفسها فضلا عن أن ترأب صدع غيرها، هل هي محطمة في ذاتها فضلا عن أن تنشأ أسرة أو تبني أمة؟ هل هي كذلك حقا؟
نعم هذه هي المرأة بِحلّتها الباهتة، وكيانها الممزق، قبل بزوغ فجر هذا الدين، نعم هي كذلك قبل مجيء الهدي الإلهي، ولكن أما وقد سطعت شمس الإسلام على روحها فلم يعد للمرأة قضية؛ إلا قضية واحدة هي أن تكون عبدا صالحا (لله)، ولله فقط.
حررها الله من عبوديتين، عبودية نفسها فأصبحت حرة عفيفة، لا تشتري بنفسها ولا تبيع ” تموت الحرة ولا تأكل بثدييها “، كما وحررها من عبودية الرجل الذي يبيع فيها ويشتري،،،
نعم هذه المرأة الذي أعدها الدين العظيم لتحمل شعلة النور الإلهي، لتقيم من خلالها حضارة الشموخ الرسالي، ثم ما لبث أن انكفأ أهل الإيمان على أنفسهم، حتى أعتموا بظلمتهم نوره الصحيح، فعادت المرأة تناشد حقها من جديد، يتجاذبها في ذلك تيارات وأبواق تصم الآذان، وتقلق الوجدان، فوقعت بين إفراط وتفريط في فهم مغزى اتكاء الكون في أحد شقيه عليها، إفراط من نصّب نفسه ناطقا باسم الله لمعاني الله في أحكامه، فلم يرى من حقيقة ذلك النور، فأزبد في عتمة تيه الفهوم وأرغى، ولم يكتف بليّ أعناق النصوص لتتناسب ونظرته الأنانية القاصرة عن فهم عمق مرادات الله في خلقه، بل أهدر المواقف المؤنسة لسيد البشرية، التي كانت أعظم ما يكون بيانا لحقيقة منزلة المرأة الرفيعة وأبعاد دورها الراقي اللا المتناهي.
هذه الشخصية الممزوجة بجاهلية مركبة لإدراك معاني النصوص وروحها، أضيف اليها عقلية منكفأة على نفسها، سيطرت على مزاج ذلك الرجل، فسيطرت على مخرجاته وأفعاله، ثم صممت تلك العقلية لتدمغ باسم (الدين)، ففرت المرأة من واقعها الأليم فرار الضحية من قناصها، فلم نُضف للحياة الواسعة، وللمستقبل المأمول إلاّ كل متردية الفكر، نطيحة الطموح، مَيتة المشاعر والوجدان.
وفي مقابل ذلك يقابلنا تيار قد جاوز الحد في التفريط بهذا الإبداع الإلهي، فأسرف في إقحام المرأة في كل الميادين، تارة باسم لم شعث حقوقها، وتارة باسم ضعف كينونتها الأنثوية وتحريرها من وطأة الرجل والمجتمع على حد سواء، وتارة متوهمة بأنها تستطيع بناء ذاتها خارج سرب العلاقات النظيفة الراقية، فعصفت بالمرأة كل عواصف الانتهاكات العاطفية والأخلاقية والنفسية، مما يعني أن مسخا جديدا قد تم تكوينه، أدى إلى إفراز سلوكيات مجتمعية خطيرة، بعيدة كل البعد عن دور دقيق أعدت له وأعد لها.
فتحوا عليها نيران الشهوة والمتعة الوضيعة، فاستجابت لنداء الشيطان في جسدها وفي أنوثتها حتى صارت مكبلة الرؤية، ثقيلة الروح، تبحث في عبوديتها الجديدة -التي اتخذت شكلا حداثيا أكثر إيذاء وايلاما من عبودية الجاهلية الأولى -عن فتات ما تبقى من كرامتها المنتهكة، وأنوثتها الغائبة، علّها ترمم ما انفتق من جروح كبرياءها المستمد من ذلك النور الإلهي.
ولكن هيهات …!!!
هيهات لها أن تعيد توازن وجودها دون قبس من لدن بارئها، الذي قدر خلقها فهداها، هداها الى صراطه القويم المستقيم، هداها لتحمل في عقلها شعلة قبس العلم الرباني، وهداها لتحمل في روحها شعلة من قبس الحكمة البصيرة، وهداها لتحمل في أحشائها امتداد الخليفة الذي أراده الله.
هيهات لهذه المرأة أن تعود إلى رسالتها الآدمية دون أن تنفض عن روحها وعقلها غبار الشهوة والدعة والتراخي، وهيهات لها أن تعود الى رشاقة حسها الأنثوي المرهف دون أن تتصل بفيوضات الحكم الإلهية، التي تسبغ على ظاهرها وباطنها نور التقوى والفهم.
أيها القابعون تحت سلطان الهوى؛ دعوا المرأة وخالقها، دعوها ترجع إلى فطرتها النقية الصافية، فإنها لا تلبث حتى تعود سريعا إلى الحضرة الإلهية نيرة الوجدان، سليمة الجنان، عفيفة الأركان، دون إفراط أو تفريط.