شرف الزمان بمولد سيد ولد عدنان؛ (3) شرف يوم المولد
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد، وعلى ءاله وصحبه، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وُلد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول على الصحيح، قال ابن عبد البرِّ: “ولا خلاف أنَّه وُلد يوم الاثنين”[1]. وقال ابن كثير: “وهذا ما لا خلاف فيه”، ثمَّ قال: “وأبعدَ بل أخطأ مَن قال: ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلَت من ربيع الأول؛ نقله الحافظ ابن دحية فيما قرأه في كتاب (إعلام الورى بأعلام الهدى) لبعض الشِّيعة، ثمَّ شرع ابن دحية في تضعيفه، وهو جديرٌ بالتَّضعيف؛ إذ هو خلاف النصِّ”[2].
ولم يولد النبي صلى الله عليه وسلم في شهر من الأشهر ذوات الشرف كمحرم ورجب ورمضان، حتى لا نظُـنَّ أنّه تشرف بها، بل شهر ربيع الأول هو الذي تشرف به. كما شهد يوم الإثنين أحداثًا مهمة إلى جانب مولد سيد المرسلين ﷺ كما روي عن سيدنا عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
1- حمله وولادته صلى الله عليه وسلم:
يذكر أهل السير أنه حدثت علامات دالة على عظم شأنه ومكانته عند حمله وولادته صلى الله عليه وسلم، نذكر منها:
– قالت السيدة آمنة بحسب ما نقل في كتب السيرة “آتاني آت وأنا بين النائم واليقظان، فقال: (هل شعرتِ أنك حملتِ؟)، فكانت تقول: (ما أدري)، فقال: (إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها -صلى الله عليه وسلم-“.
– لما أتى المخاط للسيدة آمنة بنت وهب، قالت؛ “إنها جعلت تنظر إلى النجوم حتى قالت لتقعن عليها، فلما ولدت خرج منها نور أضاء لها البيت والدار”. وفسر علماء النور الذي خرج من السيدة آمنة بنت وهب بذكر قول الله تعالى في سورة المائدة: “قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ”، وهنا ذكر: “النور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم”[3].
– أخرج أبو نعيم في الدلائل عن فاطمة بنت عبد الله قالت: “حضرت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت البيت حين وضع قد امتلأ نورا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علي”.
– رأت أمه آمنة بنت وهب حين وضعتْه نوراً خرج منها فأضاءت له قصور الشام.
– تذكر أمه أنها لم تجد حين حملت به صلى الله عليه وسلم ما تجد النساء من شدة الحمل والطلق.
– شهادة أم عثمان بن أبى العاص، وأم عبد الرحمن بن عوف، فقد باتا عند أم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الولادة، وقالتا: رأينا نورًا حين الولادة أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب.
2- المعجزات الكونية:
وُلد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة يوم الاثنين في اليوم الثاني عشر (عند الجمهور) في شهر ربيع الأول من عام الفيل. ورافق مولده الشريف عدد من والمعجزات الكونية التي ذكرها أهل السيرة والتاريخ إيذاناً بظهور نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، ومن هذه المعجزات:
– خمود نار فارس: انطفأت نار الفرس التي كانوا يعبدونها ولم تخمد قبل ذلك بألف عام.
– تصدع إيوان كسرى: ارتد إيوان كسرى ملك فارس وسقطت منه أربع عشرة شرفة.
– جفاف بحيرة ساوة: غاضت (جفت) بحيرة ساوة التي كانت مقدسة ويعبدونها من دون الله.
– حجب الشياطين: رُميت الشياطين بالشهب وحُجبت عن استراق السماع من السماء بشكل أكبر من ذي قبل.
– عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وأن آدم لمجندل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك؛ دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم”[4].
– تساقط الأصنام في الكعبة على وجوهها: ذكر أهل السير أن من معجزات ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، سقوط الأصنام في الكعبة على وجوهها.
– كانت أُمّه قد سمّته أحمد قبل أن يسميه جده وكان هذا الاسم نادرًا بين العرب فلم يسم به منهم سوى ستة عشر شخصا، لذلك فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصة به.
3- العبر والدلالات:
كل هذه المعجزات التي سبق ذكرها وغيرها جاءت تبشر بمولد النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءهم بالهدى ودين الحق من الله تعالى لم يكن لهم حجة في إنكار نبوته، فلسان الحال يقول: “بما أنكم رأيتم كيف خرق الله سبحانه وتعالى الأسباب المادية يوم الفيل فلا بد من إله عظيم قادر على هذه المعجزات، وهو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إليكم بهذه الرسالة”.
وبمولده صلى الله عليه وسلم ولد للكون عهد جديد وبمبعثه بُعثت أمة، فصنع سيدنا محمد الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي أمةً ستتميز بالرحمة والكرامة والعلم والحضارة والعزة والريادة، أمةً تفوقت على جميع الأمم وتفوقت على الإنسانية كلها في جميع المجالات.
وسيُظهر الله دينه، قال تعالى: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ”(الصف:9)، فسيظهر دين الله على الدين كله، مهما حاول أعداء الله تعالى محاربته وتشويهه، فكما استخدم أبرهة الحبشي أسلحة وقوة لم يعرفها العرب في حروبهم لهدم بيت الله ولمحاربة ما عظم الله، فلجأ العرب لله واعتصموا به فأيدهم الله بجنود لم يعرفها أحد قط، فمتى ما توحدنا ولجأنا لله ورجعنا لسنة نبيه نصرنا الله بجنود من عنده كما نصر العرب على أصحاب الفيل.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – التمهيد لابن عبد البر ج:3 / ص:26.
[2] – السيرة النبوية لابن كثير، ج:1 /ص:198-201.
[3]– رواه الإمام الطبراني.
[4]– رواه الإمام أحمد.