منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأيام المعدودات

الدكتور محمد العراضي

1
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

بالأمس القريب كنا نتطلع بشوق إلى قدوم الشهر الفضيل، وما أن أهل علينا البارحة، ونحن في حالة من الفرح والحبور لاستقباله، حتى وجدنا أن الأسبوع الأول منه قد انقضى، وها هو الأسبوع الثاني من رمضان المبارك يطل علينا ليذكرنا بضرورة الإسراع إلى اغتنام هذه الفرصة الربانية، التي تعتبر بحق فرصة العمر لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، إذ أنه من المستحيل أن يضمن أحدنا بقاءه على قيد الحياة ليعيش رمضان العام المقبل ليزيد من استغلاله النافع للأيام المعدودات، وبالتالي تكون زيادة في ميزان حسناته، فمن يدري، لعل إرادة الله تقرر شيئا آخر.

وبإلقاء نظرة على أدق تفاصيل الأسبوع الأول الذي مضى ولن يعود، نجد أنه يصعب تذكر أدق التفاصيل لحياتنا اليومية، اللهم ما كان من أحداث بارزة، فهي تنقش في الأذهان، وأنّى للمرء نسيانها مهما تعاقب المَلَوان؟

لا غرابة إذن أن تسير أيام الضيف العزيز بهذه السرعة، ولا غرابة أيضا في أن تنقضي بسرعة، ولذلك نجد أن القرآن الكريم وصفها وصفا دقيقا، وسماها بالأيام المعدودات، يقول الله تعالى في كتابه العزيز ’’يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات’’ (سورة البقرة: الآية 184).

فما هي أهم الإشارات التي ينبغي علينا كمسلمين أن نلتقطها من الخطاب الرباني الحكيم؟

المزيد من المشاركات
1 من 38

إنها المصالحة التي يعرضها الله عز وجل علينا كفرصة لتطهير النفس، وتزكيتها من جميع الشوائب التي تعلق بالقلوب، والتي تؤدي إلى مجموعة من المنزلقات الوخيمة الأثر، كالتكبر على خلق الله، والطمع، والغش، والبطش، وعدم التراحم والتسامح، وإغلاق منافذ الخير، وانعدام التعاون، وعدم الأخذ بالنصيحة، وعدم التأثر بالعبر والمواعظ.

وهذا لعمري من غاية الحرمان أن يمنع الإنسان الاتعاظ، والاعتبار، مما ينعكس سلبا على الأفراد والمجتمعات، ويساهم في نشر الضغائن والأحقاد، بل إن الخطورة في ذلك تكمن عند انتقالها لفلذات أكبادنا الأبرياء الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى مجاراة نمط معين من التربية التي تنتهي بهم في غالب الأحيان إلى تقمص تلك الأدوار السلبية والخطيرة التي تخدش براءتهم، وتلغي عفويتهم التي فطرهم الله عليها.

الأيام المعدودات، جاءت لترفع الأسقام النفسية التي بدأت تظهر في مجتمعاتنا، وتفتك بتجمعاتنا الأسرية، وبروابطنا العائلية، والمجتمعية، وهي ظواهر غريبة، ومستوحاة من وساوس الشيطان اللعين، الذي يفرق بين المرء وزحه، وبين الأخ وأخته، وبين الصديق وصديقه، ونجد بأن ذروة هذه الأحقاد تصل بالإنسان إلى التطاول على قسمة الله العادلة في الميراث، بحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم الشرعية التي منحهم إياها المعطي والمانع، وتفضيل أحد الأبناء على الأخر.

نعم إن الواقع المعيش يشهد على بشاعة تصرفاتنا، ومرارة ما تسببه من جروح غائرة يصعب أن يشفى منه المجروح، إننا كبشر نصيب ونخطأ، ونتأرجح بين الحق والباطل، لكن متى سنعلن توبتنا النصوح من زلاتنا وأخطائنا؟ ومتى سنرجع عن تفاهة أفكارنا، وعن جاهلية تصرفاتنا؟ وعن تعنتنا في قراراتنا التي نعي جيدا أنها خاطئة، لكن لا نملك الشجاعة الحقيقة لتغييرها وتصحيحها.

الأيام المعدودات، فرصة للعودة إلى الله، بتصحيح تلك الأخطاء والزلات، والتخلص من الأمراض الخفية للقلوب برد الحقوق إلى أصحابها قبل فوات الأوان، وقبل حمل ذنب عظيم، وإثم مبين، وأيضا بالابتعاد عن التفاهات التي تخدر العقول، وتميت القلوب، لنركز جيدا على إعطاء النموذج الأسمى والأمثل لأبنائنا وبناتنا بالقدوة الحسنة، والسلوك الايجابي في تعاملاتنا مع الناس، وذلك باللين، والحكمة، والموعظة الحسنة، فهكذا كان هدي الأسلوب النبوي الشريف. وهكذا كان ديدنه عليه الصلاة والسلام.

الأيام المعدودات، منهج رباني ينبغي اتباعه، والتمسك به، والاعتماد عليه كطوق نجاة، خصوصا أن الفرصة الربانية سانحة هذه السنة، ومواتية لذلك، بالتقرب أكثر إلى الله، والتضرع إليه، فجائحة كورونا التي تضرب العالم بأسره اليوم، والتي نسأل الله جلت قدرته أن يرفعها عنا قي أقرب الأوقات، تجبرنا على البقاء في البيوت، وعدم مغادرتها إلا للضرورة القصوى، فهي الخيار الأمثل لإصلاح ما أفسدته الحياة المدنية على مجموعة من المستويات، وبالتالي ينبغي تحويل هذه المحنة إلى منحة الخير والعطاء.

الأيام المعدودات، مجال لتكون عند كل واحد منا خبيئة مع الله الكريم، لا يعلمها إلا هو، ولا يطلع عليها غيره، تفرج بها عن مسلم كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تساعده في قضاء حاجة، أو تدخل فرحة على يتيم، أو أرملة، أو غير ذلك من مناحي الطاعات التي يكون شعارها السرية التامة، والابتعاد عن الأنظار، حتى تكون لك غرسا طيبا نجده في فسيح الجنان، حقا إنها الخبيئة الصالحة التي تقربك من الله، وتفتح لك الأبواب المغلقة في وجهك كلما قلت وأنت تناجي ربك، “اللهم إني أسألك بالذي بيني وبينك”.

 

الأيام المعدودات، انقضى ثلثها الأول الذي هو رحمة، وسنستقبل الثلث الثاني الخاص بالمغفرة، وسرعان ما ينقضي ليحل الثلث الثالث والأخير، الذي هو العتق من النار، والذي تكون فيه الليلة المباركة التي هي خير من ألف شهر، ليتوج الصائمون بالجوائز الربانية التي يمنحها لهم الرحمن الرحيم في يوم عيد الإفطار، والتي هي وسام المغفرة من رب العالمين.

فلنشمر عن سواعدنا، فإن المطهر عجول، ولنتجنب الإسراف واللامبالاة، فالنفس طماعة، فلنعودها القناعة، وما الدنيا إلا ساعة، فلنجعلها طاعة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. رشيد غافر يقول

    جزاك الله خيرا أستاذنا الكريم على هذه الإرشادات الرمضانية، حفظك الله من كل شر وسوء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.