منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأثر الصوتي في التركيب العربي

0

ملخص:

يدافع هذا البحث عن مسألة من المسائل التي أراها تلعب دورا أساسيا – لا ثانويا-في بناء النحو العربي، والتي هي: “الأثر الصوتي في بناء النحو العربي”؛ وذلك ما جعلنا وسيجعلنا دائما نعود إلى تراثنا اللغوي فنعيد قراءته، قراءة متمعنة لاستنباط المزيد من الخبايا والأسرار اللغوية، فالبحث العلمي إن لم يجدد ويطور فهو على الأقل يكتشف، ومن تم سيصبح لنا الحق في الدفاع عن أفكارنا بالحجج والأدلة، وعليه يمكن القول إن المسألة الصوتية، لا تتوقف عند حدود الصرف بل هي امتداد عبر كل علوم اللغة.

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين:

وبعد، لقد كان العلماء العرب القدماء يبدلون جهدا كبيرا في تقنين الكلام، فكانت اللغة في نظرهم، وسيلة لا غاية في توحيد الأمة العربية، وكان السبيل إلى ذلك: تقويم اللسان، فبدأوا يصوغون قواعد اللغة دون أن يصرحوا بالفرضية التي انطلقوا منها.

المزيد من المشاركات
1 من 52

فبعدما اختلط العرب بالعجم ظهر اللحن في الكلام، فكان ذلك بمثابة النبراس المرعب الذي دق في نفوس المفكرين العرب، مما جعلهم يسرعون في صوغ قواعد اللغة وتقنينها دون أن يصرحوا بالفرضية التي انطلقوا منها، ولعل هذا هو الذي  فتح المجال أمام العلماء، ليشكلوا نظريات تحاول دراسة هذه اللغة من زوايا مختلفة، فهناك من اتخذ الوصف سبيلا له، وهناك من اعتمد التفسير مخرجا له، جاهدين في أن يقدموا تبريرات منطقية ، فكانوا تارة يدعمون لما كان، وتارة يغيرون ويجددون لما سيكون فانطلقوا من الصوت مرورا بالتركيب وصولا إلى الدلالة.

وبما أننا نؤمن كل بتكامل مستويات اللغة، باعتبارها نظاما متكاملا فإننا أردنا أن نبحث من خلال هذا البحث عن الحس الصوتي وأثره في النحو العربي.

تمهيد:

إن اللغة ظاهرة مركبة وعجيبة، تعبر عن تميز الإنسان: هذا المخلوق الفريد الذي اختصه الله تعالى باللغو، دون سائر المخلوقات، وبهذا يمكن القول بأنه إذا كان هذا الإنسان، قد وصل إلى ما وصل إليه من تقدم وتطور، فبفضل هذه الأداة النافذة، المعبرة السهلة الممتعة، الناقلة لشتى أنواع الأحاسيس والأفكار والعلوم والمعارف فهي الجسر الممتد بين الشعوب والثقافات.

فاللغة العربية الفصيحة تعد من اللغات العالمية بل هي رأسها، ولعل هذا السبب هو الذي جعل الكثير من الناس، يفكرون في تدنيسها فبدأوا بهدم عمرانها ولم يؤثر ذلك على متانتها، فاخترعوا الاستعمار الوحشي، فلم يغتصبوا كرامتها مما جعلهم يفكرون أكثر فأكثر، حتى اخترعوا ما أسموه بالاستعمار اللغوي، الذي استطاع وللأسف أن يحرك سكون العربية وثباتها.

وكان المنفذ الذي ساهم في تحقير هذه اللغة أيضا “الاقتصاد” فربطوا اللغة بالاقتصاد، واستغلوا اللهجات؛ فأدخلوا المصطلحات التي تعتبر العدو اللدود للغة الأم.

وعليه، فإن هذه اللغة الآن أصبحت في أمس الحاجة لأبنائها من أجل إعادة بريقها ولمعانها، فهي سامية وستبقى كذلك.

وإذا كانت العديد من الأصوات قد ارتفعت تنادي بهدم هذه اللغة فوجب الالتحام كل الالتحام من أجل كرامة هذه اللغة، فيد الله فوق أيد الجماعة.

ولهذا وددت أن أبحث في كنز من كنوز هذه اللغة وأساهم بذلك في إظهار متانة العربية، فكنت دائما ما أتساءل كيف كان العربي يرفع ويجر وينصب وعن أي وسيلة اعتمد في ذلك؟

 

  الحس الصوتي والنحو

لقد بدل العلماء النحويون جهدا كبيرا في تقنين الكلام ،ففحصوا الكلام وقسموه إلى أقسام، فجعلوا منها قسما للحروف وقسما للأسماء وقسما للأفعال، ولكنهم في الحقيقة لم يبذلوا جهدا في الحديث عن الملكة نفسها، مما جعلنا نتساءل عن هذه الملكة، فالله جل جلاله علم الإنسان الأسماء كلها، حيث قال تعالى في سورة “البقرة” الآية 31 ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ، فمن المعروف والمتعارف عليه أن الأسماء لا تعد ولا تحصى، ولهذا يمكننا القول أن الخالق قد منح لهذا الإنسان القدرة  على التسمية، التي اختلف بها عن كل الكائنات الأخرى  (النبات والحيوان والجماد…)، وبهذا فالله جل جلاله لم يعلمنا لفظ النبات و لفظ الحيوان والجماد…، بل وهبنا القدرة لذلك.

ولعل هذا ما جعلنا نبحث عن هذه القدرة في أصولها، ولا طالما تساءلنا عن امتلاك النحوي -مثلا-لهذه القدرة فقالوا: السليقة التي مشت في دمائهم فتوارثها الأبناء فكانت هذه العربية بذلك محمية تحت سليقة هذا العربي الفصيح.

فما هي السليقة إذن؟

إن السليقة عند العربي -باختصار شديد -هي الحس الصوتي حيث إنه اعتمد مسألة حسية صوتية؛ تتطلب فيه الخفة فقالوا “خير الكلام ما قل ودل” وقالوا خير الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره” وقالوا الإيجاز هو البلاغة…؛ ومعنی ذلك أن العربي كان دائما يبحث عن الخفة والقلة والتخفيف.

– وقد ورد في لسان العرب الخفة نقيض الثقل حيث قال “الخفة” نقيض الثقل. والرجوح يكون في الجسم والعقل والعمل.[1]

فإن معرفة الخفة والثقل في اللغة يكون برد الفعل الذي يتأتى من الانطباع الذي تعبر عنه النفس، ويعود في الأصل إلى العادات المكتسبة من الحركات النطقية التي تختلف باختلاف اللغات ومحدثيها، ومن هنا نرى بأن ظاهرة التخفيف تتصل بالحدث النفسي من جهة شعور المتخاطبين بها. ولا تتجلى إلا في الاستعمالات اللغوية لدى الناطقين بها بشكل أدائي بارز.

– ولعل هذا كله كان وحيا من كتاب سيبويه “الكتاب” حيث قال: إن بعض الكلام أثقل من بعض”[2]، فهذا الثقل هو مسألة حس صوتي عند العربي. ولذلك قالوا المهموس أخف من المجهور والفتح أخف من الكسر والضم، والكسر أخف من الضم. وقالوا الألف أخف من الواو والفعل أثقل من الاسم، فصياغة اللفظ «أحمد” أثقل من “محمد” ولذلك الاسم الذي يشبه أحمد يمنع من الصرف.

وبهذا يمكن القول إننا حينما نقرأ كتاب سيبويه ” الكتاب” قراءة أخرى فإننا نخلص إلى أنه قد أشار إلى الملكة عند العرب.

إن التخفيف في النحو العربي موضوع متجسد في الواقع العملي للغة، نطقا واستخداما، بمعنى أنه قد أصبح من حقنا الدفاع على المسألة الصوتية في بناء التركيب العربي، فهي حاضرة وبشكل كبير في بناء وتأليف هذا الأخير، فالرفع والنصب والجر ما هي إلا علامات صوتية تدلنا على خفة وثقل اللفظ داخل التركيب، بالإضافة إلى كونها تحمل دلالة وظيفية في ذاتها، وبعبارة أخرى يمكننا القول بأن هذه العلامات ما هي إلا رموز خطية ترمز إلى موضع خفة اللفظ من ثقله.

فحينما نعود إلى كتاب سيبويه “الكتاب” فإننا-لا محالة-نجد فيه مجموعة من القواعد المتفق عليها، وضعها العربي لحفظ اللغة من اللحن، لكن علماء اللغة أمثال هذا العالم الكبير، أو ما جاء قبله كأبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يعد من كبار علماء اللغة العرب، والذي بنى فكره على أساس صوتي، فوصف الأصوات وتبحر في العروض وجمع اللغة ورتبها على أساس صوتي. وبهذا فإن دراسة الخليل للأصوات وملاحظته، أن بينها في التأليف تأثيرا وتأثرا متبادلا، أملاه الاستعمال الذي يهدف إلى تخفف من المجهود العضلي، وإلى الانسجام في التأليف، سواء بين الأصوات أو الكلمات، فكانت هذه هي الثغرة أو المنفذ الذي نفذ منه إلى فكرة العامل[3]. وعليه ألا يمكننا أن نقول بأن الحس الصوتي كان عاملا أساسي في التركيب العربي؟ جعل هذا العربي يحافظ على اللغة من اللحن لأنه كان يعلم بأن الإنسان العربي كان يتكلم من خلال سليقته أو سجيته التي كانت تخبره بأن هذا الكلام قد أحبته النفس أو رفضته رفضا كليا، ولعل السبب الرئيسي في إصدار الحكم يعود إلى الخفة والليونة.

وعلى هذا الأساس فكر العربي في أن يضع علامات شكلية تمزج بين المعنى والصوت سماها: العلامات الإعرابية، التي بناها على أساس صوتي في بداية الأمر.

ومن خلال هذا المنطلق يمكن القول، إننا في حاجة إلى إعادة قراءة كتب المتقدمين قراءة متمعنة متعمقة، خصوصا ونحن نعلم أن الفكر العربي قد تأثر بالمنطق، فيقال إن “الخليل” كان مشهورا ومعروفا بسيطرته على منطق أرسطو وهو الأمر نفسه نجده مع تلميذه “سيبويه” صاحب كتاب “الكاتب” والذي يحتاج إلى قراءة ثانية ليس في استنباط القواعد النحوية فحسب، لكن في الوقوف على مسائل قد تبدو سطحية وهي ليست كذلك والعلة في ذلك أن المنهج الذي اعتمده “سيبويه” هو منهج منطقي يحتم علينا التمعن وإعمال العقل ونحن نتصفح هذا الكتاب، وهو الأمر الذي سيحتم علينا الوقوف على مصطلح السليقة ومصطلح القدرة قبل أن نتحدث عن تلك القواعد التي جاء بها، وبهذا في تحديدنا لمفهوم السليقة عند “سيبويه” سنستنتج -دون شك- أن النحو تربية قبل أن يكون تعليما ،وبالرجوع إلى واقعنا فإنه سيخبرنا بهذه الحقيقة إذ نجد التلميذ أو الطالب المتخصص أو حتى بعض المثقفين يعرفون قواعد النحو لكنهم يخطئون في استعمالها، ولعل هذا سيقودنا إلى طرح التساؤل الآتي: ما السر وراء ذلك؟ حيث نجد القواعد شيئا والواقع شيئا آخر مما يجعلنا نصل إلى خلاصة جزئية وهي أن العربي حينما لوثت سليقته أصبحت عربية كذلك. ( وهذا ما سنحاول معالجته)، وإذا ما عدنا إلى التاريخ لأخذ العبرة فإننا سنجد العرب كانوا يداومون بطبيعتهم الرعاية على نقاء اللغة والطلاقة في النطق، فكان العرب قبل الإسلام[4] ينطقون العربية تلقينا واعتيادا، يسمعها الأطفال من حولهم فيحاكوهم في أصواتهم وكلماتهم، وهذه عادات العرب في العصر الجاهلي، ولعل هذا  الأمر يقودنا إلى مسألة مهمة ، وهي أن العربي حينما أحس أن السليقة العربية قد أصابها نوع من الغبش نتيجة التلاقح الحضاري، بدأ يعمل جاهدا في وضع قواعد اللغة دون أن يصرح في بعض الأحيان على أي أساس وضع تلك القواعد، ولعل السبب من وراء ذلك هو خوفه الشديد على العربية ، هذا هو الذي جعله يبني القواعد وفق منهج كان يتركه لنفسه ولا يصرح به، وهو الأمر الذي يدعونا إلى البحث والتنقيب ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إعادة قراءة تراثنا العربي قراءة متمعنة، ليس لضرب ما جاء به علماؤنا الأفاضل، ولكن للمزيد من الاكتشاف في أسرار العربية لأنها بحر وفي أحشائها در كامن ولهذا وجب على الباحث أن يغوص كي يصادف هذا الدر..

فمن خلال ما سبق قد فكرت أن أبحث في أحد درر العربية وهي المسألة الصوتية في النحو العربي، وكان هذا بعد ما. لوحظ أن العربي قد صرح بالدور الهام للحس الصوتي في بناء الكلام العربي، لكن حينما نقرأ كلام العرب المتقدمين نجدهم قد تحدثوا عن العوامل المعنوية والعوامل اللفظية، ولم يعطوا الحس الصوتي في التركيب العربي حقه رغم أنه قد يعد أسا أساسا في بناء هذا الأخير.

فما علاقة الحس الصوتي بالنحو إذن؟

فمن الواجب في كل لغة من لغات العالم أن ترتبط مستوياتها بعضها ببعض، فهي تكون نظاما متكاملا ومتجانسا، بحيث تنسجم هذه المستويات وتتداخل فيما بينها، ولهذه النظرة مغزی مهم، لأنها تثبت لنا أن اللغة لا تتكون من مستويات منعزلة بل هي نظام أو نسق متكامل ينبع من داخل اللغة، فأصوات العربية يرتبط بعضها ببعض ارتباطا حميما وهي من ناحية ترتبط بالصرف ارتباطا تفسيريا منهجيا، والاثنان يرتبطان بالنحو في نظام عجيب وهاهنا سنحاول أن نقوم بتفسير جزء من النحو من خلال وجهة نظر صوتية.

وعليه يمكننا أن نقول إن علماء العربية الأوائل الذين نظروا في صياغة تراكيب العربية لاحظوا أن تأليف الأصول يقوم على معيارين أساسيين:

* المعيار الذوقي والمعيار العضوي: إذ يمتد تأثيرهما إلى إنتاج الأصوات التي تتألف منها الكلمة وذلك من حيث تباعد تشكيل أصواتها أو تقاربها بالنسبة إلى مواضع نطقها في جهاز النطق، وقد اشترط اللغويون في اللفظ العربي أن يكون فصيحا ومستساغا نطقا وسمعا، وخلوه من تنافر أصواته في تركيب الكلم المتواصل به وأكدوا على أن قبوله يتطلب أن تكون مخارج أصواته متناسقة، وهذا بالإضافة إلى مجموعة من القواعد الصوتية المهمة التي بني عليها العربي كلامه وجعل مسألة الخفة من أولويات الكلام العربي، وعليه يمكن القول إن العربي كان يهيئ اللفظ ويراعي جميع مستوياته الصوتية والصرفية لكي يكون قابلا ليشكل عنصرا داخل الجملة أو التركيب، بمعنى أن التركيب العربي هو عبارة عن قوالب فارغة مهيأة لكي تملأ بألفاظ جهزت من قبل، وبهذا يمكن القول إن القواعد العامة التي اتفق عليها النحاة المتقنون للغة والتي حكمت ظاهرة التخفيف أثبتته بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الظاهرة تجسدت في لغتنا، وأصبح هناك إحساس عام بها فانطبعت في نفوسنا أدلة، ذلك أن هذه القواعد تجسدت من خلال ما يسمى بالنحو الفني، ولهذا أجد نفسي مضطرا لكي أذكر ما أورده سیبویه[5]. لأبين الوعي الصوتي لهذا العالم ومدى تأثيره على الكلام العربي:

1/ الاسم أخف والفعل أثقل من الاسم.

2/ إيمان النحاة بأن الجملة حين تطول وتكثر مكملاتها وجب أن تخفف مثل جملة الصلة التي أجاز فيها النحاة حذف العائد باعتبار الحذف يساهم في خفة الكلام نظرا لطولها، وكذلك الجملة التي يتعدى فعلها إلى أكثر من مفعول والجملة الشرطية وجملة القسم ولا سيما إذا اجتمع معها العطف…[6]

3/ اتفاق كثير من النحاة أن الأدوات تستخدم في اللغة بدلا من أفعال حذفت ونابت هذه الأدوات مكانها مثل (يا) نابت على “أدعو أو أنادي” هل” نابت عن “أستفهم” و”ما” نابت عن “أنفي”والسبب وراء ذلك هو كثرة دورائها في الكلام فحذفت الأفعال ثقلا وحلت مكانها هاته الأدوات.

وبهذا يمكننا أن نلاحظ على أن التركيب العربي هو بناء منطقي أساسه العديد من المعايير أولها الحس الصوتي للمتكلم.

فلما كان الرفع هو رمز الثقل والفتح هو رمز الخفة والكسرة سجية التنفس جعلها العربي رموزا صوتية وضعها في أواخر الكلمات لما لها من دلالة صوتية ومعنوية ولهذا وجب أن نأخذ على سبيل المثال:

1- أكل الولد التفاحة.

2- لن يدخلوا

1/ وجد النحوي أن الفعل ثقيل فاستخفه بالفتحة فقال: “أَكَلَ” بدل من “أَكَلٍ” أو “أَكَلُ” وبالتالي يمكن القول أن العامل في هذه العمدة هو عامل صوتي بالأساس.

وبما أن هذا الفعل يحتاج إلى اسم وهو ما سموه بالفاعل وضعوا له الضمة (الولدُ) لأن الاسم في الأصل خفيف وبالتالي فالحركة المناسبة له هي الضمة لتحقيق الانسجام الصوتي، بينما “التفاحةَ” (المفعول به) جعلوا له النصب.

أولا لتحقيق التوازن بين الحركات (الفتحة والصحة والكسرة) لأن التركيب العربي لا يراعي الكلمات فقط بل حتى الحركات فهو كما قلنا “بناء”

ثانيا: لقاعدة صوتية أوردها سيبويه وهي أن الكلام إذا طال خف ومن علامات الخفة الفتحة.

2/ الأصل هذه الجملة «: يدخلونَ” لكن بعد زيادة مقطع صوتي (لَن) في بداية الكلام أثر على التركيب فحذف المقطع الأخير (نَ) من “يدخلون” وبالتالي الفعل نصب بحذف المقطع الأخير استثقالا في النطق.

فالعربي أيضا قد لاحظ بأن “لا” النافية غير مختصة مثلها مثل “هل” الاستفهامية التي تأتي بعد الاسم أو الفعل. وبما أنها لا تلازم الشي فهي تؤثر فيه فنقول “لا يكتبون” دون أي حذف ولكن إذا صارت “لا” الناهية أصبحت لازمة مختصة فجزمت.

وبهذا يمكن القول بأن العربي حينما فحص الكلمات؛ وضع شرط الخفة فوجد بعض الكلمات تتكرر كثيرا (نحن كيف، أين…) فجعل لها صيغ ملازمة فخص الضم لـ”نحن” والفتح ل “كيف” و”أين” … فجعلها مبنية على ما تلفظ به، وعليه يمكن القول بأن هذا العربي قد بناها من خلال حسه الصوتي.

وإذا ما عدنا إلى فعل الأمر نجده يبنى على الحذف حيث إذا كان صحيح الآخر يبنى على السكون (انعدام الحركة (وإذا كان معتلا يحذف حرف العلة وبهذا نستنتج بأن فعل الأمر يبني على الحذف. سواء حذف الحركة (تسكين) أو حرف أ، وبهذا نكون قد اختصرنا قواعد النحو في الاستنتاج الجزئي الآتي:

*-كل فعل يبنى على ما يلفظ به

* -العربي صاغ الكلمات بتداولها فجعل لها هيئة مستقرة (كيفَ أينَ…)

كما أن هذا العربي قدر رأى بأن بعض الكلمات لا تنون فسماها ممنوعة من الصرف فوضع العديد من القواعد التي تظهر الممنوع من الصرف. يمكننا أن نختصر تلك القواعد في القاعدة الآتية: * كل كلمة ثقيلة لا تنون*

فمن المعلوم أن الأسماء أخف من الأفعال ولذلك منع العربي “أحمد ويزيد” من التنوين والجر لأنه شبيه بالفعل في الثقل.

– أعلام الإناث ممنوعة من الصرف

يقول الأنباري في باب المذكر والمؤنث “وأعلام النساء ثقلت على ألسنتهم فلم يلفظوها بالتنوين” فقد حدثنا التاريخ على أن اسم المرأة كان لا يتداول في المجتمع العربي (خاصة اليمن) فكان لا يسمون المرأة باسمها. فينادونها “زوجتي أختي…. وعليه يمكننا أن نبني القاعدة التالية:

– قلة التداول تؤدي إلى الثقل.

– كثرة التداول تؤدي إلى الخفة.

فالمصري معروف عليه أنه لا ينطق القاف قافا كما ننطقها نحن حيث نجده يستبدلها “ألفا” فيقول للقلم ! “ألم” وللقلب “ألب”…، ولكنه حينما يصل إلى القاهرة. ينطقها بالقاف لأنه اعتاد عليها؛ فالكلام إذن إذا كثر خف على اللسان.

*في لفظ مدارسَ: نقول بأنها ممنوعة من الصرف لأنها على وزن “فواعل” وهذه الصيغة ثقيلة على اللسان لذلك حينما نضيف “أل” إلى مدارس يذهب الثقل فتجر وتنصب لأن الألف واللام كسرت صيغتها فنقول أيضا” مدارسكم” حيث قمنا بجرها والسبب في ذلك هو إضافة مقطع في آخرها فأزال عنها الثقل؛ وعليه يمكن القول إن الثقل كان فب الصيغة.

* الأسماء المركبة:

لقد جعل العربي الأسماء المركبة منصوبة (أحد عشر -تسعة عشر. صباح مساء) حيث انطلق من القولة الآتية الكلام إذا طال خف”.

* العوامل:

المبتدأ: قد رأى مجموعة من الباحثين أن العامل في المبتدأ التجرد…. وعليه يمكننا أن نقدم تفسيرا آخر هو أن المبتدأ اسم يتصدر الكلام والاسم دائما ما يكون خفيفا لذلك العربي خص له الرفع لخفته.

الفعل الماضي: فهو مبني على الفتح في الأصل حيث بناه العربي على هذه الصيغة نظرا لثقله،ولذلك إن الفعل ضربت” المبني على السكون هو في الأصل ضربت”  -بفتح الباء- فنظرا لعدم الانسجام الحركي، تم تسكينه.

المضارع: قيل إنه سمي مضارعا لأنه يشبه الاسم في الاعراب ويقع مواقع هذا الأخير فهو مرفوع بخفة صيغته ومبني على الفتح والسكون بزيادة مقطع في آخره نون التوكيد والنسوة مما سببت ثقله فخفف بالنصب أو السكون.

 

خاتمة:

من خلال هذه الدراسة البسيطة تبين الآتي:

1-الحس الصوتي في التركيب العربي حاضر وبقوة وصفا وتفسيرا.

2-وجب أن يكون الأثر الصوتي عاملا ظاهرا كباقي العوامل.

[1] ابن منظور – لسان العرب، بيروت 3 ط 5 دار المعارف ج 2.

[2] سيبويه الكتاب1/20-20

[3] مهدي المخزومي “مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو 259

[4] أو في العصر الجاهلي حيث كانت العرب تنطق بالسليقة لنقائها فتصوغ ألفاظها بموجب قانون تراعيه من أنفسها فيتناوله الآخر عن الأول والصغير عن الكبير من غير أن تحتاج في ذلك إلى وضع قواعد أو حواجز صناعته.

 

[5] سيبويه – الكتاب – ج 1/ 20.

[6] د/ طاهر سليمان ظاهرة،  الحذف في الدرس اللغوي دار الجامعية للطباعة بالاسكندرية، ص 90.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.