منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فن تدوين المنامات في النثر العربي القديم: الوهراني نموذجا

فن تدوين المنامات في النثر العربي القديم: الوهراني نموذجا/ د. أسعد اللايق

0

فن تدوين المنامات في النثر العربي القديم: الوهراني نموذجا

The Art of Chronicling Sleep Visions in Ancient Arab Prose: Al-Wahrani as Case Study

د. أسعد اللايق

جامعة توقات غازي عثمان باشا – تركيا

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد الثاني عشر 

ملخص:

لا شك أن الاعتراف في كل أشكاله هو تعبير عن النفس ودقائقها وهو يفصح في كثير من الأحيان عن «لاشعور» صاحبه أو شعوره الباطن وتصدر عنه بين الحين والآخر فلتات تنسب إلى ما وقر في العقل الباطن من مختزنات اللاشعور، ولكن أياً من أشكال الاعتراف لا يشكل تعبيراً تاماً عن اللاشعور مثلما يعبّر عنه الحلم أو المنام، ففي النوم «يتم الانتقال من ظاهر الحسّ إلى باطنه، فيُرى ما في خزانة الخيال. وفيه تُرى الصور، ويستفاد من الأحوال المُلذّة، والسرعة في التغيّر من حال إلى حال، وهكذا يرينا الخيال أنّ الوجود في حركة دائمة، وتغيّر دائم»

ويكاد ركن الدين محمد بن محرز الوهراني أن يكون مجهولاً لدى جمهرة المتأدبين غير قلة ممن اطلع على مناماته ورسائله في طبعات نادرة وصعبة المنال، وقد لقي إهمالاً كبيراً من معاصريه والمؤرخين اللاحقين؛ فلم يحظ منهم إلا بالنزر اليسير من التعريف الذي لا يبل صدى ولا يجدي معرفة أو إحاطة بأدبه ومكانته.

وسنحاول في هذه العجالة أن نلقي ضوءا على ما دونه في مناماته المعروفة بمنامات الوهراني.

كلمات مفتاحية:

النثر العربي، المنامات، الأحلام، الوهراني.

 

Abstract:

There is no doubt that confession in all its forms is an expression of the soul and its subtleties. It often discloses the “unconscious” of its owner or his/her subconscious, and from time to time there are slips that are attributed to what has settled in the subconscious mind from the stores of the unconscious. However, none of the forms of recognition constitutes a complete expression from the unconscious as expressed by a dream (or a sleep vision). In sleep, “transition takes place from the outward sense to its interior and that lets what is in the treasury of imagination seen. Images also are seen. pleasurable conditions are utilized in addition to the speed of change from one condition to another. Thus, the imagination shows us that Being in perpetual motion and change. This paper, then, sheds light on his sleep visions known as the dreams of Al-Wahrani because he is almost unknown to the polite crowd, except for a few who have read his work and letters in rare and hard-to-find editions.

Keywords:

Ancient, Arabic, Prose, Conscious, Subconscious, Sleep Visions, Al-Wahrani.

مقدمة:

على الرغم من اختلاف الآراء حول الأحلام وطبيعتها، فإنها جميعاً تؤكد أنّ الأحلام ذات معنى وذات مغزى، وأننا لا نحلم إلا بما هو تعبير عن حياتنا الداخلية. وقد أكد فرويد أنّ كل الأحلام يمكن أن تفهم شريطة أن نملك المفتاح. وتفسير الأحلام هو الطريق الملكية المفضية إلى فهم اللاوعي[1]. واتفقت معظم مدارس التحليل النفسي الحديثة على أنّ الحلم تحقيق للأمنيات اللامعقولة، المكبوتة في حياتنا الصاحية. وبذلك يغدو الحلم طريقاً ممهداً إلى اللاوعي، إذ إنّ الوعي يمثل نشاطنا الذهني في وجودنا المتصل بالواقع الخارجي، بينما يمثل اللاوعي وجودنا الذاتي المستقل المتحرر من قيود العالم الخارجي وواجباته ومن ثم يكون الحلم تعبيراً عن الوجود الذاتي الحقيقي قبل أن يخضع لتحوير الواقع الخارجي الذي لا يفصح غالباً إلا عن قشرة الشعور.

ولكن، هل يعني ذلك أن النشاط الذهني يفتقر إلى المنطق في حالة النوم؟

 لعل تجربة النوم لا تفتقر إلى المنطق، ولكنها تخضع إلى قواعد منطقية مختلفة عن تلك القواعد المنطقية التي يقيمها نشاطنا الذهني في حالة الصحو. إن «الأحلام لها صفات عجيبة، فهي لا تخضع لقوانين المنطق التي تحكم فكرنا أثناء اليقظة. كما أنها تجهل مقولتي الزمان والمكان جهلًا مطبقًا، ويتصف الحلم أيضًا بأنه يبعث في الذهن أحداثًا وأشخاصًا لم يسبق لها أن خطرت للحالم ببال منذ سنوات طويلة، ولم يكن له أن يتذكر وقائعها في حالة اليقظة أدنى تذكر».[2]

والحلم، من جهة أخرى، تعبير عن الدوافع البدائية الغريبة فينا. وغالباً ما يفسر نسيان الأحلام بخجلنا من تلك الدوافع الآثمة التي نعبّر عنها حين لا نكون تحت رقابة المجتمع. ونحن حين نحلم نكون أقلّ فطنة وحكمة واحتشاماً، ولكننا نكون كذلك أعقل منا في حياة الصحو؛ ذلك أننا حين نخلد إلى أنفسنا في حالة النوم، يمكننا آنئذ النظر إلى دواخل نفوسنا من غير أن يزعجنا الصخب النهاري، ونكون أقدر على الشعور والتفكير في أصدق المشاعر والأفكار وأكثرها قيمة أو نكون أصدق في معرفة ذواتنا مما تفرضه علينا أوهام النهار.

المبحث الأول: المنامات والتدوين

     عدّت المنامات منذ القديم ضرباً من ضروب الإلهام؛ فالآلهة تخاطب عابديها في الحلم، وما الأحلام إلا رؤىً ونبوءات لما قد يحدث، فيكون تأويل الحلم حتمي الوقوع أو كالحتمي كما نجد في أساطير آرام وفينيقيا إذ يرى «لطبان» رؤيا تسعده وتبهجه تأتي على النحو التالي:

   «في رؤيا خالق الكائنات الحية

كانت السماوات تقطر زيتاً

والوديان تجري بالعسل

فابتهج لطبان إله الرحمة،

واستقام على كرسيه واضعاً قدميه على المسند

ضاحكاً من أعماق قلبه

ورفع صوته صائحاً:

دعوني الآن أستقر وأستريح،

وتهدأ نفسي بين ضلوعي،

لأن عليان بعل حي

لأن سيد الأرض حي»[3].

ورؤيا الزيت والعسل ليست خيراً يجلب السعادة إلى لطبان فحسب، بل هي إشارة عَلية جعلته يتحقق من حياة عليان بعل وحملت إليه بشرى طال انتظاره إياها، وكان السبيل إلى هذه المعرفة الحلم في لغة مجازية حسية وثيقة الارتباط بالفكر البشري في طفولته الأسطورية، وحتى أوقات متقدمة، ففي التفسير المنسوب إلى ابن سيرين يؤوّل رؤيا نزول العسل والزيت من السماء بخصب ورزق ومال[4]، ويرى في موضع آخر أن رؤيا العسل مال مستفاد من ميراث أو غنيمة[5]، وينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تأويله العسل بالقرآن.

وتحفظ لنا الكتب المقدسة طرفاً من هذا الخطاب بين الآلهة والبشر؛ ففي العهد القديم نقف على حلم للنبي يوسف عليه السلام يرد في السياق التالي: «وحلم يوسف حلماً وأخبر إخوته. فازدادوا له بغضاً، فقال «اسمعوا هذا الحلم الذي حلمت، فها نحن حازمون حزماً في الحقل، وإذا حزمتي قامت وانتصبت فاحتاطت حزمكم وسجدت لحزمتي»، فقال له إخوته، ألعلك تملك علينا ملكاً أم تتسلط علينا تسلطا، وازدادوا أيضاً بغضاً له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه، ثم حلم أيضاً حلماً آخر وقصه على إخوته، فقال: إني قد حلمت حلماً أيضاً وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة لي، وقصه على أبيه وإخوته، فانتهره أبوه، وقال له: ما هذا الحلم الذي حلمت، هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض، فحسده إخوته، أما أبوه فحفظ الأمر.»[6]. ونفهم من السياق أن هذا الحلم ليس تعبيراً عن خيال يوسف والطموح الذي يعتمل في داخله فحسب، وإنما هو نبوءة وشيكة التحقق ما تلبث أن تصبح واقعاً ملموساً. وفي السياق نفسه ولكن بوقائع أكثر تعقيداً ترد قصة أحلام فرعون[7]، إذ يعجز مفسرو القصر عن إدراك كنهها، وفي هذا إشارة إلى الأهمية التي كانت الشعوب القديمة تعلقها على الأحلام، فيكون ثمة منصب رفيع لمن يفسر هذه الأحلام، وهو في الغالب من الكهان، بسبب ذلك الارتباط الوثيق بين عالم الحلم وعوالم الآلهة. أما قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم ففيها تبدو الأحلام نبوءات رمزية لأحداث غيبية لأنها جزء من قصص النبوة كما عرضها القرآن الكريم؛ فالأحلام هنا واقع يرمز إليه قبل حدوثه بما يلائمه ويمهد له.

وكان للعرب اعتقاد عظيم بعالم الأحلام، وإيمان راسخ بحقيقة الرؤى، فذهبوا في تأويلها كل مذهب، وصار للكهان والسحرة والمنجمين مكانةٌ مهمة في قراءتها، فروى إخباريوهم وقصاصوهم الكثير من هذه الرؤى في غير قليل من التصديق، كمثل ما روي عن ربيعة بن نصر: «وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، فرأى رؤيا هالته، وفظع بها فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجماً من أهل مملكته إلا جمعه إليه.»[8]. ويبدو أن هذه الرؤيا تركت أثراً سيئاً في حياة هذا الملك إذ لم يحسن أحد من هؤلاء تأويلها، فلجأ إلى شق وسطيح اللذين اشتهرا كبطلين لكثير من الخوارق والأساطير: «فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال له: إني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها، فإنك إذا أصبتها أصبت تأويلها قال أفعل: رأيت حمَمَة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تَهِمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ …» [9]. وبديهي أن سطيحاً يوفق في مسعاه وكذلك شق على عادة هذه الحكايا. وعلى الرغم من فقر مثل هذه القصص إلى الدقة والصدق، بل ابتعادها عن الواقع، فإنها تترك انطباعاً قوياً بأن العرب قد عدوا الأحلام ضرباً من العالم العجائبي الغيبي، ذاك الذي لم يعقلوه ولم يفقهوا مجازه فلجؤوا إلى التأويل لإخراج هذا النص من غموضه، وفك رموزه وألغازه، وانحصر هذا التأويل في المستقبل والبحث عن تحقق الرؤى في عالم الواقع، ثم رسخ هذا ما ورد في القرآن الكريم من رؤى يوسف عليه السلام التي كانت إرهاصاتٍ وبشرى بما سيكون ليوسف من رفيع المنصب وشرف النبوة، بل إن تأويل الحلم على الوجه الصحيح كان من سمات النبوة؛ فيعقوب عليه السلام كان على دراية به. ويجيء الحلم في القرآن على النحو التالي: ﴿إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾[10].

فينصح يعقوبُ يوسفَ عليهما السلام بكتمان الحلم، ويعده بتمام النعمة وبشرى النبوة وعلم تأويل الأحلام: ﴿قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق. إن ربك عليم حكيم﴾[11].

وإذا تجاوزنا قداسة الرؤيا التي وردت في حلم يوسف عليه السلام، إذ هي وحي من الله، ونظرنا إليها نظرة تفسيرية بسيطة، تجلى لنا واضحاً الخيالات التي كانت تدور في رأس يوسف الصغير وهو الذي نشأ في بيت نبوة وكان مميزاً بين أترابه وإخوته مما يعد بأنه سيكون أرفع مقاماً من أبيه وإخوته وأنهم سيتهيبونه صاغرين، ولا ريب أن ذلك تعبير عما كان يتهيأ له من مكانة رفيعة عبر كثير من التضحيات، ولعله كان في الحلم أشد إدراكاً لملكاته النادرة منه في حياة الصحو، من غير أن ننسى القدرة الإلهية التي أوحت له بهذه الرؤيا.

وفي سياق آخر لأحلام قومٍ لا ينتمون إلى بيوت نبوة ولا يحملون رؤى يوسف عليه السلام، نرى صاحبي السجن يعجزان عن فهم ما يدور في اللاوعي الخاص بكل منهما فيلجآن إلى يوسف الذي يدرك – بمعونة الوحي- ارتقاء الأول في خدمة الملك، ونهاية الثاني المؤلمة من خلال قراءته لرموز أحلامهما لا على اعتبار ما كان بل على اعتبار ما سيكون. وهذا بالتحديد ما دفعه إلى قراءة حلم كبير القوم من حيث تحققه في المستقبل القريب لا هاجساً يشغل بال حاكم، ومخاوف تدور في خلده والمنطقة المستترة من وعيه.

ولعل الأحاديث الواردة في السيرة النبوية – وهي جمة – أكثر تفصيلاً وإيضاحاً لحقيقة الرؤى كما ينظر إليها الإسلام، فقد روي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «الرؤيا ثلاثة: منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»[12].

والشكل الأول من الرؤى هو ما يعرف بالكابوس، أما الضرب الثالث فلم يكن موضع نظر المدارس النفسية أصلاً لأنه يشير إلى أن الحلم وسيلة من وسائل الوحي، ويبقى الضرب الثاني المجال الذي يتناوله علم النفس.

وقد تعمق الصوفيون في الإسلام في قضايا الأحلام، وأغرقوا في الاعتماد على عوالم الرؤى، إذ إنها السبيل إلى عالم «الخيال» الذي هو أكمل العوالم وأصل العالم، «له الوجود الحقيقي والتحكم في الأمور كلها، يجسد المعاني، ويجعل ما ليس قائماً بنفسه قائماً بنفسه، ويجعل صورة لما لا صورة له، ويجعل المحال ممكناً.» [13]. واعتمدوا على النقلة التي يأخذنا بها الحلم من ظاهر الحس إلى باطنه فيرينا ما في خزانة الخيال.

والرؤى التي تطرأ من العالم العلوي يسميها ابن عربي «الواقعة» ويرى أنها خاصة بالأولياء في مقابل اختصاص الوحي بالأنبياء، ورؤى الأولياء هذه هي الرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة[14].

وإذا كانت الوقائع غير مقيدة بنوم – فقد تكون في يقظة – وتنبع من ذات الإنسان؛ فإن الرؤيا لا تنبع من ذات الإنسان حقيقة وإنما هي من الله، ولا تكون إلا في حال النوم، ولذلك «يبدأ الوحي بالرؤيا لا بالحسّ، لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس، فهذا طرف أدنى والمعنى طرف أعلى، والخيال بينهما، والوحي معنى، ولهذا كان بدء الوحي إنزال المعاني المجردة العقلية في القوالب الحسية المقيدة في حضرة الخيال، في نوم أو في يقظة، وهو من مدركات الحس في حضرة المحسوس، فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحس فلا بد أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحس، ومن حقيقة الخيال أن يصور كل ما حصل عنده في صورة المحسوس، فإذا كان ورود ذلك الوحي الإلهي في حال النوم سمي رؤيا، وإن كان في حال اليقظة سمي تخيلاً، لهذا بدء الوحي النبوي بالخيال.»[15].

ويميز ابن عربي بين الحلم والرؤيا راداً الحلم إلى عوالم الحس، على حين تنتمي الرؤيا إلى عوالم الخيال، «لذلك متى وجب تأويل الحلم احتاج المعبر عنه إلى مضاعفة الخيال حتى يعبر من الرمز إلى المرموز به»[16].

وهنا نتساءل: هل كان دخول عوالم الحلم في آليات التعبير الصوفية علة إنتاج نصوص مغايرة لما كان مألوفاً في التراث الكتابي العربي؟

لا شك أن هذه النتائج المختلفة في الآثار الفنية نجمت عن انطلاق الصوفية من آليات معرفية مختلفة. وقد وجد كثير من الباحثين آفاقاً مشتركة بين كتابات الصوفية والرؤى السوريالية التي ذهب إليها نفر من المعاصرين، ومن هذه الاشتراكات الحلم الذي كان له أثر كبير في حريات الكتابة عند السوريالية، ويرى موريس بلانشو أن «حريات الكتابة» في تاريخ السوريالية، «مرتبط بتجارب النوم». والواقع أن الكتابة الآلية لم تبق طويلاً الوسيلة الوحيدة لبلوغ هذه القارة الضخمة التي كشفت عنها. ومنذ 1922، دخل النوم المغناطيسي كوسيلة أخرى لاستكشاف تلك القارة الغامضة، فهذا النوم يلغي كذلك الرقابة التي تعيق الفكر، وتفتح أبواب المدهش، وأبواب الحرية، يقول أراغون: «الحرية، هذه الكلمة البديعة، هنا تأخذ للمرة الأولى معنى: تبدأ الحرية حيث يبدأ المدهش»[17].

والمدهش والعجائبي الفانتازي هو أكثر موضوعات الأحلام إثارة وأهمية، ولذلك ليس غريباً أن الكثير من أحلام الصوفية تتخذ من «القيامة» زماناً ومكاناً للحلم، كحلم ابن سريج: «رأى أبو العباس بن سريج في منامه في مرض موته، كأن القيامة قد قامت، وإذا الجبار سبحانه يقول: أين العلماء؟ قال: فجاؤوا، فسألهم: ماذا عملتم؟ فأجابوا: يا رب قصرنا وأسأنا، ثم أعاد السؤال كأن لم يرض به وأراد جواباً آخر، فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي الشرك، وقد وعدت أن تعفو ما دونه، فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم.»[18].

ويتابع سارد القصة بأن هذا الشيخ قد مات بعد ثلاث ليالٍ. أتراها كانت نبوءة له بقرب أجله؟ أم هي أحلام رجل تقي عاش عمره خائفاً من الخطيئة فتمثلت له النجاة في حلم حمل يقينه بما ورد في الشريعة من الغفران، وكأنما الله سبحانه وتعالى لم يرد في الحلم إلا بصيغة الجبّار لإكمال جلال المشهد وروعته كما تمثل دوماً في التراث الإسلامي وخيالاته عن يوم القيامة كمثل ما يرد في حلم الوهراني من عوالم جليلة!.

المبحث الثاني: الوهراني (ت575هـ): صلته بالأدب والمنامات

يكاد ركن الدين محمد بن محرز الوهراني أن يكون مجهولاً لدى جمهرة المتأدبين غير قلة ممن اطلع على مناماته ورسائله في طبعات نادرة وصعبة المنال. وقد لقي إهمالاً كبيراً من معاصريه والمؤرخين اللاحقين؛ فلم يحظ منهم إلا بالنزر اليسير من التعريف الذي لا يبل صدى ولا يجدي معرفة أو إحاطة بأدبه ومكانته، وأقدم من ترجم له القاضي ابن خلّكان الذي ذكر فيه: «أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، وفنه الذي يمت به صناعة الإنشاء. فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة، علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم، ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد، وسلك طريق الهزل…»[19].

ونفهم من ابن خلكان أن الجمهور رآه متطفلاً دعياً آتياً من مكان بعيد ليزاحم زعماء الإنشاء والكتابة الديوانية ومن ختم بهم النثر العربي، كما يعتقد قدامى النقاد، وهم يرون أن إخفاقه في الكتابة الجادة هو ما دفعه إلى الكتابة الهزلية أو الساخرة، غير أن مؤرخين آخرين يرون فيه شخصاً ظريفاً، خفيف الروح فطرةً، فاستطاع أن «يجذب القلوب إليه،… وكان بارعاً في الهزل والسخرية، فصب سخريته وتهكمه على كبار علماء دمشق وفقهائها وأطبائها وكتابها، كالتاج الكندي، والمهذب بن النقاش، والقاضي الفاضل، والقاضي ضياء الدين الشهرزوري، والقاضي ابن أبي عصرون، وغيرهم»[20].

ولم يسلم من لسانه وقلمه علماء مصر ورجالها أيضاً، كالخيوشاني وابن مماتي، فألف رسائل هزلية مختلفة، وابتدع فن المقامات الأدبية، وقد شهر منامه الكبير الذي: «سلك فيه مسلك أبي العلاء في رسالة الغفران» و«جمع فيه أنواعاً من المزاح والأدب»[21].

ونفهم من النصوص المختلفة للذين أرخوا له، أنه لم يكن جديراً بتقدير خاص، ولعل ذلك يكمل ما اعتقده في حياته من أن شؤم الحرفة قد أدركه مثلما أدرك قبله شيخ كتاب النثر أبي حيان التوحيدي. ولعل سوء الطالع جعله رجلاً ساخراً متهكماً سوداوياً، راح يسخر من نفسه وأصحابه وواقعه، وحتى من عقائد القوم التي لم يبد عليه إيمانه العميق بها من بعث وحساب. ولعل هذا الموقف من العقائد هو الذي دعا المؤرخين إلى عَّدِهِ سالكاً مسلك أبي العلاء وناحياً نحوه، ولهذا وقفة مستفيضة ومقالة ضافية.

إن السخرية والنكد، إذن، أهم معالم شخصيته. وإذا أضفنا إليها ضعف الإيمان ظناً لا يقيناً وجدنا لديه البيئة الصالحة لتلفيق منام عن يوم القيامة.

ويبدأ الوهراني كتابه بما يسميه «الفشر» و«هذيان الشعراء»، من تملّق لمن أرسل إليه الكتاب ومبالغات مضحكة أحياناً. إلى أن يبدأ بالتعبير عن قلقه وضجره، ولا سيما إثر وصول كتاب العليمي، متضمناً نقمته على الوهراني بسبب طريقته في خطابه بلا ألقاب. ويتظاهر الوهراني بأن هذا الكتاب أهمّه، وأبعد النوم عن عينه إلى أخرةٍ من الليل، فغلبته عينه ليرى فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ويدعى من ثمَّ إلى العرض على الحساب، ثم يلتقي الحافظ العليمي فيعاقبه على سوء أدبه في مخاطبته، ويترافقان في مشاهدة أهوال القيامة وحساب العديد من أصدقائهما ومعارفهما حساباً عسيراً، وما يلبث أن يبدأ حسابهما على أيدي ملائكة غلاظ، فيعرضون تهمهما ومعظمها مما يتعلق بالشذوذ، ولكن حدثاً غريباً يستبشر له كل من في المحشر، فقد طفق أفجر الخلق ومجرمو الأمة يرقصون استبشاراً بالغفران، طالما غفر الله للمهذب النقاش، ثم يتجهان إلى الحوض طمعاً في مساعدة أمير المؤمنين، ولكنهما يخفقان في استمالته، فيلجآن إلى بني أمية فينصرهما يزيد بجيش يحارب دونهما من أجل الحصول على شربة ماء، وهنا يصحو الوهراني على وقع صيحة عظيمة من محمد بن الحنفية فيسقط على سريره توقياً لضربة رمحه.

المبحث الثالث: منامات الوهراني بين الاعتراف والإيهام

هل نستطيع الجزم بأن الوهراني قد لفق هذا المنام؟ وكيف ذلك؟ وقد ساد شعور قوي في الثقافة الإسلامية بإثم من يختلق مناماً ويرويه. أتراه غير مبالٍ بالإثم؟ أم أنه صادق في منامه – من حيث هو منام – ثم راح يتفنن بسرد تفصيلات ابتدعها من عند نفسه؟ …

 إننا نرجح أن يكون مناماً، وثمة ما يؤكد هذا الرأي في بعض عوالم الحلم ورمزيته التي يصعب ادعاؤها. ولكننا لا نثق بكل التفصيلات التي نظن أنه سد بها فراغات منامه وابتدع حيلاً مختلفة ليبدو منامه متماسكاً لا عيب فنياً فيه.

ولعل مشككاً يقول: ما الذي يدفع الوهراني لاختلاق حلم كهذا لا ينتصر لنفسه، بل يدينها في كثير من الأحيان، وما الذي يدعوه إلى اتباع هذه الطريق وانتحال هذه النحلة؟

 إننا نميل إلى الرأي القائل بأن طلب المال هو العلة وراء ذلك فيما يحدث عن نفسه: «لما تعدّدت مآربي واضطربت مغاربي، ألقيت حبلي على غاربي، وجعلت مذهبات الشعر بضاعتي… فما مررتُ بأمير إلا حللتُ ساحته، واستمطرت راحته، ولا بوزير إلا قرعتُ بابه وطلبتُ ثوابه، ولا بقاضٍ إلا أخذتُ سيبه، وأفرغتُ جيبه…»[22].

هذا ما نراه في ظاهر الشعور وثابت الإقرار، أما إذا ذهبنا نتقرّى ما وراء هذا الظاهر من دوافع لاشعورية وعلل خفية، فإننا سنجد أكثر من سبب يدفعه إلى صنعة هذا المنام أو حشوه بأفانين من التهكم، والتهكم في رأينا أحد أهم هذه الأسباب؛ إذ انطوى على شخصية ساخرة ونزعة إلى الهزل، وتحويل كل ما يعرض له في مجريات حياته إلى نكتة، فهو يبتدئ المنام بما حمله – في ظنه – على رؤيته «فإنه قد لحقه من الضجر والكلال ما يلحق الجحش الصغير إذا حمل أحمال البغل القروح، وانضاف إلى ذلك استعجال حامله وتوثبه للرواح»[23].

وعلى الرغم من أنه لم يشرع في رواية المنام، فإنه يمهد له بعرض حالته النفسية من سأم وتعب، ويقيسها بحالة الجحش الصغير يحمل الأحمال الثقال. وفي هذا التشبيه من السخرية والتهكم ما فيه، ويبدو أن تقمص أحوال الحيوانات والأشياء كان ديدناً لديه؛ فمرة يكتب رسالة على لسان بغلته[24]، وتارة يشكو على لسان مئذنة الجامع الأموي[25]. ولعل ذلك راجع إلى إحساسه بالتشيؤ = التحول إلى شيء إزاء قلة خطره في حضرة معاصريه، أو ربما يكون ذلك لفرط حساسيته مثله مثل أي فنان، فيتقمص الأشياء ويضفي عليها الشعور وردة الفعل والانفعال. وقد ساعده ذلك في إرسال رسائل غير مباشرة إلى السلاطين وأصحاب القرار كرقعته على لسان مساجد دمشق[26]، وفي التهكم من شخصيات لم يستطع النيل منها جاداً رسالته على لسان بغلة[27]. وقد امتطى هذه المرة مطية المنام ليذكر مساوئ قوم لا يحسن أن يسيء إليهم، فقد يتهمه الجمهور بالتحامل على علية القوم: «لو أني مثل الحافظ العليمي الذي لا يقتني إلا الغلمان الذكور كلما التحى واحد باعه وأخذ آخر»[28]. وهذا يطلعنا على دافع آخر هو الانتقام؛ فتراه يذكر هؤلاء المشاهير، وهو غير ملوم. وهل يلام المرء في منام!؟ «فقال أبو المجد بن أبي الحكم: والعشرة دنانير التي لك عند ابن النقاش إلى متى تخلّيها؟ قم الحقه قبل أن يدخل الجنة فما ترجع تراه أبداً»[29].

وإذا كان الحلم – ليلياً كان أو نهارياً – ينجز دائماً رغبة، فإن الرغبة الملحة التي لم تفارق خياله هي أن يقهر خصومه في الحلم، أولئك الذين قهروه في الواقع. وعموماً فإن اختلاق الحلم يحرره من كل القيود التي تقيّد النثر الجاد ويسمح له بالتمرد على قواعد الإنشاء وآداب اللياقة الاجتماعية اللتين لم يستطع مسايرتهما والخضوع لقوانينهما، وفي الوقت نفسه لم يمتلك الجرأة الكافية لإعلان تمرده، فكان إعلانه المبطن في صيغة حلم. وفي الحلم يحقّ للحالم ما لا يحق لغيره. ولكنّ جميع هذه الحيل لم تنطلِ على المؤرخين والنقاد الذين عاقبوه بقسوة وإهمال.

وإذا سلّمنا – على تردد – بأن الانتقام والتهكم دافعان قويان لاختلاق المنام؛ فما الذي يلوح في المنام من دواعٍ لتصديقه؟

مما لا شك فيه أنّ للمنام لغة مغايرة للغة الواقع وقوانين مختلفة بل منطقاً مختلفاً عن منطق الصحو، ولنا أن نلحظ لغة الحلم ظاهرة في منامات الوهراني في أكثر من مناسبة، فهو يذكر الطعام والحلويات أكثر من مرة: «لكنني ما خرجتُ من الدنيا إلا بحسرة من فراق ططماج العماد، وصابونية الضياء، وهريسة ابن العميد.»[30]. و«كنت أشتهي على الله الكريم في هذه الساعة في هذا المكان رغيفاً عقيباً وزبدية طباهجة ناشفة، وجبن[31] سناري ونعارة نبيذ صيدناني …»[32]. ولما كانت الأحلام متنفساً للدوافع المكبوتة فإن ثمة رمزاً واضحاً في الطعام والحلويات. والترميز أهم ملمح من ملامح لغة الحلم فهو يعبر عن صور محسوسة بصور محسوسة، كما في حالة الطعام التي هي رموز محسوسة للذة أخرى محسوسة اللذة الجنسية. لا يستطيع المرء في قوانين الصحو أن يعبر عنها بحرية فتظهر في المنام متنكرة بهذه الرموز. وإذا تقرّينا حوادث اليوم السابق في المنام -وهي أهم سماته – وجدنا الباعث الرئيسي عليه كتاب الحافظ العليمي، الصديق الذي لم يكن صديقاً مكافئاً للوهراني، فنقم عليه لأنه خاطبه باسمه مجرداً بغير كنية ولا لقب فكان المنام رداً على هذا الموقف وانتقاماً نفسياً للوهراني الذي لم يكن في موقع يسمح له بالرد على هذه الإهانة، فتتحول هذه الإهانة المعنوية إلى صورة حسية هي اللكم والبصاق. ويجد الوهراني في عذابات يوم الحساب والمعاملة السيئة التي يلقاها العليمي من الملائكة تحقيقاً لرغبته في الانتقام لهذه الإهانة، يقول الوهراني في منامه: «وسرتُ إلى نحوك وناديتك فأقبلت إليّ تجري، وما كلمتني كلمة دون أن لكمتني لكمة موجعة وشتمتني ولعنتني وطيّرت في وجهي خمس أواقٍ بصاق كعادتك عند الكلام، وقلت لي: يا عدو الله ما كفاك أنك خاطبتني بنون الجمع وكاف المخاطب حتى ذكرت اسمي بغير كنية ولا لقب؟ والله لأتوصلن إلى أذيتك بكل ما أقدر عليه.»[33].

نخلص من ذلك إلى أنّ ما كتبه الوهراني تحت مسمى «منام» أو حلم هو حلم حقيقة وإن كان الشعور المستيقظ قد أدرج إضافات متعددة في ذكرى الحلم، وتلك حقيقة أشار إليها فرويد من ملاحظاته المتعددة لأحلامه وأحلام مرضاه كيف يُهيّأ «إلينا أننا حلمنا بأشياء من صنوف شتى، وما حوى الحلم في الحقيقة شيئاً منها»[34]. وغالباً ما نميل إلى «سد ما بين صور الحلم من الثغرات ودون أن نلحظ مانحن صانعوه أو نعمد إليه، فلا يحدث إلا نادراً – أو لا يحدث أبداً – أن يكون لحلم من الترابط في الحقيقة مثل ما يلوح له في الذاكرة.»[35].

المبحث الرابع: رغبات الوهراني بين التحقق والكبت

لعل من مسلمات تفسير الأحلام أن الأحلام متنفَّسٌ للرغبات المكبوتة، أو هي كما عرفها فرويد: «تحقيق مقنّع لرغبة مقموعة أو مكبوتة»[36]، فما الرغبات التي نزع منام الوهراني إلى تحقيقها؟ وما هي النزعات التي ظهرت في المنام بديلاً – أو إشباعاً – لقمعها في اليقظة؟ وهل نستطيع الزعم بأننا كشفنا هذه الرغبات مكتفين بنص المنام المكتوب؟ أليس من شروط صحة التحليل الاستعانة بذاكرة صاحب الحلم وطبيعته ومزاجه قبل الدخول في عوالم الحلم نفسه؟ …

ربما نستطيع بعض الإجابة بالاستشهاد بقصة طريفة رويت عن رائد التحليل النفسي، فقد سئل مرة عن مصادره وشيوخه في بدعته التي أتى بها من غير سابق، فأشار من غير تردد إلى رفوف مكتبته التي حفلت بروائع الأدب العالمي[37]؛ فالعمل الأدبي كائن قائم بذاته، وكتابة الروائع الأدبية لا يمكن أن تشفّ عن معنى واحدٍ واضح، إنها رسالة اكتسبت سلطة الإيحاء باللامتوقع وبالمجهول، «فالكتّاب هم أناس، عند الكتابة، يتحدّثون بدون علمهم أشياء هم لا يعرفونها بدقة، إن القصيدة تعرف أكثر من الشاعر»[38].

ونضيف بأن الإبداع الأدبي يعرف من نفس المبدع ونزعاته أكثر مما يدرك هو نفسه، بذلك يمكن الركون إلى العمل الأدبي بديلاً عن جلسة تحليلية لصاحبه، إذ إنّ منام الوهراني أصدق كشفاً، وأعمق اعترافاً وتعبيراً عن تجربته الذاتية من كل ما تحدثت به كتب السير. إذن فما الرغبات التي نتوقع أن يكون هذا المنام قد أنجزها؟

  1- الرغبات الجنسية المكبوتة:

للرغبات الجنسية مكانة مهمة بين رغبات الإنسان لأنها تنبع من غريزة، مما دفع معظم الأحلام إلى أن تحمل في طياتها ملامح لهذه الرغبات ولا سيما في مجتمعات تهشّ للعفاف، غير أن المجتمع الإسلامي قد حقّق حرية نظمتها بعض الأحكام كتعدد الزوجات والتسرّي، ولكن ذلك ليس كفيلاً بأن يزيح عبء الرغبة وذاكرة الجسد وتفصيلات الشهوة، مما يبيح لنا أن نقرأ ما بين سطور حلمه وما يقبع داخل سراديب لا شعوره، قراءة تعود بالكثير من الصور والحوارات إلى عوالم الجسد.

وتستوقفنا في بداية روايته للمنام ما أورده من مشهد بعثه: «فخرجت من قبري أيمم الداعي إلى أن بلغت أرض المحشر، وقد ألجمني العرق وأخذ مني التعب والفرق»[39].

يذهب مفسرو الأحلام تفسيراً شعبياً إلى الصلة الوثيقة بين القبر والسجن[40]؛ فالرائي قبراً إنما يرى سجناً، مثلما يفسر السجن في المنام قبراً، وعلى ذلك يكون الوهراني خارجاً من قبره كمن خرج من السجن. فأي سجن هذا يخرج منه؟

لعلّها تفصيلات الحياة اليومية ورتابتها القاتلة بكل ما تعنيه من حرمان لرجل بمعاناة الوهراني، فهي سجن لرغباته التي لا يستطيع تحريرها. وما هذا السجن في الحقيقة إلا الكبت الذي تكلّفه لا يغادره فكان المنام تحرراً منه، وانطلاقاً من أسره النهاري، وكأن هذه الصورة قد ارتبطت بشكل لا واع بالصورة التالية: «ألجمني العرق»، لا سيما إذا عرفنا أن التفسيرات الشعبية تنسب إلى تصبب العرق قضاء الحاجة أو مضرة الدنيا[41]، وكأن هذا المشهد يوحي بأن ما لم أستطعه في الصحو قد أشبعه في المنام، من غير أن ننسى مقاومة الشعور والوعي لهذا التحقيق مسبغين عليه غلالة من الأهوال والمعاناة التي تصحب القيامة. وهذه الصورة – إن لم يكن حدث المنام بأكمله – قد اتخذت من آخر ما كان يفكر فيه قبل أن ينام بيئةً ومهاداً صالحاً لمادة الحلم وأفكاره؛ فالوهراني قبل أن تغلبه عينه كان يتهكم بتعلّق صديقه بعقابه قائلاً: «وأظنه لو مات والعياذ بالله قبل أخذه لثأره، لمزق الأكفان ونبش المقابر ورجم أهل الآخرة بالحجارة.»[42].

وما ذكره هنا من ضروب الشهوة مجازاً كان أكثر وضوحاً في موضع آخر حين يقول – غافلاً عن أهوال القيامة -: «كنت أشتهي على الله الكريم في هذه الساعة في هذا المكان رغيفاً عقيبياً وزبدية طباهجة ناشفة وجبن سناري ونعارة نبيذ صيدناني والحافظ العليمي ينادمني عليها بأخبار خوارزم، وفخر الدين بن هلال يغني لي:

يا أهل نعمان إلى وجناتكــم                تعزى الشقائق لا إلى النعمــان

وأبو العز بن الذهبي يغازلني بعينيه، ويسقيني الصرف من النعارة، حتى يغرق حسي وأغيب عن الوجود فتنقضي عني الشدايد وأنا في غير معقول.»[43].

إن ظاهر الحلم – أو صوره – لا يرتبط دائماً بالحالة الوجدانية المصاحبة، إذ نألف أن يصحب صورة يوم النشر الرعب والقلق، بينما يبدو الوهراني غير مكترث لأكثر من جلسة ربما حدثت في ماض قريب، أو هي رغبة في أن تكون، وهي جلسة لا تبدو عليها سيماء البراءة أشتهي – النبيذ – يغازلني- ينادمني… وليس تجنياً منا أو إزاحة الصورة إلى غير ما تذهب إليه، إنْ ذهبنا بها، إلى مفازات الشهوة وسراديب الرغبة؛ فالتناقض الواضح بين أهوال يوم القيامة والحالة الوجدانية حجة قوية على أن صورة الأهوال هذه ما هي إلا تشويه تعمد إليه قوى المقاومة، لتعمية الغاية الأساسية للمنام – أو الغايات الأساسية له – ولعل ما يرتبط به الخمر من خبرة شعورية تدور حول الإثم توحي بمغزى شهوة الطعام، وهي في حقيقة الأمر كناية حلمية عن شهوة أخرى، غالباً ما يتم التعبير عنها بطريقة مقاربة. ومألوف أن نقول «جوع جسدي» في تعبير عن شبه حاجة الجسد للجماع بحاجته إلى الطعام. ويثير استغرابنا أن تظهر هذه الصورة الصريحة للصلة المثلية الآثمة في مغازلة أبي العز بن الذهبي له ومنادمته الشراب حتى «يغرق حسي وأغيب عن الوجود». فكيف أتيح لهذه الصورة أن تهرب من الرقابة وتسلم من عوامل التشويه أم أنها هي الأخرى رغبة مكبوتة قد وجدت ميدانها في هذه «الساعة، في هذا المكان» في هذا المنام الخارج على قوانين الزمان والمكان معاً؟

وعلى نقيض من هذه الصورة الصريحة، يأتي لقاؤه بالحافظ العليمي – وهو البطل غير المنازَع في هذا المنام – في غاية الغرابة والتعقيد والتكثيف، فقد حاول المنام بأسره – كما قدمنا – الانتقام من هذا الرجل، ولكن لا شعور الوهراني يعمّق هذا الانتقام بجعله نويبهاً[44]، ثم جعله يبول على أفخاذه ويتغوط على ساقاته رعباً وهلعاً. فمن أين أتى بهذا التصغير: النويبه؟

يجب أن نرجع سطراً لنكتشف أنّ المخاطَب هنا شخص يدعى النبيه بن الموصلي، وهو شخص يمر به الوهراني في منامه عجلاً من غير أن يشير إليه بحسن أو قبيح، ولعله ما أورد اسمه إلا علّة للتهكم من الحافظ العليمي، فاشتق له تصغيراً من اسم النبيه، ولعل لهذا التداعي صلة بما كان يدعيه الحافظ من النباهة. ولكن أين تكمن الرغبات الجنسية التي يمكن أن يحققها هذا المشهد؟

إنها تكمن في رأينا في مشهد العليمي يبول ويتغوط على أفخاذه، ولا سيما إذا فهمنا آلية عمل الحلم إذ عيّنَ الوهراني نفسه به ليفصح عن رغبة طفلية بالتلذذ بالخروج، وفعل الخروج هو فعل جنسي، بمعنى ما، إذا ما ربطنا لذته باللذة الجنسية في مرحلة مبكرة من الطفولة، ولا يتناقض هذا مع التصور الشعبي للبول والغائط في المنام، إذ ربطتهما كتب التفسير الشعبي بالمال وذهاب الهم[45]، وهما رغبتان تسعدان وتلذان إمّا تحققتا.

وترد المثلية واللواطة في أكثر من موضع من المنام، وهي جميعاً ترد في صورة تهم للوهراني والعليمي، ولا يتكلّف الوهراني مرّةً ردّ هذه التهم أو التنصل منها بل يظهر ظهور المقرّ المعترف الذي ينتظر العقاب لهذه الفعلة، ولعله يستعيض بهذا العقاب – الذي يبدو أخروياً – عن عذاب الضمير وعقاب الدنيا، فهو يقول ذاكراً خازن النار: «وهو يدور في الموقف على اللاطة والقوادين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونحن متهمون بهذه الخلال الميشومة.»[46]، ثم يعتذر في كثير من السخرية عن سوء مخاطبته للحافظ العليمي بغير ألقاب قائلاً له: «ما أرجع أخاطبك إلا مثل ما يخاطب البيدوح القواد المستضيء بالله أمير المؤمنين.»[47]، وهو يقصد العكس في قرارة وجدانه. ثم يتجه مالك خازن النار إليهما معاً موجهاً الحديث إلى العليمي: «ياخبيث أنت كنت من المتفننين في اللياطة، ومن المتبظرمين، فقلت له: أنا! كيف ذلك يا سيدي؟ فقال لي: هذا كان يفسق بأولاد المسلمين وقال لك: كنت… أولاد المسلمين.»[48]. وقد وقع هذا الحذف في الأصل ولا ندري إن كان ورعاً من الناسخ أو عملاً من أعمال الحلم في الحذف والتعمية، وإن كان واضحاً مقصده وورود اللفظ غير المحتشم – وهو أمر محتمل – يمكن أن يردّ إلى تلذذ الوهراني بذكره وتكراره وكأنما هي شيمة فيه، وكأن هذا الفعل يوافق هواه موافقة شديدة حتى إنه ليطرب بذكره مراراً في اكتفاء حلمي بالكلمة عن الفعل أو نيابة عنه. وتبدو صور المثلية هذه عصابية حين يذهب المنام إلى أبعد من ذلك، فيصف ساخراً موقفين للعليمي لا نعلم إن كانا منه حقاً أو أن الوهراني تمادى في الانتقام حتى نسبهما إليه، إذا ما علمنا كيف يلحق الموروث الشعبي العار الأكبر بالملوط به، فهذا مالك ثانية يحاجج العليمي في عهره قائلاً: «أليس أنت الذي أدخلت فلاناً الأمرد إلى الخرابة المظلمة ونيمته تحت ضوء الروزنة، فلما لم يطابق الضوء حجره قلت بتحنين وتلطيف: يا سيدي قرّبها إلي بفضلك – يا خنزير وأي فضل يكون لأمرد منكوح يا مرجوس، أليس أنت أخذت يحيى المطرز وما قام عليك وراح عنك وأنت مغبون، فلما اجتمعت به بعد ذلك بمدة طالبته بالتمام؟»[49].

تظهر لا معقولية هذا المشهد باحتجاج مالك على لفظة «بفضلك» تنسب إلى أمرد منكوح، ويلوح أن غضبه لهذا أشد من غضبه للفعل نفسه على غير المتوقع. كما أن ثمة ازدواجاً بين اتهام العليمي باتخاذ المرد تارة، واشتهائه أن يُلاط به تارة أخرى في منطق لا يمكن أن ينسب إلى الصحو، إذ إنه منطق اتهام وشتم لا يصدر إلا عن نفس ملتاعة حاقدة، ولكنها في الوقت نفسه تتلذذ بذكر هذا الفعل مراراً، ولكن إذا التمسنا لهذه المشاهد تعليلاً برغبة اللياطة والتوق المثلي فبماذا نعلل ورود السِّحاق في المنام[50]؟

إنّ اتخاذ الشهوة موضوعاً مخالفاً لما هو طبيعي يعدّ شذوذاً في حياة الصحو، ولكن منطق المنام هذا يقلب الطبائع ويغدو الشذوذ طبيعياً مُسوّغاً وتغيب في الوقت نفسه صور الاشتهاء الطبيعية، وكأنما يتمادى المنام في تسويغ هذه الشهوة الآثمة فيصبح الجميع من الذكور لاطة، وبنفس القوة تذكر النسوة مساحقات، في هرب من الحلم عن الوجهة المألوفة للشهوة. ويُشكل علينا الأمر بين أن تكون هذه الصور تسويغاً لمسلك اتخذه الحالم في حياته الصاحية، أو أن تكون تحقيقاً لرغبة لا واعية منه، أمنية لا شعورية – إن صح القول – بأنّ البشر قد خلقوا جميعاً مثليين لا يحفلون إلا ببني جنسهم، وكِلا الأمرين سيان في التعبير عن شذوذ بلغ منتهاه، وعصاب لم تعد آثاره تظهر في المنام فحسب.

2- رغبة الانتقام:

إذا كان الحافز الأهم للحلم ما جرى مع الحافظ العليمي، وما كان منه من إهانة وتوبيخ للوهراني على سوء أدبه، فكيف انتقم حلم الوهراني له من العليمي؟ وهل اكتفى بهذا الانتقام الفرد أم أنه امتد ليشمل الكثير من المعاصرين؟

من المهم أن نلحظ في سيرة الوهراني ذلك الإهمال الذي أحسّ به وأوحى به كل مؤرخيه، ذلك أنهم لم ينظروا بارتياح إلى هذا المغربي الوافد، ولا سيما كُتَّاب الإنشاء الذين وجدوا فيه مزاحماً غير مرغوب فيه فنظروا إليه كأنه غراب مزدان بريش الأدباء. ولا شك أن روح الوهراني الساخرة وكتاباته المختلفة عن النمط الرسمي الذي عززه ابن العميد والقاضي الفاضل، قد رسخت الظن بأنه كاتب ضعيف، لذلك نجم إحساس مرير لديه بالاضطهاد، وشعر بأنه لم ينل ما يستحق من مكانة وتكريم. ولا شكّ في أن غياب هذه المشاعر عن كتاباته لا يعني غيابها عن وعيه الباطن ولا شعوره العميق؛ لقد توارت، فحسب، خلف غلالة رقيقة من القمع، ربما عززها كبرياء زائف وواقع اجتماعي لا يلقي إليه أذناً، ومن ثمة كان طبيعياً أن يلجأ اللاشعور، في رحلته المضنية لتحقيق الذات، إلى الانتقام ممن يظنهم عرقلوا مسيرته إلى المجد. ولعل اهتمام الحلم بالانتقام من  العليمـي لا يعني أنه كان أبرز أعدائه، بل إن النقمة عليه – التي بلغت أوجها في الحلم – قد تعني النقمة على طبقة يمثلها هي طبقة كتاب الدواوين بثقافتهم الاتباعية الجامدة الذين ظنوا أنفسهم نوابه بما حازوا من علوم الأقدمين وأخبارهم، فكان أن اتجه المنام إلى مثالبهم الأخلاقية تارة وإلى جمود عقولهم تارة أخرى، من غير أن نغفل عن المبالغة والتكثيف اللتين يلجأ إليهما الحلم؛ فليس اتهام العليمي باللياطة دليلاً على إتيانه إياها، ولكنه دليل على أنه ناقص ولا يخلو من العيوب، ولسان حال المنام يقول: وها أنت ذا إنسان على جانب كبير من النقص والأخطاء. ونفهم عمل الحلم الذي يحاول الدفاع عن الذات بطرائق مختلفة أهمها الانتقاص من الآخرين.

فحين ظن العليمي أنه أشرف من الوهراني، واعترض على مخاطبته مثل ند له، انتقم منه المنام بإظهاره إظهار المدان أمام قضاة لا شك في نزاهتهم، «كنت … أولاد المسلمين وتثبت أسماءهم في جريدة عندك على حروف المعجم، حتى لم يبق عليك منها إلا القليل، وأتى عليك أجلك وأنت مجتهد في تعليق بقية الحروف يا ديوث.»[51].

إن صورة هذا المعجم الذي نسبه إلى العليمي لعلها تدلنا على الفكرة التي أراد الحلم إثباتها، ولعلها استسخاف لفكر العليمي وكتابته على طريقة الحلم، ولعل الوهراني كان يرى في كتابات العليمي اعتداء ما ناتجاً عن انتحال أو استصغار من شأن آخرين فأخرج الحلم ذلك مخرج الاعتداء الجنسي اللواطة ولا يخدعنا أن يشمل نفسه بالتهمة، فالحلم يخرجه منها بحيل متنوعة، فتارة يجعل نفسه قواداً على هذا العليمي: «هل تقدر تحلف أنك ما كنت تقود على رفيقك هذا في دار الفوارة بجيرون في سنة ثلاثة وخمسين وخمسمئة من الهجرة؟»[52].

وتارة يقلب الأمنية: «ما أرجع أخاطبك إلا كما يخاطب البيدوح القواد المستضيء أمير المؤمنين.»[53]. وكما نرى فإنه ليس من أدوات الحلم وملكاته النقد، ولكنه تفكير في صور، نفهم نحن منه النقد في الأفكار وراء الصور.

وعلى المنوال نفسه نفهم الحكم النقدي الذي أطلقه المنام على المؤيد بن العميد: «لو كتب هذا الكلام الذي في رقعته على فخذ خروف سمين، وألقي على الطريق[54]، لأنفت من أكله الكلاب». فهو في رأيه بعيد كل البعد عن الجمال والقوة والجودة. ولا نستطيع أن نرد هذه الصورة تماماً إلى اللاوعي، فواضح أن فيها ما يسميه فرويد بـ «المراجعة الثانوية»[55] رغم أن لفظة «فخذ» / «سمين» قد تكون تسربت من اللاوعي تحقيقاً لحاجات غريزية، ولكن هذا الحكم القاطع بفساد كلام ابن العميد ليس من أدوات الحلم، إلا أن يكون الحالم يكرر لفظة سبق له استخدامها أو سماعها في موضع مشابه فأتى بها في هذا الموضع انتقاماً من صاحبه الذي لا يبدو على وفاق معه، بل جعل هذا الحكم يدور على لسان شخص آخر هو الوزير طلائع بن رزيك؛ وكأنما يتمنى لو امتلك أهل السلطة ملكة النقد هذه وميزوا غث ابن العميد، آنذاك لن يكون أمثال ابن العميد مقربين، ولن يقصى الكتاب الحقيقيون – كالوهراني -، ولكن أقصى السخرية والانتقام كان من نصيب الفقيه المجير والمهذب النقاش فقد عمت البهجة والسرور كل من في المحشر لنبأ الغفران لهذين الرجلين، حتى إن الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الرحمن بن ملجم المرادي والشمر بن ذي الجوش الضبابي وإبليس – وهم مجرمو هذه الأمة! – قد استخفهم الطرب والبشرى وراحوا يرقصون فرحاً وطمعاً في النجاة، فما ذنوبهم «في جنب ذنوب هذين، أن يكون ذلك إلا كالشعرة البيضاء في الثوب الأسود.»[56].

لعل المبالغة هنا أن تكون أكثر وضوحاً؛ فهؤلاء الثلاثة قد قرنوا بإبليس لما وقر في الضمير الشعبي من فداحة جرائمهم. وإذا أمعنا في التحليل وجدنا أحدهم – عبد الرحمن بن ملجم – قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والشمر قاتل الحسين، رضي الله عنه، والحجاج قاتل كثير من أشياعهما، وكأن اللاشعور الجمعي عند المسلمين يتجه إلى عقدة الذنب جراء ما اقترفوا، بل يمكن أن يكون الشؤم أقرب إلى ذكر الشمر وابن ملجم بما تركته أفعالهما من انشقاق كان له أعمق الأثر في مسيرة الدولة الإسلامية. وظاهر المنام أن الفقيه المجير والمهذب أفدح ذنوباً من هؤلاء. ولكن محتواه يذهب أبعد من الانتقام من هذين – اللذين لم يعرفهما أحد من المؤرخين – وقد جعلهما أكثر شراً من إبليس … إنه يذهب إلى تبرئة نفسه من الرضا عن مجازر شيعة علي والحسين، ولعلك تجد هذه الرغبة ظاهرةً أو مقنعة عند معظم من اتبع أعداء الإمام علي وأبنائه، ناهيك عن شعور الشيعة أنفسهم بهذا الذنب لأنهم خذلوا الإمام علياً وولده الحسين في أكثر من مناسبة.

ولسنا نجزم بأن يكون الوهراني ناقماً على المهذب؛ ذلك أنه كان من المتفضلين عليه، وليس العكس كما تعودنا، فهو يذكر ساخراً على لسان أبي المجد بن أبي الحكم: «والعشرة دنانير التي لك عند ابن النقاش إلى متى تخليها، قم ألحقه قبل أن يدخل الجنة فما ترجع تراه أبداً»[57]، ولسنا نجزم إن كان ثمة حقيقة لهذه الدنانير، أم كانت أمنية أخرى قدمها الحلم تحقيقاً لرغبة طال ترقبها عند الوهراني!

وثمة طلاسم لم نستطع فكَّها تتعلق بالأرقام التي وردت في نص المنام حول المهذب، ولعلها تتعلق بصلة الوهراني نفسه بالمهذب، فقد كان المهذب طبيباً – كما نلمح من المنام – «أما علمت أن المهذب كان من خيار أعوان ملك الموت في دار الدنيا ما دخل قط إلى عليل إلا ونجزه في الحال، وأراح ملك الموت من التردد إليه وشم الروائح المنتنة.»[58]. وترد الأرقام على الشكل التالي: عشرة دنانير، خمسة عشر ديناراً، ثلاثة أشهر، ثمانين صلاة، ستين سنة، ثلاثون صلاة، خمسون صلاة، خمسون قرطاساً، ستة فلوس. إن هذه الأرقام – عند تجريدها من معدوداتها – تكشف ستوراً عدة تتعلق بحياة الوهراني، غير أن غياب التوثيق والتأريخ لحياته يجعلها كالكتابة الطلسمية نصاً غير قابل للتأويل وإن كنا نرجح صلتها بعمر الوهراني الذي ظهر اهتمامه به اهتماماً عصابياً، حتى إن منامه لم يستطع التغافل عن هذه الرغبة «أبشرك أنك تعيش في الدنيا بعد المهذب عشر سنين.»[59].

ومن معاصري الوهراني شخص اسمه معن بن حسن يدعي المنام أنه أوبق معاصريه وأشأمهم بأفعاله، وأقل ما فيها: «أنه أخذ طفلاً من أبناء الفلاحين اسمه يوسف بن بونيات فسق به حتى التحى، ونشأ له أخ اسمه علافة ففسق به حتى التحى، ونشأ له أخ آخر اسمه فضيل ففسق به حتى التحى، ونشأ له أخ آخر اسمه إسماعيل ففسق به حتى التحى، وفرغ من الصبيان فعمد إلى أختهم فعقد عليهم عقداً مفسوداً وفسق بها حتى ملها، وعبرت يوماً أمها فكشفت الريح عن ساقيها وقطعت عجيزتها، فمسكها وغصبها على نفسها.»[60]. يرتبط فعل الفسق هنا بما سبق ذكره من ولع منام الوهراني بفعل الشذوذ، ولكن التفسير الشعبي يربط بين فعل اللواط والتسلط ويرى فيمن يفعل كأنه يعلو ويتسلط على الآخر، ولعل في هذا شيئاً من الصواب، ولعل معناً هذا من القادة الذين ما انفكوا يتسلطون ويذلون من تحت أيديهم من الفلاحين، فكان أن انتقم الوهراني لهؤلاء الفلاحين بأن أوقف المعتدين أمام قضاء عادل يوم القيامة لينالوا عقاباً استحقوه في الدنيا.

خاتمة:

لعل هذه المقالة تقصر عن الإحاطة بتجربة الوهراني في تدوين مناماته، ولا سيما أنه أمر ليس مألوفاً كثيراً من جهة، ومحفوفا بالمخاطر من جهة أخرى؛ بيد أنه تجرأ على هذا الأمر بدوافع مختلفة لحظناها في هذه المقالة، فعلى الرغم من عدم يقيننا بأنها منامات حقيقية وغير مختلقة إلا أننا ذهبنا أبعد من ذلك بالبحث عن الرغبات الكامنة وراءها من رغبات جنسية ونقص سيكولوجي وحب للظهور، كما حاولنا تحليل مصادر هذه المنامات سواء أكانت هذه المصادر موضوعية أم ذاتية، ومن ثم وجدنا فيها صراعاً جلياً بين الوعي بوصفه منجزاً ثقافياً تشترك فيه الذات والموضوع.

وإذا كنا قصرنا البحث في هذه المقالة على جوانب التحليل النفسي من دون التعمق في الجوانب الفنية لهذا الضرب من السرد، إلا أن ذلك سيكون ميدانا لوقفة أخرى على هذه المنامات في مقالة مستقلة بعون الله.


المصادر والمراجع:

– القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

– العهد القديم.

– ابن خلكان، محمد بن أبى بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة/ مصر، الطبعة الأولى، 1948.

– ابن سيرين، أبو بكر محمد البصري، تفسير الأحلام، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2003.

– ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار ابن كثير، دمشق- بيروت، الطبعة الأولى: 1999.

– أدونيس، علي أحمد سعيد إسبر، الصوفية والسوريالية، دار الساقي، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى، 1992.

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، كتاب العبر ف? ??? ?? ???? ?????: ي خبر من غبر، تحقيق: محمد السعيد بسيومي زغلول أبو هاجر، دار الكتب العلمية، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى، 1985.

– سواح، فراس، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1996.

– العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة السادسة: 1996.

– فروم، إريك، اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير، ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، الطبعة الأولى، 1995.

– فرويد، سيغموند، تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان ومصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1969.

– القشيري، أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، الرسالة القشيرية، تحقيق: عبد الحليم محمود، مؤسسة دار الشعب، القاهرة/ مصر، الطبعة الأولى، 1989.

– نويل، جان بيلمان، التحليل النفسي والأدب، ترجمة: حسن المودن، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1997.

– الوهراني، ركن الدين محمد بن محرز، المنامات، تحقيق: إبراهيم شعلان ومحمد نغش، منشورات الجمل، كولونيا/ ألمانيا، الطبعة الأولى، 1998.

– الوهراني، محمد بن محرز بن محمد، الوهراني ورقعته عن مساجد دمشق، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مجمع اللغة العربية، دمشق/ سوريا، الطبعة الأولى، 1965.

 

[1] ينظر: فرويد، سيغموند، تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان ومصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1969، ص: 12. فروم، إريك، اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير، ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، الطبعة الأولى، 1995، ص: 12 وما بعدها…

[2] ينظر : اللغة المنسية، م س، ص: 15.

[3] سواح، فراس، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، 1996، ص: 352.

[4] ابن سيرين، أبو بكر محمد البصري، تفسير الأحلام، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2003، ص: 147.

[5] م ن، ص: 90.

[6] العهد القديم، سفر التكوين، 37: 5-11.

[7] العهد القديم، سفر التكوين، 41.

[8] ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار ابن كثير، دمشق- بيروت، الطبعة الأولى: 1999، ج 1، ص:15.

[9] م ن، ج 1، ص: 16.

[10] سورة يوسف : الآية 4.

[11] سورة يوسف: الآيتان 5-6 .

[12] رواه البخاري ومسلم، ينظر: العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة السادسة: 1996، ج 1، ص: 518.

[13] أدونيس، علي أحمد سعيد إسبر، الصوفية والسوريالية، دار الساقي، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى: 1992، ص:83.

[14] م ن، ص، 84.

[15] الصوفية والسوريالية، م س، ص84.

[16] م ن، ص 85، نقلا عن: الفتوحات المكية، 3/ 454.

[17] م ن، ص ص: 87- 89.

[18] القشيري، أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، الرسالة القشيرية، تحقيق: عبد الحليم محمود، مؤسسة دار الشعب، القاهرة/ مصر، الطبعة الأولى، 1989، ص: 135.

[19] ابن خلكان، محمد بن أبى بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة/ مصر، الطبعة الأولى، 1948، مج 4، ص: 19.

[20] الوهراني، محمد بن محرز بن محمد، الوهراني ورقعته عن مساجد دمشق، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مجمع اللغة العربية، دمشق/ سوريا، الطبعة الأولى، 1965، ص: 6.

[21] الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، كتاب العبر في خبر من غبر، تحقيق: محمد السعيد بسيومي زغلول أبو هاجر، دار الكتب العلمية، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى، 1985، ج 4، ص: 226.

[22] الوهراني، ركن الدين محمد بن محرز، المنامات، تحقيق: إبراهيم شعلان ومحمد نغش، منشورات الجمل، كولونيا/ ألمانيا، الطبعة الأولى، 1998، ص: 10.

[23] م ن، ص: 21.

[24] المنامات، م س، ص: 90.

[25] م ن، ص 95.

[26] م ن، ص 61.

[27] م ن، ص 90.

[28] م ن، ص 25.

[29] م ن، ص 37.

[30] م ن، ص 42.

[31] كذا في الأصل.

[32] م ن، ص: 24.

[33] م ن، ص: 25- 26.

[34] فرويد، تفسير الأحلام، م س، ص: 94.

[35] نفسه.

[36] م ن، ص: 183.

[37] ينظر: نويل، جان بيلمان، التحليل النفسي والأدب، ترجمة: حسن المودن، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1997، ص: 13.

[38] م ن، ص: 9.

[39] المنامات، م س، ص: 23-24.

[40] انظر مثلاً: ابن سيرين، تفسير الأحلام، م س، ص: 45.

[41] م ن، ص: 71.

[42] المنامات، م س، ص 23.

[43] م ن، ص 24، 25.

[44] م ن، ص: 25.

[45] ابن سيرين، تفسير الأحلام، م س، ص: 72-73.

[46] المنامات، م س، ص: 26.

[47] م ن، ص: 29.

[48] نفسه.

[49] م ن، ص : 30.

[50] المنامات، م س، المنامات، م س، ص: 33.

[51] المنامات، م س، ص: 29/30.

[52] م ن، ص: 31.

[53] م ن، ص: 29.

[54] م ن، ص: 34.

[55] فرويد، تفسير الأحلام، م س، ص: 512.

[56] المنامات، م س، ص: 37.

[57] نفسه.

[58] م ن، ص: 41.

[59] نفسه.

[60] المنامات، م س، ص: 44.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.