منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جمالية التناص في المجموعة القصصية (تيغيلت) للقاص لحسن شعيب

الأستاذ إدريس الرقيبي

0

جمالية التناص في المجموعة القصصية (تيغيلت)  للقاص لحسن شعيب

بقلم: الأستاذ إدريس الرقيبي

قبل البدء

تيغيلت، منجز أدبي وسردي فريد للقاص والكاتب الرحالة لحسن شعيب..

قصص تنضح بالجمال والمتعة، غنية بالرسائل والقيم عن الجنوب وأبنائه..

مَواقف تُضحك وتُبكي وتدفعك للتأمل..

قصص تلتقي أحداثها عند هذا الجنوب اللذيذ والقاسي، النائي والقريب كحبل الوريد، الحاضر والمنسي، الناضح بالمروءة والمعاناة معا..

تقرأ القصص فلا تملك إلا أن تحب شخوصها التي ليست إلا ظلالا لنا نحن أبناء الجنوب..

أقرأها وأنا أستحضر قول الشاعر:

هو ذا الجنوب ولا اتّجاه لغيره

هو ذا يفجر ليلَنا قنديلا

يهتز جفن الشمس، تنتفضُ الرؤى

مِنْ هَامِها نَسْجتْ له إكليلا

فإذا الحروفُ نُحِتْنَ من عليائه

قيس يُلوّح للمدى منديلا..

براعة التقديم والسرد والبناء الحكائي والحَبكُ المتقن تجعلك تحب حسن حنون وباسو المامون وتغضب مع يحيى الذي لا ينصرف، وتنفعل مع كمال ثم تلين، وتضحك من جهل عدي أوحماد، وتفخر لنجاح ابراهيم الراشدي وزهير الطيار وتعشق كما عشق سالم…

وأخيرا فإن تيغيلت استمرار لأسلوب ماتع في الكتابة الأدبية اكتشفناه مع الكاتب في رحلته الزاهية السنية( في مناكبها).. و ها نحن نستمتع بهذا الأسلوب في (تيغيلت) وبنا ظمأ للمزيد.

جمالية التناص

اخترت أن أنفذ الى هذا المنجز السردي من زاوية اللغة التي كتب بها ويكتب بها القاص لحسن شعيب، ومن باب التناص تحديدا بما هو وسيلة جمالية تقف عند تقاطع النصوص وتحاورها، فتجعل من نصوص هذا المنجز لوحة فسيفسائية من الاقتباسات.. فكل نص يستقطب نصوصا أخرى فيعيدها عن طريق التحويل والنفي، أو الهدم وإعادة البناء…

إن الحديث عن الجمالية وعلاقتها بظاهرة “التناص”، إنما هي محاولة إظهار قدرة الكاتب وبراعته في نقل ثقافته اللغوية وأفكاره المتناصة مع عدة مجالات معرفية، مع إعادة تحويلها وصياغتها صياغة جديدة يجعلها تنصهر في نموذج جديد. وسأتجاوز الشق النظري الخاص بمفهوم التناص وتطوره بين الثقافة العربية والغربية، وآلياته، لأقف عند تجلياته في تيغيلت، بدءا من العنوان ثم مقدمات القصص ثم المتن الحكائي.

1- التناص في عتبة العنوان:

يعتبر العنوان أول مثير سيميائي في النص، يتمركز في أعلاه، ويشرق عليه كما لو أنه ثريا تضئ العتمات…. ف(تيغيلت) عنوان مستفز لأنه يثير فضول القارئ العربي تحديدا، ويفتح أفق انتظاره على الكثير من التأويلات.  لذلك احتاجَ الكاتب إلى أن يضيء عتمة هذا  الامازيغي، “النص العتبة” في ثلاثة مواقع: في النص المرافق للوحة الغلاف الخلفية، وفي متن القصة المقدمة (قصة هي الحياة) ص11 وفيها يقول بأنها المصارعةُ على الطريقة الامازيغية وبقواعدها،  وفي هامش قصة تيغيلت ص55.

واحتاج فوق ذلك إلى أن يجعل العنوان الفرعي( أنين الجنوب) نصا آخر ينقل المصارعة إلى بعدها المجازي حين يصارع أبناء الجنوب الحياة وقسوتها، فتتسع الدلالة حين نجد أنين المصارِع يوازيه أنين إنسان الجنوب الذي يصارع من أجل البقاء ويصارع قسوة الطبيعة وقسوة أخيه..

وفي هوامش أخرى تحضر شروحات للكثير من المفردات الأمازيغية التي تنسجم مع أنين الجنوب وثقافة الجنوب التي استغرقت مجمل قصص المجموعة، سواء أسماء الأشخاص أو البلدات أو ما يرتبط بثقافة الجنوب (تاسكطت- احندير-عشى- داني-أسبسو-تيرفت- والامثلة كثيرة..).

2-التناص في مقدمات القصص

وهذا مدخل جمالي مهم يستقبلك عند الباب كالمقبلات.. وهي مقبلات مختارة بعناية دلالية تلمح للمعنى ولموضوع القصة وتهيئك للمتن .. مقبلات متعددة المشارب والمجالات المعرفية؛ فمقطع كثيرعزة الذي صُدِّر به نص (البركة)، يحيل على صفات البطل بوعزة، ونص أبي الأسود الدؤلي عن العمامة يرتبط مباشرة بقيمة العمامة عند ناصر الذي يرى أن سقوط عمامته من على رأسه، أشدُّ إيلاما من صفعة داني ومن وقوعه أرضا. إنها وقار وزيادة في القامة بتعبير أبي الأسود.. والنصان الحديثيان في قصة مئة درهم كذلك. نصوص قرآنية وحديثية وشعرية وحكم وأقوال و… يتم استحضارها بشكل ذكي يوحي بالمعنى والمغزى قبل اكتشاف تفاصيل الاحداث..

هناك كيمياء خفية تسري بين النصوص- المقبلات والنصوص الجديدة فتجعلها تتواءم وتتواشج وتتآلف وكأن الروح التي سكنت النصوص القديمة لا تزال تسري في النصوص الحديثة إلى قيام الساعة..

3-التناص في المتن الحكائي:

يحضر التناص في المجموعة القصصية تيغيلت بأشكال مختلفة يقتضيها السياق والحاجة الجمالية. تتناص القصص مع القرآن ومع الحديث النبوي ومع الشعر ومع الامثال الفصيحة والدارجة ومع العناوين والاقوال المأثورة ومع العامية والفرنسية..

ويحضر التناص عبر آلية الامتصاص حين يكون النص ذائبا أو عن طريق التلميح أو النقل، حين يحضر النص بين مزدوجتين أو عن طريق التحويل والنفي والهدم أحيانا.

أ-التناص مع القرآن

  • “إنه (أي احندير) لينوء بالعصبة أولي القوة فكيف بالقوارير” ص22 (عمامة ناصر)—تناص مع الآية الكريمة(وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) القصص 76
  • “بنظرات ترى بشرر الغضب” ص 25 نفسه.المرسلات 32
  • “وفي ازيلال صحبت قوما يوثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة.. ولا يسألون الناس الحافا” ص35 (مائة درهم)—الحشر9
  • “إن أستاذك الآن في مقعد صدق عند مليك مقتدر” (عائد من بعيد)ص71 ، في حديث الأم الى حسن حنون. تناص مع الآية (55 من سورة القمر)
  • “هذه الخشب المسندة لم تحظ بأستاذ مثل العقاد” ص71 نفسه (تناص مع الآية 4 من سورةالمنافقون)
  • “كانت تلك رومانسية أيام خلت وأمة خلت لها ما كسبت” (حب أسفل السلم)ص76 . تناص مع الآية( 141 من البقرة)
  • “وانتبذنا مكانا قصيا” ص85 (شهادة استغلال)ّ، مع الآية من سورة (مريم)
  • قال عن البطل”ضاقت به الأرض بما رحبت” ص106 (شقراء أوسلو)— مع الآية 118التوبة.
  • “هل جزاء الاحسان إلا الاحسان” ص113 نفسه.
  • “فأسرها الابن في نفسه ولم يبدها لها” (ص119 اقرأ ورقه) . تناص مع الآية من سورة يوسف.
  • “ضاقت بداود الأرض بما رحبت” ص152 الصمعية
  • “وكلبه باسط ذراعيه” ص159 (غنيماتي أولا)….

في هذه النماذج لا يتعلق الامر باقتباسات، إنما نجد فيها امتصاصا للنص القرآني بما يخدم سياق الكلام..

ب-التناص مع الحديث النبوي

  • “البينة على المدعي” (ص26 عمامة ناصر) تناص مع الحديث الذي رواه البيهقي” البينة على المدعي واليمين على من أنكر”..
  • “انظر للاصلع ذي الطمْرين ماذا يقول؟” ص27 نفسه (رب أشعت أغبر ذي طمرين)
  • “غلب درهم ألف درهم” ص38 مائة درهم
  • “العرق دساس” ص 49( يحيى لا ينصرف)تناص مع حديث(تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس).
  • “ترتب شطو مراتب المحبة كما رتب جبريل مراتب الدين بين يدي الحبيب” ص80 (حب أسفل السلم).
  • “عض عليها بالنواجد” ص123
  • “أكل من خشاش الأرض”ص 151
  • “كانت الأغنام تغدو وتروح خماصا” ص 158( حديث لو توكلتم على الله..)

ج-التناص مع الشعر

  • في (قصة الحياة) 11ص “ولان الحنين دوما لأول منزل فإن…”، امتصاص لبيت أبي تمام:

كم من منزل في الأرض يألفه الفتى°°°° وحنينه أبداً لأول منزلِ أبو تمام

  • في قصة (مائة درهم) ص35 “وكأنها ألقاب مملكة في غير موضعها” ،استحضار لبيت الحصري القيرواني.
  • في قصة (عائد من بعيد) ص68، “احن الى خبز امي” درويش
  • وفي نفس القصة يستحضر الكاتب بيتا لإبراهيم طوقان تعبيرا عن بعض المجازر التي ترتكب في حق اللغة العربية حين يقول:

وأكاد أبعث سيبويه من البلى °°°° وذويه من أهل القرون الأولى

فأرى حمارا بعد ذلك كله     °°°°رفع المضاف إليه و المفعولا ، ص71 (عائد من بعيد).

  • “كان ينظر الى أستاذه رشيد بعين رضا كليلة عن كل عيب ” (عائد من بعيد)ص69 تناص مع بيت الشافعي”

وعين الرضا عن كل عيب كليلة°°°ولكن عين السخط تبدي المساويا

  • “وأداري القوم ما دمت في دارهم” ص86 (شهادة استغلال) تناص مع بيت ابن شرف القيرواني(ودارهم ما دمت في دارهم°°وأرضهم ما دمت في أرضهم)
  • في ص115 اقرأ ورقه( قوم اذا مس النعالُ وجوهَهم-شكت النعال بأي ذنب تصفع)
  • “وعضت على شفتيها” ص123 فيه امتصاص لبيت القائل (وعضت على العناب بالبرد)
  • “لكن رماه في جب مظلمة” (ص144بائع الاكباش، استحضار لبيت الحطيئة(ألقيتَ كاسهم في بطن مظلمة)
  • “مثل عصفور بلله القطر” (ص150 الصمعية) تناص مع بيت أبي صخر الهذلي

(ٍٍ وإني لتعروني لذكراك هزّةٌ°°°° كما انتفض العصفور بلّله القطْرُ)

د-التناص مع الأمثال والحكم والقصص والأقوال المـأثورة

  • ص12 قصة هي الحياة(وفي البطن الواحد نفسه تتصارع الأمعاء)
  • وفي القصة نفسها ص12 يقول السارد- الكاتب: “وارجو أن يجد القراء في وحي قلمي شيئا من الامتاع والمؤانسة وكثيرا من الفوائد والقلائد والفرائد..
  • أصبحت البركة أثرا بعد عين ص20 (البركة) – تناص مع المثل السائر (أثر بعد عين) لمن يسعى وراء شيء بعد فوات الأوان.
  • لماذا سأل واحد مثلك الله أن يسكنه فاس ويسكن أهل فاس الجنة ص28 عمامة ناصر
  • “وكل فارس له كبوة” ص 55تيغيلت( لكل جواد كبوة ولكل فارس نبوة)
  • “كانوا فقط بحاجة الى فرفر يعلق الجرس “(ص86 شهادة استغلال) امتصاص ذكي لقصة الفئران والجرس.
  • “وكان دون إقناعه خرط القتاد” (ص96 لا تدفنوا والدي)—(دونه خرط القتاد) مثل يضرب للأمر المستحيل أو شديد الصعوبة..
  • “لكن ذلك لم يفسد أبدا للود قضية”(ص136 في ظلال النخيل)—تناص مع الحكمة المشهورة الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
  • “يمضي إليه ولا يلتفت “ص137 تناص مع الحكمة المشهورة (الملتفت لا يصل) للإمام أحمد الرفاعي.
  • “وكان علي إذا تكلم أسمع وإذا ضرب أوجع” ص157(غنيماتي أولا). تناص مع وصفِِ في حق عمر بن الخطاب..

هـ -التناص مع العامية

“النبك اللي كاين”  جواب كمال عندما سأله ابنه آدم” هل يوجد مسبح في بيت جدي؟” في ص96 من قصة (لاتدفنوا والدي)

و-التناص مع اللغة الفرنسية

انسجاما مع بريجيت زوجة البطل  dans chaque mal il ya toujours du bien  (ص172 لن احلق شاربي).

خاتمة

إذا كان “رولان بارت يوكد ” أنَّ النص الحقيقي هو الذي ينحدر من مدائن الثقافة، فلا يُحدث قطيعة معها، وأن  كل نص أدبي لا يمارس هذه الجدلية فإنه يتهاوى في الضياع، لأنه لا يقيم وزنا للأسس الثقافية التاريخي، فإن هذا الكلام يصدق على هذا المنجز السردي للقاص لحسن شعيب.

فمن خلال بنية التناص يتم توثيق دلالات محددة أو نفيها، أو توكيد مواقف وترسيخ معان، فيحضر  التماثل والتآلف بين النصوص المتحاورة ويحضر التخالف والتناقض بين أخرى، لإنتاج دلالة مؤازرة للنص في حالتي قبوله ورفضه بالتضمين الصريح أو بالتلميح. من هنا تتحقق جمالية التناص في علاقة صريحة أو مختفية نابعة من قدرة الكاتب على خلق هذا  الحوار الجميل بين النصوص الغائبة والصريحة في هذا المنجز، وهذا ما جعل رحلتنا ماتعة في دروب  هذه النصوص ومنعرجاتها،  رحلة تكشف عن ذاكرة الكاتب الغنية والثرة التي اغترفت واختزنت وانتجت أطايب الكلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.