منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثلاثيات سورة يوسف الرؤيا، الكيد، القميص.

اشترك في النشرة البريدية

تحوي سورة يوسف كنوزا من المعاني والعبر، وسبائك من الحكم والأحكام والدرر، حتى سماها الله “أحسن القصص”، فقد روتْ أحداثَها أماكنُ مختلفة وشخصيات متنوعة، وعرقيات متعددة، وتقلبات أحوال متناقضة، اختلط فيها التربوي بالوجداني والنفسي، والسياسي بالاقتصادي والاجتماعي والجغرافي…، فكانت مَلْهما لكل محزون ومفجوع، ومطمحا لكل ذي خلق، يحمل روعة الحب والعفو والتسامح، وتسلية لكل مظلوم، آذته روابط القربى، وعقبات الدعوة، وشهوات نفس ألهمها الشيطانُ فجورها. ودعوة لكل سياسي، بأن الأخلاق إن كانت ثابتة في النفوس، مسنودة بتحصين تربوي أبوي، فهي تؤثر في السلوك الفردي والجماعي، وتملأ القلب المتحرك، المثخون  بضروب الظلم المتنوعة، صفحا وعفوا ورحمة وحفظا وعلما ووفاء.

في سورة يوسف سبر لأغوار النفس البشرية، في علاقتها مع القدر الإلهي تنسج على أرض الحركة البشرية نظما ربانيا فريد التصور والتصرف، فالرؤيا مثلا، هتكت حُجب العقل الذي لا يفكر إلا بالمحسوس، وأيقظته من سباته لتحسسه بأن الفاعل  الله، وما العقل إلا أداة تتنازعه مشاريع الصلاح الربانية أو مشاريع الإفساد الشيطانية،  فهي الوحي للأنبياء، وهي البشارة للمؤمنين، والنذارة للكافرين، يتعلق تأويلها بالفرد كما الجماعة، لها في سورة يوسف مواضع ثلاثة، تنوعت مشاهدها وتأويلاتها، لكنها توحدت في كونها رسمت آثارا على أرض الواقع، سنقف مع كل واحدة منها على حدى، بعدها نقف مع ثلاثية الكيد الذي تكررت في هذه السورة كذلك ثلاث مرات، كيد الله وكيد الرجال فكيد النساء، ثم نمر على ثلاثية القميص الواحد الذي أدى أدوارا ثلاثة كذلك، أشعرت أن الجمادات تتحرك ازهاقا للباطل وتثبيتا للعدالة والحق.

أولا: الرؤيا:

نقل ابن حجر رحمه الله قول القاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله: ” الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان إما بأسمائها أي حقيقتها وإما بكناها أي بعباراتها وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصة وقد تأتي مسترسلة غير محصلة وهذا حاصل قول الأستاذ أبي إسحاق “[1]، ونقل أيضا عن أبي عبد الله المزوري قوله: ” مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة”[2].

فعلى هذا الأساس ما يراه الإنسان في المنام ثلاثة مراتب:

أ‌- الرؤيا الصادقة، فهي من الله تعالى، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة من الله”[3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.”[4]

ب‌- الحلم، وهو من الشيطان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” الحلم من الشيطان”[5] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ” إذا لعب الشيطان بأحدكم من منامه فلا يحدثن به الناس”[6]

ت‌- أضغاث أحلام أو أحاديث النفس، وهي تفاعل للنفس تجاه الواقع، والمواقف التي يمر بها الإنسان، فتستخرج هذا المخزون في شكل أحلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا ثلاثة؛ الرؤيا الصالحة بشرى من الله  ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه”[7]

رؤيا يوسف:

يوسف طفل صغير  يرى في منامه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر، رآهم يسجدون له، هذه الرؤيا لا تناسب في الواقع طفلا صغيرا، وتؤثر فيه إلى درجة، أن شغلت باله ليقصها على أبيه، وبصورها التي التصقت في ذهنه، ومن عادة الأطفال، أن لا ينتبهوا لمثل هذا، وهم أقرب إلى اللهو واللعب، لكن عندما يصطفي الله إنسانا، يكون متميزا بذكاء وفطنة وتفرد عن أقرانه حتى ولو كان صغيرا، يوسف الذي ابتلاه الله في صغره بيتم من أمه، ليؤسس له في قلبه حب اليتامى، التقف سيدنا يعقوب البشارة وعَلِم أن لابنه شأنا عظيما، فقد يستودعه الله أسرار النبوة ويؤول إليه علم وحكمة آبائه وأجداده يعقوب واسحاق وابراهيم الكرماء، هذه البشارة نبهت يعقوب إلى حسد أبنائه وغيرتهم من يوسف، فنهى يوسف عن قصها لهم، وما كان يدري يعقوب ولا يوسف عليهما السلام، أن بدايات هذه الرؤيا ستكون افتتانا حقيقيا لهما، ألزمهما معاناة وصبرا دائميْن حتى يكتب الله لهما الملاقاة، فدوافع الوهم والوساوس الشيطانية، دفعت الإخوة، إلى الفتك بيوسف، استدراجا بتقية مقيتة: ﴿أرسله معنا غد يرتع ويلعب وإنا له لناصحون﴾[8]، ولم تكن فراسة يعقوب بالتمنع عن إرسال يوسف معهم، لتقف في وجه القدر الإلهي الذي ستسطر  بداية تفاصيله، أيادي إخوته الآثمة ظاهرة، الصانعةِ لمجده باطنا، غادر يوسف مرغما حضنا أبويا دافئا، وصحبة جليلة لأبيه النبي، ليتدحرج في مهاوي سحيقة جارحة، استقر بعدها سلعة يباع من مكان النشأة الى مكان الاستواء حيث مصر ، دخلها يوسف عبدا في سلعة وضيعة في أسواق عبيدها، وحيث تكون السلع جذابة يكون الانجذاب اليها من المشترين أكثر، ليكون المشتري سببا في تحويل العبودية السوداء إلى بياض الفتوة المزهو بنعيم القصر ، وتعليم القصر، وحنان العزيز  وزوجته المحرومين من فلذة الكبد، وقرة العين، لتظهر على يوسف ذي الوجه القمري الجميل، وذي القوة  الفتية الأشد،  رونق هندام وصنعة لبوس، أغرى المسكينة التي أحسنت وزوجها مثوى يوسف، ليدخل يوسف عذابا وجدانيا أنساه ألمه الأول، راودته امرأة العزيز  بكل ما تملك الشهوة فيها من سلاح الإغراء والإغواء، وبلغات الضمن والتصريح والإشارة والعبارة، حفظته يد العناية الربانية، لأنه عرف الله في الرخاء أفيتركه سبحانه وقت الشدة؟؟..كلا والله، فمحبوبية أنبياء الله لله تعصمهم وجاءً، وقد نطق قلب يوسف وفاءً وإحسانا لعزيز مصر : ﴿ إنه ربي أحسن مثواي﴾..

يقف العزيز  أمامهما والخلوة تعم المكان، والارتجاف والارتعاش يهز  جسديهما ورطة وحرجا، يسبق عادة المنزعجون من الحقيقة، إلى الكلام لصياغة كذبات علَّها تحجب حقائق الشمس الحارقة،﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾، وينطق المظلوم مستوعبا الآلام النفسية للعزيز، والكيد الماكر لزوجته، منافحا ومدافعا عن نفسه: ﴿ قال هي راودتني عن نفسي﴾، ليسكت يوسف بعدئذ عن الخوض في هذا الموضوع بالمطلق، إلا ما كان يناجي به ربه ليصرف عنه هذا الكيد البغيض، تلتقف بعض النساء الخبر، فيأخذ موضوع المراودة بٌعدا اجتماعيا، وتتضارب فيه آراء النسوة تَشَفّيا ومكرا وتزويقا، تستدعي امرأةُ العزيز صاحبةُ سلطةٍ النسوةَ الماكرات، وتُهيئ لهن مجلسا مزيَّنا بزينة الفواكه، مرتفعا عن الأرض  لترى الانجذاب الذي قد يحدث لهن جراء رؤيتهن ليوسف، لأنها تعلم يقينا أن يوسف سيحرك الأشجان والوجدان، ﴿ قالت اخرج عليهن﴾، فلما رأينه، انفصلت جوارحهن عن أزِمَّة القلب والشعور ، فصارت اليدُ تقطع اليد، والقلب في سِنَة الولهان العاشق، ليُردّد اللسان لحن الإعجاب والانجذاب: ﴿ إن هذا إلا ملك  كريم﴾، ليتجدد العشق في قلب امرأة العزيز ويأخذ نفَسا جديدا، بعد تزكية النسوة، ليعيش يوسف عليه السلام أياما عصيبة سطرها كيدهن العظيم، وأفصح عنها دعاؤه بالسجن فرارا بنفسه ودينه. وتمر  سنوات السجن المريرة، ويخرج منها يوسف بتدبير إلهي، وببراءة زكية من صاحبة المراودة والتهمة، وبرتبة سياسية مميزة، أصبح يوسف عزيز مصر، طلب ذلك بنفسه، ليوصل الأرزاق إلى أصحابها، ولئلا تزهق الأرواح جوعا وظلما، وحيث كان هو الوحيد موحدا ويخاف الله في عباده، ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى: ﴿ فلا تزكوا أنفسكم﴾[9]، فهذا نبي ومعصوم وأُتي علما وحفظا وأمانة وخبرة اقتصادية.

تنتاب مصر مجاعة وقحط السبع العجاف، ويتولى يوسف بنفسه توزيع القمح، ويأتي إخوته وقد نسوا ملامح وجهه، ويتذكر  هو وجوههم ويتجدد عليه وجع فراق أبيه، يرفض تسليمهم الكيل إن لم يأتوا بأخ لهم، علما أن هذا ليس شرطا، ولكن هو جزء من تَوْرٍيةٍ أرداها الله تعالى لتكون سبب انجماع أسرة يوسف، يرجعون إلى عوائلهم خاويي الوفاض، ويتوددون لأبيهم في أخذ بنيامين أخيهم، حتى لا يُمنعوا ويزدادوا كيل بعير، وحيث لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين، أبى يعقوب أن يرسله معهم حتى يأخذ منهم موثقا من الله، وهنا تفرض الإرادة الربانية منطقها في سير  الخِطة كما أرادها القدر، فكان بإمكان يعقوب أن يرفض بالمطلق إرسال أخيهم معهم، نظر  لما فعلوه بيوسف، ولكن تتكاثف ظروف المكان والزمان والأحوال المزرية لتوصل الخِطة إلى نهايتها، يُؤتى ببنيامين، ويُتهم بسرقة الصواع، ويُستخرج من وعائه، ويعيش الإخوة لحظة رعب حقيقية تَذكُّرا لفعلتهم بيوسف، وأسىً لحال أبيهم الذي أخذ عليهم المَوْثِق، ففاوضوا يوسف عبثا، ويُطمئِنُ يوسفُ أخاه المتهم، لكن يعلم الله كيف تحمل يوسف وقع الخبر على أبيه، وإضافة وجع آخر إلى مواجعه، تلفح  يعقوب عليه السلام نار الفراق ليوسف وأخيه، وينهد جناحه المهيض، وتَبْيضُّ عيناه كمدا وألما، وحيث أن مع العسر يسرا، تهب نسائم يوسف على خياشم يعقوب لتبرق في قلبه نتائج الصبر الجميل، ويحفز أبناءه للعودة إلى مصر تحسسا من يوسف وأخيه، ويجازي الله يعقوب ويوسف على صبرهما وينجمع المحبان بعد ألم وأمل، ويُلم شعث العائلة من البادية ليشهدوا جميعا في مصر  الفصول الأخيرة للرؤيا، حيث يخر الأب القمرُ  والخالة في موضع الأم الشمسُ، والإخوة الإحدى عشر النجومُ، وتتحقق الرؤيا التي كانت أول السورة تصورا، فكانت على أرض الواقع تصرفا في نهاية السورة لتؤشر  قاعدة مفادها، أن الرؤيا جزء من الغيب تبشر للعمل وأنها جزء من ست وأربعين جزءً من النبوة.

رؤيا الفتيين:

دخل يوسف السجن مظلوما، وليس كل مسجون ظالم، لا سيما في زماننا هذا، فما أكثر  رواد السجون من المظلومين والمستضعفين، ويا سبحان الله، تكاد تنطق سجون مصر اليوم الموبوءة بظلم المستضعفين من الرجال والنساء والوِلْدان الذين لا يجدون إلا جهدهم، رحم الله الشيخ الجليل عبد الحميد كشك قال في أحد أشرطته: ” تسعة أعشار الظلم موجودة في مصر، والعاشر يطوف العالم نهارا، ثم يرجع ليبيت في مصر”، دخل يوسف السجن، وانتقل من بحبوحة قصر ضاق عليه بما رحب، إلى غياهب سجن اتسع له بما ضاق، ليشفي ظمأه دعوة الى الله تعالى، انجذب إلى يوسف ، وتحلق حوله كثير من المسجونين، ليأنسوا وحشة هذا السجن، ولما رأوا في يوسف من خفض جناح، وبشارة وجه، وحسن خلق، وجديد دعوة تدعوهم لتوحيد الله تعالى، قصد الفتيان يوسف، لأنهما رأيا رؤيتين مختلفتين: ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[10]، لكن قبل تعبير  رؤياهما، اراد أن يُعرِّف بنفسه، حتى يكون التواصل بعد ذلك سلسا والاستجابة جديرة، وليبين لهما أن الله تعالى هو من علمه وأدبه فأحسن تأديبه، قال: ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾[11] فبيَّن لهما، أنه لا يأتيكما طعام تطعمانه وتأكلانه في اليقظة إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه إليكم، منبها في نفس الوقت على أن ذلك من الله تعالى، لئلا يتوهما أنه سجع كاهن، ولا سحر ساحر، ليبدأ بعدها، دعوتهما لتوحيد الله بمنطق عقلي وروحي إقناعا وتهيئة لهما لما سينتج عنه تعبير رؤييهما،  فأوَّلَ لِلذي يحمل فوق رأسه خبزا بأنه سيصلب حتى تأكله الطير، ورغم بشاعة نتيجة التعبير فإنه استقبل الموت وقلبه مطمئن بالإيمان، وكان من أول من مات على دعوة يوسف، وأما الثاني، فعبر له يوسف بأنه سيرجع إلى عمله ساقيا للملك، فانظر رعاك الله  كيف جعل الله من الرؤيا خبرا غيبيا حقيقيا ارتبط بمصائر الأنفس، وعارِض أنتَ يا من كَلَّس العقلُ روحَك وصِرت لا ترى إلا بمحسوسك القاصر عن إدراك الأمور  والتهيت بالصور  عن المصور  وبالمواد عن الأرواح.

رجع الفتى وهو يحمل رسالة استعطاف من يوسف للملك عله يطلق سراحه، وهو المظلوم المفترى عليه، ولئن كان هذا الأمر جائزا في حق البشر  نظرا لضعفهم الروحي وعلة خيطهم الواصل بالله، فإن الأنبياء أعظم تربية وأشد ارتباطا من الله من أن يفعلوا كذلك، لأنهم معلمي الخلق، ومجسدي القدر خيره وشره على أرض الواقع، ويأبى الله أن يرى في أنبيائه احتياجهم لغيره، فأنساه الشيطان ……سنين”،

رؤيا الملك:

يواصل يوسف عليه السلام دعوته داخل السجن، مستفيدا من الفراغ الذي يعيشه المسجونون، ومن التفرغ من المشاغل الأخرى ليوسف، ويشاء الله الذي إذا أحب عبدا هيأ له الخير ، ولو بَعُد المكان وتعاقب الزمان واختلف الناس، أن يُرِيَ الملك رؤيا ستحفر  في نفسه أثرا يدفعه للبحث عن تعبيرها، ” وقال الملك…..

يفتقد الملأ  إلى علم التعبير، فيعتبرون رؤيا الملك أخلاطا من أضغاث الشياطين، لا علم لهم بها، وينزل القدر  موقظا الفتى الناجي من السجن، فيحدث الملك بعلم يوسف وقدرته على التأويل، منطلقا إليه، ويعبر يوسف رؤيا الملك بدون شروط، وهي رؤيا تهم البلاد والعباد والحكم، ورؤى مثل هذه يجب أن توثق علما قائما بذاته له أهله كما للعلوم الأخرى، وإذا كانت العلوم البحثة قد أسست لها علما شبيها يسمى “علم المستقبليات” الخالي من فعل القدر الإلهي، ومن الإيمان بالسنن الكونية الناتجة عن التدبير الرباني، فلم لا يكن علم الرؤى مؤسسا وفيه الإشارات الربانية والتنبؤات الغيبة؟، طبعا لا لنؤسس عليها فعلا وأحكاما، ولكن لنطمئن بها اطمئنانا وبشارة، خصوصا إذا كانت رؤى تَهُم الأمة والمجتمع.

يبين يوسف بتفصيل أحداث ما أنبأت به الرؤيا، فيصدق الملك، ويقربه ويوليه عزيزا لمصر، وتأتي السنوات السبع الخصبة، ويُجمَع فيها  القمح في سنبله، كي يحفظ من التسوس، ليٌقدَّم للسنوات السبع العجاف، ويدبر  يوسف عليه السلام هذه السنوات، بما آتاه الله من خبرة اقتصادية ومن عدالة وأمانة أوصل بها الأرزاق لكل فقير ومسكين وغيرهم، وما حكى لنا القرآن ولا الروايات الإسرائيلية عن  أحد مات من الجوع في هذ السنوات، وهنا يجب التنبيه على أهمية الكفاءة في تولي خزائن أموال الناس، وما صَنَع الأزمات وأقنعنا بالندرة، إلا سفاهةُ الولاة على أموال الأمة، وجشعهم ومحتكري أموالها ومبذريها فيما لا ينفع دنيا وأخرى.

يُصدِّق الناس بتعبير  يوسف ويؤمنون به نبيا، وبفضل الله ينجو القوم من سبع عجاف لولا التدابير الاحترازية لهلك خلق كثير، وأغلبهم الفقراء والمساكين، وأصبحت مصر  ذلك الزمان مباركة باستيطان نبيين بها يعقوب ويوسف، عليهما السلام، مترجمة رضى يوسف بأمر الله تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾[12].

ثانيا: الكيد

لقد أورد الله تعالى الكيد في القرآن الكريم في أثر من ثلاثين موضعا، والمقصود به، أنه ضرب من أضرب  الاحتيال في الخفاء، وقد يكون ممدوحا ويكون مذموما، قال تعالى مادحا له: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾[13]، وقال سبحانه: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾[14]، لكنه يجد في الشر مرتعا خصبا، قال تعالى: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾[15]،وقال عز  وجل ذَامًّا له: ﴿لأكيدن أصنامكم﴾[16]، وقال تعالى: ﴿فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين﴾[17] وقال سبحانه: ﴿كيد ساحر﴾[18]، ونظير هذا في القرآن الكريم كثير.

ولقد ورد الكيد في سورة يوسف في أربعة مواضع بصور  ثلاثة ، اختلف بحسب الفاعلين له إلى:

أولا: كيد الرجال:

قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾[19]

حذر يعقوب عليه السلام يوسف من قص رؤياه على إخوته، مخافة أن يفهموا بفطنتهم، استئثار يوسف بوراثة النبوة، فيزيد ذلك من وهْم الحقد المسيطر عليهم أساسا فيكيدوا له كيدا، وعلى الرغم من التزام يوسف بنصيحة أبيه، إلا أن عداوة الشيطان ليوسف غلبت وسيطرت على نفوسهم، فاجتمعوا للاستشارة فيما بينهم إجماعا على إذاية يوسف، وداخل كل فِعْل كَيْدي جماعي صقورُ  وحمائم في درجات الحقد والفتك،  انتصر الإلقاء في الجب  على القتل والنفي، ويَحْبِكُ الإخوة حبلَ الكذب اتهاما للذئب، ويشكك يعقوب عليه السلام في روايتهم بقرينة الدم المكذوب على القميص الخالي من تمزيق الذئاب، ويبرأ إلى الله من فعلتهم، ويسلي قلبه المنفطر  بالصبر الجميل عسى الله أن يعجل بعودة يوسف.

في كيد الرجال تتعدد درجات الانتقام، ففي القلوب الخاوية من مخافة الله يترجل القتل والفتك والدم، فسبب الكيد هنا غيرة وحقد، ومساره اجتماعات، وتداولات وتخطيط، ونتيجته تنفيذ في إذاية الأنفس وإزهاقها ظلما وعدوانا، ولذلك كان لزاما في عملية التغيير البشري، البداية بتغيير القابليات، لأنها المدخل لفهم حركة الآخر ، على الأقل بالتوقف في تفسير  الأفعال سلبيا، فيعقوب عليه السلام لم يكن يفضل يوسف وأخيه عن بقية أبنائه، فالوَلِيدَيْن اللذيْن ماتت أُمُّهُما وهما صغيرين، أجدر بالرفق وأولى بالعناية من غيرهما، فلو عمد يعقوب إلى بيان سبب حفاوته بالصغيريْن، على الأقل كان سيُبدد ركام الوهم الذي استقر في أذهان الإخوة، لكن تَرْكَ الإنسان لشَكّه وريبَته، يُدخل الشيطان لنفث وساوسه وتزويقها، فيقذف  في القلوب بهتانا وزورا، فتتحول بذلك حياةٌ أفراد وأُسر  وعوائل وبلدان من حياة هنيئة إلى حياة ضنكى وضيق وكمد وصراع، وانظر كيف كابد يعقوب ويوسف عليهما السلام، آلام الفراق، ووحشة اللقاء، وأنين الآلام سنوات عديدة، ومن ألطاف الله من هذا الكيد أن هيأ الله به العبد المؤمن ونقله من طفولة مؤلمة ومن شباب مبتلى، ومن سجين مظلوم، إلى حظوة اجتماعية وسيادة سياسية، بل وإلى مقام نبوي رفيع، ليُحوِّل الصبرٌ الجميلُ قلبَا يعقوب ويوسف إلى سماحة لطيفة وعفو شامل، ويُحول الفعلُ الكيدي إخوةَ يوسف  ندما تعبديا وتوبة نصوحا، ومن ألطافه سبحانه أيضا أنه لم يقبض روح أحد منهم، وإلاَّ  انعدم الرجاء، وأُرجئت التوبة، وأخذ المظلوم، بجريرة الظالم يوم القيامة، فما أرحم الذنوب إن لم تُزهق فيه الأرواح البريئة، على الأقل تبقى لها فسحة الأوبة والتوبة.

كيد النساء:

قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

الكيد هنا ليس صفة لصيقة بالمرأة،  فالشرُ  في الإنسان يظهر  ويعلو  ويخبو على حسب درجات القرب من الله، وعند الذكر والأنثى على السواء، لكن عندما ينعدم خوف الله في القلوب، يَدخلُها الشيطان بعداوته، ﴿إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾، فيُزين الشهوات، ويَغمِط الحقوق، ويُصر على دفع الإنسان للمعصية، فتعظيم كيد النسوة في هذه الآية ب”إن” و”بنون التوكيد” وبلفظ ” عظيم”، إنما هو قول عزيز  مصر  حكاه الله عن امرأته، ولم يُقِرُّه الله حُكما حتى نَصِمَ بها النساء اليوم، في تجريد عن السياق والحدث، وحتى لو قمنا بمقارنة هذا الكيد مع كيد الرجال الآنف ذكرا، لوجدناه أهون بكثير منه، فكيد النسوة سببه عشق وشهوة، ومساره، مراودة وانبهار  وهم بالوِقاع، ونتيجته، إذاية في الوجدان، وسلب للحرية، ولو أن الزيارات توالت على يوسف وهو سجين، لأن المرأة إذا عَشِقَت أخلَصت، ولذلك استمر صبر امرأة العزيز ومصابرتها أُمَّة من الزمان، ليُمكنها الله من يوسف ولكن بصفات الإيمان، والطرق المشروعة، ويسقط عنها نزوات شياطين الشهوة، ليصبح الحب في الله والولاء لله هو خاتمة القصة برمتها.

المراودة بالإغواء والإغراء، إشارةً وحركة وإظهارا وخضوعا بالقول ومجاهرة وصدعا، هي من أسلحة المرأة، المُغيبَة عن دينها، الأخّاذة بنوازع أنوثتها وفورة جسدها، تفتك بها قلبَ كل مريض عارَكه النفاق، أو  خالَطَ وجدانَه غمامُ الغرام والشهوة المُنسية، فَتَراه أصم أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلُّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، وتتحلل فيه قيود التمنع من المعاصي، فيتفلت من يديه زمام نفسه رويدا رويدا، حتى يصبح مفتونا بالنساء مغرما بهن، لا يصده عن ذلك ستائر نفس ولا حجب دين ولا  متاريس عرف أو  قانون.

نهى الله أمهات المؤمنين، وهن زوجات النبي ﷺ اللواتي لهن حظ من التربية ومن الصحبة النبوية، عن الخضوع بالقول في حضرة الرجال وهو أدنى مراتب المراودة ، حتى لا ينجذب المريض، فكيف بمن تُحرك المرَض حتى يُصبح ألما مُزمنا برقصات جسدها وتضاريسه، وبلباس الكسي والعري، وبلسعات اللسان وسهام النظرة، وشاعرية الإحساس ورهافته، وبفقدان الحياء والتعفف، وبتمزيق حجب الوقار  من الله تعالى، ومن الناس أيضا، سيما وأن هذا المريض لم يَعُد وازعُ القرآن يؤثر  فيه، فأطلق العنان لنظره، واللجام لنفسه، فأصبح لا ير  في المرأة إلا  ثغور  لذة، وملاذ شهوة.

لكن عندما تتعطل مؤسسات التربية، وهي الأسرة وقائداها الأب والأم، والمدرسة ورواداها المعلم والمربي، ومؤسسة العلماء، التي أرغمها السلطان والوهن من أن تقوم بوظائفها، فانتظر  حتما، حتفا يضرب الأمة في مقتل.

كيد الله:

قال سبحانه:  ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾[20].

قال ابن كثير رحمه الله: ” والمقصود أن ذلك كله ليس من الكذب في شيء، ولكنه من المعاريض الحسنة التي كان من آثارها: ظهور الحق، واعتراف المخطئ بخطئه، وتوبته منه، والتحلل من المظلوم، وجمع الشمل، وتحقيق موعود الله ليعقوب ويوسف عليهما السلام، ونصرة الله للمظلوم، وكيده له، وهذا كله من الفضل العظيم الذي توصلوا إليه عن طريق هذه المعاريض التي ليست بكذب، وإن كان يظنها من لم يفهم حقيقة الأمر: أنها كذب”[21] .

المعاريض مخرج جائز  إن كان شرعا، لمقصد شرعي أعم وأشمل وأنفع، قال القرطبي رحمه الله: ” وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلا، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل”[22].

في هذا الكيد، تدبير بالحق لبداية انفراج أزمة يوسف ويعقوب عليهما السلام، ” وليس هذا من يوسف عليه السلام كذبا أو خداعا محرما، بل إنه من الكيد الحسن الذي كاد الله به له ليتم عليه نعمته، ويجمعه بوالديه وأهله، وليستقبل إخوته التوبة، وليظهر لهم خطؤهم فيما صنعوه بأبيهم وأخويْهم ، وليتم الله نعمته على أبيهم يعقوب عليه السلام ، ويرد عليه ابنه بعد طول غياب وشدة معاناة، فكاد الله تعالى لنبيه هذا الكيد الحسن المبارك ، لتحصل هذه النعم للجميع ، وليس هذا من الظلم والعدوان والخداع المحرم، حاشا وكلا” .[23]

يجعل يوسف صواع الملك في رحل بنيامين، وينادي المنادي في العير أن أحدكم سارق، فيُقبلُ إخوة يوسف منكرون، ودفعا للتهمة عنهم، ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ”، فيبدأ المفتش باحثا عن الصواع ” بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ”، دفعا للريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا ﴿اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ) ولم يقل “وجدها، أو سرقها أخوه” مراعاة للحقيقة الواقعة .

فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) أي: يسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم، ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ لأنه ليس من دينه أن يُتملك السارق، وإنما له عندهم، جزاء آخر، فلو رُد الحكم إلى دين الملك، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد.

والمنادي الذي نادى: ﴿ أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ كان يظن أنهم الذين سرقوا صواع الملك، فنادى بما يعلم، فلم يكن كاذبا، فيوسف عليه السلام قصد أنهم سرقوه من أبيه، وقد صدق، وهذا من جملة المعاريض الحسنة التي يتوصل بها إلى معرفة الحق وإقامة الدليل عليه، قال ابن الجوزي رحمه الله: ” فإن قيل: كيف جاز  ليوسف أن يُسرِّق من لم يسرق؟ فعنه أربعة أجوبة:

أحدها: أن المعنى: إِنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في الجب، قاله الزجاج.

والثاني: أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل أخيه، فكان غير كاذب في قوله، قاله ابن جرير.

والثالث: أن المنادي نادى بالتسريق لهم بغير أمر  يوسف .

والرابع: أن المعنى: إِنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[24] أي: عند نفسك، لا عندنا. وقولِ النبي ﷺ: ” كذب إِبراهيم ثلاث كَذَبات”[25] أي: قال قولاً يشبه الكذب، وليس به “[26]، وقال ابن تيمية رحمه الله: ” يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَ: إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ يُوسُفَ مِنْ أَبِيهِ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي هَذَا، وَالْمَأْمُورُ قَصَدَ: إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ الصُّوَاعَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُ كَذِبًا”[27].

يفاوض الإخوة يوسف، بعدما ضاق بهم الأمر  وتذكروا ميثاقهم لأبيهم، وتجدد عليهم وجع ضميرهم لما فعلوا بيوسف، واضطربت آهاتهم لمّا يخبروا أباهم وهو  المفجوع على يوسف، المطعون من خيانة أمانتهم، فيقترحون عليه أن يأخذ أحدهم مكان بنيامين، فيأبى يوسف قائلا:  ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴾، وبعدما استيأسوا من أخذ بنيامين، اجتمعوا ليتذكروا المواجع، ويتفقوا على كيفية إخبار  يعقوب عليه السلام، قال الأخ الكبير: ﴿ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ  وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾، ويفيض الحزن على يعقوب، وتبيض عيناه كمدا ويتولى عنهم وهو غضبان آسف صائح، واآسفاه على يوسف، مع أن الضحية هو بنيامين، حتى تعلم الولع بيوسف النبي، وينقطع يعقوب لله شاكيا باكيا مستغيثا خافيا شكواه إليه، ويُبلج الله في قلبه رحمته سبحانه وعطفه، ويؤجج شوقه ليوسف باطمئنان روحي صادق، ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾، ويرجع الإخوة إلى يوسف ليدخلوا مصر من أبوابها المتفرقة تنفيذا لوصية أبيهم، مخافة  عليهم  من عين شياطين الإنس والجن ومن شر حاسد إذا حسد، يلاقوا يوسف، ليذكرهم بفعلهم المشين في حقه، وتتعانق به الأرواح باكية نادمة، ويخفض الجناب الشريف يوسف عليه السلام جناح الذل والرحمة والعفو والتسامح لإخوتة، وتُسابق ريحُ الصبا البشيرَ الخارج من مصر  لتزف خبر  البشرى ليعقوب  ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، ويأتي البشير ببشرى الشفاء، ويلقى القميص الشريف على العين المصابة بالحزن الكئيب، ويلم الشمل الكريم ليعقوب ليدخلوا مصر إن شاء الله آمينين مطمئنين، ويلتئم الجرح العميق، ويتعانق النبيان تعانق محبة وشوق وانتصار، وينتصر   دائما المرتبط بالله، المبتلى بالمصائب والإحن، ويجني ثمار الندم الظالم التائب من الذنب، بعد العفو الكريم للمظلوم المحتسب الصابر.

ثالثا: القميص

المزيد من المشاركات
1 من 18
مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

ورد القميص في سورة يوسف في ستة مواضع، بثلاث إدلاءات، فقد كان دليل اتهام الإخوة وبراءة الذئب، وكان دليل اتهام زليخة وبراءة يوسف، وكان دليل شفاء ليعقوب، وانظرك رعاك الله إلى الجمادات  كيف يحولها أدلة ناطقة تقف بجانب المظلوم، وتقاوم الظلم المحرم أبديا، وينفث الله فيها من بركاته ما هو أعلم به.

تروي الروايات الإسرائيلية، التي أُمرنا أن لا نصدقها ولا نكذبها، أن إبراهيم عليه السلام لما أُوقدت له النار، أتاه جبرائيل عليه السلام بثوب من الجنة فألبسه إياه، فلم يضره معه حر ولا برد فلما حضر إبراهيمُ الموت، جعله في تميمة وعلقها علي إسحاق عليه السلام، وعلقه إسحاق علي يعقوب عليه السلام فلما ولد يوسف، علقه عليه، فكان في عضده حتى كان من أمره ما كان.

فلما أخرجه من التميمة يوسف بمصر، وجد يعقوب ريحه، وهو قوله تعالى حكاية عنه: ﴿ إني لأجد ريح يوسف، لو لا أن تفندون﴾ فهو ذلك القميص الذي أنزل من الجنة، ولو أن صريح قول سيدنا يوسف عليه السلام، يخالف هذا، ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا وليس بقميص جدي إبراهيم عليه السلام، ولم يقل قميص الجنة، كما أن سيدنا يوسف عليه السلام لم يأخذ معه متاعاً لما ألقوه أخوته في الجب، وكان وقتئذٍ صغيراً ولا يُعقل أن يكون قد ارتدى قميص جده إبراهيم عليه السلام، وسيدنا إبراهيم حين ألقي في النار كان شاباً كبير الحجم. فكيف طفل صغير يرتدي ثوب أو قميص شاب كبير؟.

لا يهم هذا بقدر  ما يحمل هذا القميص من الروحانية السامية لصاحبه ﷺ التي تضفي على الموجودات جمالاً ورونقاً لا مثيل له يشرح القلب ويورث فيها البهجة والضياء علمها أهل القلوب الحيَّة السامية وقد أدرك سيدنا يعقوب عليه السلام هذه الروحانية السامية ولمَّا تتجاوز العير التي تحمل قميص سيدنا يوسف عليه السلام وخيره مبتعدة عن مصر حيث إقامته عليه السلام. ولنرى الأثر  البليغ لهذا القميص في هذه السورة:

القميص دليل اتهام الإخوة وبراءة الذئب:

يلبس يوسف القميص ويذهب مع إخوته للرتع واللعب، والفرح يغمره، والسعادة تملأ جوانبه، ولم يكن يدري ما يُعِد له إخوته من كيد لعين، يصل المكان المعلوم، تتلقاه أيادي إخوته، ليلقونه في الجب، فتدركه العناية الربانية ويؤانسه جبريل وحشة  خلوته، ليُباع بعدئذ بأبخس الأثمان، يرجع الإخوة عشية بقميص يوسف الملطخ بالدماء، يتباكون كذبا ويرتجفون زورا، ويرددون بهتانا ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، لكن يجعل الله من القميص السليم إلا من دم الكذب الملطخ به، دليل براءة الذئاب التي حرم الله عليها لحوم الأنبياء، ودليل إثبات تهمة الفتك بيوسف بإخوته، فالمتَّهم الظالم المرتكب للجرم، ولو  حَبَك البراءة فإن الله تعالى يضعف من حبكه، ويوهن براءته بقرائن تثبت تهمته،  رأى يعقوب عليه السلام القميص ونظر إلى الوجوه المصطنِعة للحسرة والألم، وتخيل آلام يوسف، فأجهش بكاء  وأذى، متهِما أبناءه، ومحتسبا أمره إلى الله، ومجبرا نفسه بالصبر الجميل، الذي يَختِمُ الآلام بالأمل، والإحن بالمنح، ويبدأ بفقد يوسف سلسلة الحزن التي أوهنت جسده  وأفقدته حبيبتَيْه إلى أن كتب لهما اللقاء لهما اللقاء.

تُثخَن هنا الرواية الإسرائيلية آنفا حول القميص، فكيف احتفظ يوسف بالقميص وقد رجع به الإخوة ليكون حجة عليهم؟، اللهم إن كان غير القميص الذي كان سبب براءته من تهمة زليخة، وسبب شفاء أبيه.

القميص دليل اتهام زليخة، ودليل براءة يوسف:

يلعب الهيام والعشق الشهواني بنفس امرأة العزيز، فتُظهِر بوجه يوسف أسلحة الإغراء والإغواء، ويجفل عنها الصدّيق المحصن بحفظ الله، فتستمر  وتكابد لأجل أن يلتفت إليها، ويزداد هو إصرار ا على التمنع والرفض، لكنها تنتقل للإيقاع بيوسف إلى مرحلة متقدمة، إذ تُفرغ القصر  من خادميه وتُغلِّق الأبواب وتتجمل وتتزين لتحاصره، وتهب نفسها إليه بوجه الحرام، يدافع الوفيُّ يوسف عن نفسه، ويفر  من أمامها بحفظ الله الذي فتح له مغاليق الأبواب، وتلاحقه بكل ما أُوتيت من قوة، لتجره من الخلف من قميصه، فتمزقه، ليُفتح الباب في وجه العزيز، ويرى بنفسه طورا من أطوار كيد امرأة العزيز، تسابق هي شك العزيز، وبراءة يوسف لتسيطر بالقول: ﴿  مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءاً إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾، انبرى لسان البريء بالنطق، مدافعا عن نفسه، ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾، وكان لنفي يوسف وقْعُ في نفسية العزيز ، حيث صدَّقه لأنه يعرف صدقه ووفاءه، راجيا منه أن يكف لسانه عن الموضوع مطلقا، متهما في نفس الآن امرأته ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، ويرج القصر  رجا بفضيحة امرأة العزيزة، وتداري هي الحقيقة، لينطق الشاهد بما تكره، ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾، يقف القميص مدافعا عن يوسف، فقد قٌد من دبر حيث براءة يوسف وطهارته، وتمعن، باركك الله، كيف يهيئ الله لعباده جمادات تقف بجانب الحق مناصرة للمظلوم، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾[28]،

القميص دليل شفاء يعقوب:

﴿ اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ مَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾[29]

ينزع يوسف قميصه ويسلمه للبشير المبشر ، كي يذهب به الله عمى يعقوب عليه السلام، وما إن تحرك هذا القميص حتى سابقت ريحه أشواق البشير ، ووصلت إلى يعقوب رغم بُعْدِ الشقة، تثبيتا للفؤاد، وتدرجا في الفرح، يُلقى القميص المبارك على عيني يعقوب، فيُذهب ما بهما من بياض الفجع، وكمد الحزن، وهَمِّ السنين، ليعانق قلبُه أملَ الصبر الجميل، وترفرف روحُه في علياء العطاء الرباني، لتُسَوِّدَ في صفحات الصابرين المحتسبين، أن الأقدار الحزينة التي تجري على المصطفين الأخيار، ما هي إلا شوك يختبر الإحساس للوصول إلى منشور  الولاية وكنز المحبوبية، ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ينظر الأب بعينيه، إلى الماضي حيث الفقد السليب، وينظر  إلى الواقع حيث البشارة الكبرى، يوسف حي ونبي وعزيز مصر، والقميص المبارك بما يحمل من بركات النسمة الطيبة، يخرق الحس والعقل، في كون أن البركة سر من وجود الله، وجند من جنوده، لا يحويها الزمان ولا المكان ولا الجماد ولا الكثرة.. يلقها الله حيث يحب لأجل ما يحب، ينتفع بها المحبوبون عندما تبور  الحيل وتوصد الأبواب، ولا توهنها قطعا برازخ الموت، لتوقظ الوسنان الهائم، وتدل الولهان الحائر وترسم على جبين الصابر، ما أذهب الله به بلاء أيوب عليه السلام في الصحة والمال والولد: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ.

إشارة:

الرؤيا مدى بعيد من الغيب الإلهي، وقد اختصت سلالة يعقوب عليهم السلام بتأويل الرؤيا وهو علم يفتح الله به على من يشاء من عباده، تأويل هذه الرؤيا أيقن منها يعقوب عليه السلام أن لإبنه شأن عظيم، فذكّر إبنه يوسف بنبوة أجداده، قال تعالى على لسان يعقوب:

وقال عنه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: ( هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم)[30]، فازداد تعلقا بيوسف، بقدر ما ازداد إخوته حقدا عليه.

وعلى هذا الأساس فالرؤيا، هي إشارات ربانية في المنام يراها المؤمن وغيره


[1] – فتح الباري 14/375

[2] – فتح الباري 14/375

[3] –  صحيح البخاري كتاب التعبير باب الرؤيا من الله

[4] – صحيح البخاري كناب التعبير باب الرؤيا من الله

[5] – صحيح البخاري كناب التعبير باب الرؤيا من الله

[6] -صحيح مسلم كتاب الرؤيا باب لا يخبر بتلعب الشيطان به

[7] – سنن الترمذي كتاب الرؤيا باب رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة

[8] – يوسف 12

[9] – النجم 32

2- سورة يوسف الآية 36

[11] – سورة يوسف الآية 37

[12] –  يوسف 101

[13] – يوسف الآية 76

[14] – الأعراف الآية 183

[15] – يوسف الآية 52

[16] – الأنبياء 57

[17] – الصافات 98

[18] – طه 69

8- يوسف 5

[20] – يوسف 70- 77

[21] – تفسير ابن كثير

[22] –  الجامع لأحكام القرآن

[23] – عن موقع إسلام كا. أنفو بتصرف.

[24] – الدخان 49

[25] – صحيح مسلم  كتاب الفضائل باب مِنْ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ.

[26] – زاد المسير 2/ 457

[27] – مجموع الفتاوى 16/451

[28] – المدثر 31

[29] – يوسف 93- 96

[30]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.