منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سورة الكهف تربية للنفس في زمن كورونا

0
اشترك في النشرة البريدية

ففي زمن الحجر الصحي، والتباعد الاجتماعي الذي نعيشه نتيجة الوباء المنتشر تتجلى للمسلم عندما يخلو بنفسه معان مهمة، ومن أهمها: “حاجتنا الماسة إلى تربية نفوسنا وتزكيتها، وتلمس جوانب الضعف والخلل فيها والمسارعة إلى إصلاحها“.

فإن نفسك التي بين جنبيك هي رأس مالك الحقيقي، وهي أعظم ما تملك في هذه الدنيا؛ ففيها الخسارة وبها الربح!

وقد قال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة}[1] والمعنى: كل نفس بما كسبته من الأعمال مأخوذة فإما أن تو بقها أعمالها – أي تهلكها–، وإما أن تخلصها وتنقذها من الهلاك [المختصر في التفسير]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتِقُها أو موبِقُها))[2] أي: كل الناس يسعى: إما في طاعة الله فينقذ نفسه من النار، وإما في طاعة الشيطان وطاعة هواه فيهلكها بدخول النار.

في ظِلِ الأخطارِ المحدِقةِ، والشرورِ والفتنِ المتلاحِقةِ، فلا بدَّ للإنسانِ من حِصنٍ مَنيعٍ يَتحصَنُ فيهِ، ورُكنٍ شَديدٍ يَلجأُ إليهِ، وليسَ للمسلمِ حِصنٌ ولا رُكنٌ أمْنعَ من القُرآنِ العَزيزِ، فهو حَبلُ اللهِ المتينِ، وصِراطهُ المستَقِيمِ، نَجاةٌ لمن تَمسكَ بهِ، وعِصمَةٌ لمن اتْبَعهُ، ونُورٌ مُبينٌ لمن استَضاءَ بهِ، وكَهفٌ آمنٌ لمن آوي إليهِ، ولقد ألجأنَا هذا الوباءُ العَجيبُ لأن نَتحَصَنِ في بُيوتِنا، ولا عَاصِم من أَمرِ اللهِ إلا من رِحِم،  (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)[الكهف:16].

القرآنُ العظيمُ كَهفٌ مُباركٌ، يأوي المسلمُ لظِلالهِ، ويسترشدُ بأنوارهِ، ويستلهِمُ هِداياتهِ، ويجني من بركاتِهِ، وأمَّا كَهفُ الكهفِ فهي سُورةُ الكهفِ، تلكَ السُورةُ العَجيبةُ، ذَاتُ القَصصِ البلِيغةُ، والألطَافُ الحكِيمةُ، والإرشاداتُ الرحيمةُ، (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)[الكهف:10].

المزيد من المشاركات
1 من 30

وسورة الكهف قد امتازت عن غيرها من السور بميزات عدة، وجاء فيها من الفضل والأجر ما لم يأت في غيرها، وإن كانت بعض السور أفضل منها كسورتي الفاتحة والإخلاص.

وسورة الكهف هي سورة يوم الجمعة؛ لأن المسلمين يقرؤونها فيه؛ إتباعا للسنة، وتحريا للفضل، وطلبا للنور الذي يضيء لقارئها ما بينه وبين البيت العتيق، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وسورة الكهف قد امتازت عن غيرها من السور بميزات عدة، وجاء فيها من الفضل والأجر ما لم يأت في غيرها، وإن كانت بعض السور أفضل منها كسورتي الفاتحة والإخلاص.

وحفظ الآيات العشر الأولى من سورة الكهف، أو قراءة الآيات العشر الأخيرة منها سبب للعصمة من أكبر فتنة في البشرية، وهي الفتنة بالدجال، وكل ذلك ثابت في أحاديث صحيحة، ولم يرد مثل ذلك في غيرها من السور والآيات.

من أعظم الفتن التي يضعف أمامها أكثر البشر فتنة السلطان الغالب، والقوة القاهرة، التي تقود إلى البطش والظلم والأثرة، ونجد علاج هذه الفتنة الكبيرة في القصة الرابعة من هذه السورة العظيمة، وهي قصة ذي القرنين، الذي ملك مشارق الأرض ومغاربها، ودانت له الدول والممالك، وآتاه الله تعالى من كل شيء سببا، ومع ذلك لم يتجبر بسلطانه، ولا استعلى على الناس بقوته؛ بل سخر ذلك في إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وإقامة العدل، ورفع الظلم، ونصر المظلوم.

إن سورة الكهف قد عالجت في قصصها هذه الفتن الأربع: فتنة الشرك في قصة الفتية، والفتنة بالمال في قصة صاحب الجنتين، والفتنة بالعلم والمعرفة في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، ولو نظرنا في حال أكبر فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي فتنة الدجال لوجدنا أن هذه الفتن الأربع قد اجتمعت كلها في الدجال:

القصة الأولى : إيمان أهل الكهف

القصة الأولى المذكورة في السورة هي قصة رجال الكهف. كانوا ناسا مؤمنين، وعاشوا في بلد الشرك. وعندما لاحظوا أن الناس تهدد حياتهم بسبب إيمانهم، تركوا المدينة وذهبوا الى كهف في سبيل الله.و هناك أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم بالنوم وعندما استيقظوا، وبحلول ذلك الوقت كان كل الناس من مدينتهم أصبحوا مؤمنين. هكذا، تظهر هذه القصة أنه عندما يتوكل شخص على الله سبحانه وتعالى ثم على إيمانه، يأتي دائما لنجدتهم ومساعدتهم في تخفيف الصعوبات التي يواجهونها.

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

الدرس الذي نتعلمه من هذه القصة هو أن الله سبحانه وتعالى يضع الإيمان في الشخص ليعرف المؤمن الصامد في إيمانه، ثم يساعده الله بطرق يصعب على العبد الضعيف فهمها.

 

علاوة على ذلك، تعطي السورة الدرس بأنه يجب على المسلم أن يبقى دائما في الشراكة مع الناس الذين هم على خير وصلاح حيث كان رجال الكهف كلهم صالحين، وبالتالي، وجودهم معا هو واحد من العوامل التي جذبت الرحمة والمساعدة من الله سبحانه وتعالى. هكذا، ينبغي أن يكون المسلم صامدا في إيمانه، مرفقا للناس الطيبين، كما هو مذكور في القرآن الكريم. قال تعالى في سورة الكهف : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) [3]:

 

القصة الثانية : شكر النعم

القصة الثانية في سورة الكهف هو الشخص الذي كان له حديقتان ، وكان من الأثرياء والأغنياء. ومع ذلك، ثروته أدت به للتشكيك في إيمانه، وبسبب ذلك حرمه الله سبحانه وتعالى من كل حيلة وخير دنيوي، مما جعله يدرك طبيعة زوال النعم في هذا العالم. هذه القصة في حد ذاتها تعلم للمسلم درسين منفصلين :

– الأول هو أن كل ثروة هي أيضا اختبار من الله سبحانه وتعالى. لذلك، على الأثرياء والأغنياء خصوصا أن يعلموا أن النعم التي تمنح لهم هي في الواقع اختبار لهم إذا كانوا سيشكرون عليها الله أم لا.

– ثانيا، يجب على المسلم أيضا أن يعلم أن النعم في هذا العالم كلها مؤقتة وعابرة، لذلك، عندما تصبح متاحة يجب أن يشكر الله عليها خصوصا وأن هناك ناس آخرون ليست لديهم هذه المتع الدنيوية.

فالقرآن الكريم، يوضح الله سبحانه وتعالى هذه الأمور الدنيوية وطبيعتها الزائلة. قال تعالى في سورة الكهف : (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا)[4]

يجب على المسلم أن يعلم أن النعم في هذا العالم كلها مؤقتة وعابرة، لذلك عندما تصبح متاحة يجب أن يشكر الله عليها خصوصا وأن هناك ناس آخرون ليست لديهم هذه المتع الدنيوية.

القصة الثالثة : تواضع العالم

القصة الثالثة المذكورة في سورة الكهف هي لنبي الله موسى مع الخضر، عليهما السلام حيث اعتقد موسى عليه السلام أن لا أحد في هذا العالم أعلم منه ، فبعث الله سبحانه وتعالى لهالخضر، الذي أثبت أنه يعرف أكثر من موسى عليه السلام في الكثير من القضايا .فالدرس الذي يمكن تعلمه من هذه القصة هو أن المعرفة دائما نسبية، وأن هناك دائما شخص أكثر دراية ولديه فهم أفضل للأشياء من المرء بذاته.

القصة الرابعة : حسن استعمال السلطة

القصة الرابعة هي قصة الملك العظيم ذي القرنين الذي سافر في جميع أنحاء العالم لمساعدة الناس الذين كانوا في حاجة له ولينشر الخير أينما ذهب، وكان أحد الذين قدموا الإغاثة إلى قوم من خطر يأجوج ومأجوج.

الدرس الذي يمكن تعلمه من هذه القصة هو أن السلطة هي أيضا هدية واختبار من الله إلى أولئك الذين يتقلدون السلطة، الذين تجب عليهم مقارنة حالهم مع الآخرين واستخدام هذه القوة لفعل الخير وجعل حياة الناس أسهل ومحاربة الشر .

باختصار، سورة الكهف بالإضافة الى الفوائد والأجور التي تأتي من تلاوتها ، يمكن لفهم مضمونها أن يساعد المسلمين على استخراج دروس قيمة تساهم في تشكيل حياة المرء نحو طريق البر.

[1] [المدثر:38]

[2] صحيح مسلم:223]

[3]  سورة الكهف الآية 28

[4]  سورة الكهف الآية : 45

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.