منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علم اجتماع البيئة رواد واتجاهات ونظريات

د. محمد شرايمي

0

تنزيل كتاب: “التربية البيئية وسؤالا التنمية والأخلاق

تقديم

البيئة هي كل ما يحيط بالإنسان، وهي مجموع العناصر الطبيعية والصناعية التي تجري من داخلها الحياة الإنسانية. وتعد موضوعا للبحث والدراسة تلتقي فيه كل العلوم. والعلاقات بين العلوم الاجتماعية وفكرة البيئة غنية ومعقدة للغاية. ونسعى هنا عرض بعض الخلافات التي حدثت حول هذا الموضوع، ذلك أن مفهوم البيئة قد استخدم في كثير من الأحيان كعلامة صريحة على الانقسامات النظرية.

وعلماء الاجتماع بعد اطلاعهم على الأفكار الاجتماعية للفلاسفة كأفلاطون وارسطو وابن خلدون من جهة، وأفكار علماء الطبيعة كداروين وغيره من جهة أخرى، بدأ يتبلور لديهم اهتمام بالبيئة الاجتماعية.

وقد عجلت التفسيرات التي تستحضر البيئة وتأثيرها على السلوك الإنساني لرواد علم الاجتماع من أمثال دركايم وفيبر وبارك وغيرهم وكذا بروز الحركات المناهضة للتدخل السافر للإنسان فيها، بظهور أفكار وأبحاث جديدة أدت إلى إضافة فرع جديد من فروع علم الاجتماع خلال سنوات السبعينات من القرن الماضي هو علم اجتماع البيئة.

المزيد من المشاركات
1 من 19
  • علاقة الانسان بالبيئة في النظريات الفكرية

-مدرسة الحتمية الطبيعية

من رواد هذه الاتجاه Frierich Ratzel (184411904) و Ellen Churchill Semple (186311932) و Ellsworth HunCngton (187611947).

لقد تاثر هؤلاء ببعض النظريات العلمية. كنظرية شالز داروين (التحولات العشوائية والانتقاء الطبيعي)، و Haeckel (وراثة الشخصيات المكتسبة) على التطور وتطبيقها في علم الأحياء. وكذا وفقا لهربرت سبنسر (الفيلسوف التطوري ، 182011903) ، فإن المجتمع كائن حي يتنوع تحت تأثير البيئة الخارجية وهياكلها الداخلية. فالبيئة بمختلف عناصرها كالتضاريس والمناخ والغطاء النباتي والانواع الحيوانية تؤثر على مختلف جوانب حياة الإنسان.

 وتعني الحتمية البيئية ضرورة تكيف الإنسان مع المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه. لقد أكدت أفكار رواد هذا الاتجاه على ان البيئة تؤثر على سلوك الإنسان. وربط هؤلاء بين جغرافية الشعوب والمجتمعات ودرجة تطورها.

فالإنسان يوجد في بيئة تؤثر فيه، وهي التي تشكل ثقافة الناس ونظمهم الاجتماعية. وما مرد الاختلافات الموجودة بين المجتمعات إلا إلى اختلاف البيئات التي يعيشون فيها. أي أن الاتجاه الحتمي يعتبر أن البيئة هي مركز كل شيء. ذلك أن:

–  للبيئة القدرة الأكبر في تشكیل طبیعة العلاقة بین الإنسان وبیئته.

–  إن الإنسان خاضع للظروف الطبيعية.

–  أن قدرات الطبيعة تفوق قدرات الإنسان.

ـ أن البيئة هي المحدد لشكل وثقافة وسلوكات الإنسان .

ولون بشرته وشكل جسمه، ومكان سكنه ونشاطه.

– غير أن هذا الاتجاه سيتعرض إلى بعض النقد من قبل الاتجاه الامكاني، على اعتبار أن الإنسان لا يشبه الكائنات الطبيعية الأخرى لأنه يتمتع بعقل يستطيع من خلاله خلق التغيير، وبالتالي فالإنسان يعتبر الكائن الوحيد الذي يخضع بدرجة اقل لظروف البيئة.

(Possibilism School): -2  المدرسة الإمكانیة

من روادها Paul Vidal De La Blache (1845-1918) و Lucian Paul victor Febver (1878-1956) و Herbert John Fleure (1877-1969).

يرى اميل دوركايم  ولوسيان فبر أن حياة الإنسان ليست حتمية عليه، فالإنسان يمتلك القدرة على تغيير البيئة وفقا لإرادته وليس وفقا للوثيرة التي تفرضها هي عليه.

وطور  Vidal De La Blache هذا النهج الجغرافي كرد فعل لطريقة تفكير جغرافية تقليدية، والتي تعرف باسم الحتمية البيئية.

ازدهرت أفكار هذه المدرسة في بدایة القرن العشرین. وارتبطت أفكار هذا الاتجاه بقدرة الإنسان في التأثیر على البیئة الطبیعیة نظرا للتقدم التكنولوجي الذي عرفه الإنسان. فهو يستطيع أن يستغل ويطوع البيئة حسب ما يتوفر عليه من قدرات. بمعنى أن الإنسان يتمتع بقوة وقدرة يستطيع من خلالها أن يتسيد على البيئة.

فإذا كان الاتجاه الحتمي يقول على أن البيئة تؤثر في الإنسان، فان أنصار الاتجاه الإمكاني يقولون أن الإنسان هو بدوره يؤثر على البيئة. أي أن له الحرية الكاملة في استغلال البيئة حسب ما تقتضيه احتياجاته.

فالإنسان حر في اختياراته، فهو يقوم بتغيير البيئة حسب ما يتوفر عليه من إمكانيات ليلائمها مع ما يبتغيه من حاجيات. وبالتالي فإنه يخلق بيئته من خلال أنشطته المختلفة وما يدخله من تغييرات على البيئة .

فتعامل الإنسان مع البيئة ليس مطلقا، فهو لا يملك القدرة التامة لتغيير بيئته، وإمكانياته في التعامل معها تختلف باختلاف الأجيال وتبعا لما توصل إليه من تطور تكنولوجي.

أي عند التمعن في علاقة الإنسان بالبيئة، نجده في كثير من الأحيان عاجزا عن مجابهة العديد من المشكلات البيئية رغم تقدمه التكنولوجي.

-3 الاتجاه التوافقي

من بين رواد هذا الاتجاه أرنولد توینبي Arnold Joseph Toynbee

(1889 -1975 وKarl Sauer (1889 – 1975 ).

يحاول هذا الاتجاه التوفيق بين آراء الاتجاهين السابقين. فهو يتخذ موقفا وسطا بين أنصار الاتجاه الحتمي والاتجاه الاختياري.

اذا كانت البيئة، حسب هذا الاتجاه، تعطي وتستجيب ولا يستطيع الانسان تغيير الاوضاع بها جذريا، فانه قادر على الاختيار وبذل الجهد وتعديل جوانب منها وتهذيبها لتلبية حاجياته. لان الانسان يختلف عن الكائنات الطبيعية الاخرى فهو ذا عقل وارادة وقوة تمكنه من تحويل العناصر الطبيعية الى عناصر تقبل الاستفادة منها.

فهذا الاتجاه يرى أن كلاهما – الطبيعة والإنسان- يؤثر في الآخر. والفرق الحاصل هو أن تأثير الطبيعة في بعض البيئات يتعاظم مما يجعل تأثير الإنسان عليها سلبيا.

والبيئة إما أن تكون صعبة أو سهلة. الأولى تحتاج من الإنسان إلى مجهود كبير للتكيف معها. بينما الثانية تحتاج منه إلى مجهود اقل.

والإنسان بدوره إما ايجابي أو سلبي. الأول يتفاعل مع عناصر البيئة ليشبع حاجاته ويحقق مبتغاه. والثاني قوته وقدرته ومهارته محدودة بالمقارنة مع الأول.

  • البيئة في فكر بعض رواد[2] البحث الاجتماعي والسوسيولوجي

ـ عبد الرحمان ابن خلدون (1332- 1406)

يتضمن الباب الأول من المقدمة تفسيرات ابن خلدون التي يربط فيها الطبيعة الجغرافية بأشكال وأخلاق الأمم مرتكزا في ذلك على شكل الأرض وطبيعة المناخ.

وقد قارن ابن خلدون بين البيئة الحضرية والبيئة البدوية، فأهل المدن والأمصار أقل شجاعة لأنهم ألقوا أنفسهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمر المدافعة إلى الحامية التي تتولى حراستهم، وإلى الأسوار التي تحيط بالمدينة.

ـ مونتسكيو: Montesquieu (1689-1755)

يعتقد Febvre أن الطريقة التي يتم بها وضع العلاقة بين الإنسان والبيئة لا تختلف اختلافا جذريا عند مونتسكيو وعند راتزل في أوائل القرن العشرين، وبالتالي فإن مونتسكيو هو خالق تيار الحتمية في الجغرافيا البشرية[3].

يقول Numa Broc  : نريد منذ مدة طويلة جعل مونتسكيو مؤسس الحتمية الجغرافية، ونرى في عمله محاولة لتفسير تنوع المجتمعات الإنسانية تحت تأثير الوسط، وخاصة المناخ الذي يؤثر بشكل مباشر على الكائن وينمط مزاج الأفراد. والمزاج بدوره يحدد أنواع من الحياة التي تنجم عنها التنظيمات السياسية والاجتماعية، وهو الشيء الذي يطلق عليه مونتسكيو “القوانين”[4].

ولقد أشار مونتسكيو في كتابه “روح القوانين” إلى العلاقة بين طبيعة النظم والتشريعات وبين طباع الشعوب التي تطبقها، حيث يرى أن أهم عوامل التنوع الثقافي يتمثل في المؤثرات الجغرافية وخاصة ظروف المناخ، وأن فهم هذه المؤثرات يمكن من فهم السمات المختلفة والمتميزة لشعوب العالم.

كارل ماركس Karl Marx (1818-1883)

غالبا ما يتم الاستشهاد بمخطوطات ماركس لعام 1844، يقول على أن “الإنسان هو مباشرة كائن طبيعي. وهو كائن طبيعي، وككائن طبيعي حي، مزودة من ناحية بالقوى الطبيعية للحياة ـ انه كائن طبيعي نشط. وتوجد هذه القوى فيه كاتجاهات وقدرات ـ كدوافع. ومن ناحية أخرى فانه ككائن موضوعي طبيعي جسدي حسي هو مخلوق محدود مشروط يعاني كالحيوانات والنباتات. وبعبارة أخرى فان موضوعت دوافعه توجد خارجه، كموضوعات مستقلة عنه. غير أن هذه الموضوعات هي موضوعات لاحتياجاته ـ موضوعات أساسية لا غنى عنها لتجلي قواه الجوهرية وتأكدها.[5] فهذا النص هو فلسفي يصور القطيعة مع مثالية هيجل. لكن يفرد فيه مكانا للطبيعة بطريقة مزدوجة. حيث يتحدث عنها ،أولا،على أساس أنها “جسد الإنسان غير العضوي”، الأمر الذي يدفع بطريقة ما إلى عدم الفصل بين الطبيعة والإنسانية. ويشير ، ثانيا، إلى أن الإنسان عن طريق تغيير الطبيعة، من خلال تحويل نفسه، وهذا من شأنه أن يبين أن الطريقة التي يعامل بها الإنسان الطبيعة يعني بها أنه يكتسب تصرفات ومهارات تجعله ما هو عليه.

هذه البديهيات لا تمتد فعلا في الأعمال العلمية التي سيقوم ماركس بتطويرها، حيث سيركز على العلاقات الإنسانية – القوى المنتجة التي اقتصرت على البشر وعلاقات الإنتاج.

ـ هربرت سبنسر: Herbert Spencer ( 1820 -1903)

كان لإسهامات هربرت سبنسر تأثير قوي على المهتمين بعلاقة الإنسان بالبيئة، وخاصة نظريته عن المماثلة البيولوجية، وتركيزه بصورة أساسية على أهمية الميكانزم البيئي في إحداث التغير وعملية التكيف مع البيئة، فالكائن الحي لا يمكن تناوله بعيدا عن الوسط الايكولوجي الذي يعيش فيه. فقد تركزت تحليلات  داروين  وسبنسر السسيولوجية التطورية على أبعاد هامة استفاد منها بالفعل العديد من علماء العلوم الاجتماعية والطبيعية، وتمثلت تلك الإسهامات في كتابات العديد من علماء هذه العلوم.

ـ اميل دوركايم: Émile Durkheim ( 1958 – 1917)

في المجتمعات التقليدية، يقوم التضامن على السلوك الجماعي المنظم وعلى الأنشطة المحلية المتمايزة بشكل ضعيف، التي تسمح للأفراد مشاركة تاريخ وقيم مشتركة داخل نفس المنطقة.

ويتحدث دوركايم عن التضامن باعتباره نابعا من شعور يعود إلى مجال تنتمي اليه جماعة معينة يجمع فيما بين مكوناتها مشتركات عدة ثقافية ودينية وغيرها. ويميز فيما بين التضامن الآلي الذي يرتبط بالمجتمعات التقليدية والتضامن الميكانيكي الذي يرتبط بالمجتمعات الحديثة والعصرية.

وقد استفاد علماء الاجتماع البيئي المحدثين من أعمال اميل دوركايم وكتابه تقسيم العمل الاجتماعي، حيث ربط فيه بين درجة تعقد البناء الاجتماعي والكثافة السكانية والموارد والعمليات الاجتماعية، فالنمو السكاني يؤدي، في حالة الموارد المحدودة أو النادرة، إلى التنافس والصراع، الشيء الذي قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وتعاظم المشكلات الاجتماعية.

ـ ماكس فيبر: Max Weber (1864-1920)

ويؤكد فيبر على أن مشكلة البيئة كانت دائما قضية مشتركة بين كل من علماء الاجتماع والعلوم الأخرى، وسعى لمناقشة أفكار عالم الكيمياء الشهير “ولهام أوستوالد” حول الطاقات الاجتماعية ومدى تأثيرها على تطور الجنس البشري وكيفية تكوين البيئة الطبيعية لهذه الطاقة. بإيجاز فتصورات فيبر حول التغيير والثقافة والاقتصاد والدين والسلطة والتنظيم والتعليم… وغيرها، كانت تؤكد العلاقة المتبادلة بين التنظيم الاجتماعي والبيئة التي يوجد فيها في الواقع.

IIIـ  قضايا السوسيولوجيا الحضرية عند مدرسة شيكاغو

بدأ علماء الاجتماع بشيكاغو في التفكير في وجود مدرسة شيكاغو لعلم الاجتماع في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وهي عادة ما تشمل روبرت بارك (1864-1944) وإرنست بيرجس (1886-1966). ويمكن أيضا اعتبار لويس ويرث (1897-1952) ورودريك ماكنزي (1885-1940) من بين المنتسبين إليها. ويمكن تحديد وحدة المجموعة في الأسبقية الممنوحة للعمل الميداني ودراسة الحالة.

ويقول  Yves Grafmeyer أن روبرت بارك، الذي يعتبر عموما مؤسس مدرسة شيكاغو، كان تلميذا لجورج سيميل الذي كان على اتصال به في برلين وستراسبورغ وهيدلبرغ. واقترح في عام 1916 “بحثا عن سلوك الإنسان في المناطق الحضرية” والذي سيتناوله مرة أخرى في “المدينة”عام 1925 (كتبه مع بيرجس وماكنزي). وتعتمد المنهجية الاجتماعية، التي سيدافع عنها لاحقا، على مسح ميداني يتم إجراؤه بطريقة الصحفي[6].

سينفتح سيميل (1858-1918) تدريجيا على الظواهر الطبيعية وسيحاول التوفيق بين الطبيعة والمجتمع في مفهوم التفاعل. بهذا المعنى، فتعريف المجتمع من قبل زميل ليس حصرا: على العكس، فهو يشمل جميع التفاعلات بين البشر ولكن أيضا بين البشر وغير البشر لأن هذا النوع الأخير من التفاعل يشارك أيضا الاتصالات التي تشكل المجتمعات[7].

وسلط Simmel الضوء مباشرة على العلاقة بين المجتمعات وبيئتها: وفقا له أن ما يميز المجتمع هو إعطاء أهمية رمزية للأرض أكثر من الجغرافي أو المادي، ولكن من خلال بناء الفضاء الاجتماعي – ومن فضاء المجتمع – يمكن للمرء أن يفسر الظواهر الاجتماعية ومقارنة درجات الأهمية الرمزية المعطاة للمنطقة[8].

وقد نقل روبرت بارك مبادئ سيميل إلى التحليل التجريبي للمدينة. هنا يكمن كل الاهتمام بهذا الأخير لأنه على عكس الكلاسيكيات الأخرى، التي لم يتم توسيع عناصر تحليلها للتفاعل بين الطبيعة والمجتمع[9].

ويسترشد التحليل الاجتماعي للمدينة والظواهر الحضرية ـ بمدرسة شيكاكو ـ بالعديد من الأسئلة في تأملات هؤلاء المؤلفين. تبدو الأسئلة الثلاثة ذات أهمية خاصة:

ـ دمج السكان المهاجرين في الفضاء الحضري.

ـ أشكال الفصل أو التمييز.

ـ الاضطرابات الحضرية/ désordres urbains.

وعليه، فقد انكب رواد مدرسة شيكاكو على دراسة وتحليل الطريقة التي يحتل بواسطتها الأفراد المناطق العمرانية وذلك بتركيزهم خاصة على الاهتمام بعلاقات الجوار والفصل أو التمييز الفضائي بين الأقليات. ولكن هذه الايكولوجيا الإنسانية فرضت حتمية ما للوسط الحضري على المشكلات الاجتماعية، وكأن المحيط الجغرافي للمدينة هنا هو المصدر المتسبب في آلام البشر وأضرارهم[10].

IV ـ دوافع اهتمام علماء الاجتماع بقضايا البيئة

هناك ثلاثة قضايا رئيسية جعلت الباحثين في علم الاجتماع /علم اجتماع البيئي يهتمون بموضوع البيئة[11] :

1ـ الحركات الاجتماعية البيئية: كانت التعبئة البيئية في أواخر الستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي ولا تزال مجالا للبحث الذي يحرك علماء الاجتماع البيئيين، لأنها تعتمد على سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية والفعل الجماعي، وعلى علماء اجتماع كبار من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. وإذا كانت حركات الخضر تخضع لسلطة علم الاجتماع من خلال المشاركة في موجة الحركات الاجتماعية الجديدة، فإنها مع ذلك لا تزال تحمل تغيرا ثقافيا بحجم معين. هذا هو التغير الثقافي الذي يقع في قلب هذه الفئة: الحركات الاجتماعية الجديدة هي أقل محصلة لتجديد الفعل الجماعي من الرغبة في التغيير الموجه نحو مجتمع إيكولوجي يقيم الروابط مع الطبيعة. لذلك ، فإن هذه الحركات الخضراء هي مواضيع لعلم اجتماع البيئة لأنها تشكك في علاقة المجتمع بالطبيعة وتوازن النظم الإيكولوجية.

2ـ السياسات البيئية والاستجابات المؤسسية: إن ما ساهم بشكل كبير في جعل الأجندة الاجتماعية للبيئة بمثابة تفاعل بين الطبيعة والمجتمع وفي نفس الوقت ظهور الحركات الخضراء، هي السياسات البيئية. وغالبا ما ترتبط بردود الفعل الاقتصادية أو دور النمو الاقتصادي. ويمكن اعتبارها كذلك أنها تتوجه نحو الاستجابة التنظيمية والصناعية والحكومية للبيئة، ونحو إنشاء مؤسسات لتلبية المطالب المرفوعة من طرف البيئية، وكذا أشكال التنظيم التي تستطيع أن تدير اللايقين والنصوص للحفاظ على توازن الأرصدة البيئية والاستراتيجيات الاجتماعية والسياسية لمعالجة وحل المشكلات المتعلقة بها والاستجابة لها.

3ـ التفاوض والمشاركة والديمقراطية : نتيجة للمسار الاجتماعي لها من خلال التعبئة والسياسات، تعمل البيئة على قلب الأشكال الكلاسيكية للتفاوض من خلال إدخال ميزات خاصة بالقضايا البيئية. كذلك يسعى علماء الاجتماع البيئيون أيضا إلى دراسة الأشكال الجديدة من المشاركة الديمقراطية، بدءا بالحركات الاجتماعية البيئية الجديدة والمؤسسات (السياسية) الموضوعة للجواب على السؤال البيئي، من اجل استهداف الصراعات واستراتيجيات الفاعلين المحددة لهذه الأسئلة التي تتدخل فيها العديد من الجمعيات، عن طريق التشكيك في فكرة السلطة أو عن طريق التركيز على المناقشات ذات الصلة بتوزيع الموارد الطبيعية. وقد لعبت الأفكار حول العدالة البيئية أيضا دورا في تجديد أشكال المشاركة في الآليات الديمقراطية.

V ـ البحث السوسيولوجي الجديد حول البيئة

كانت المجتمعات الغربية وتقاليدها العلمية، المستوحاة من علوم جاليلي ونيوتون، تفصل دائما بين عنصر المجتمع وعنصر الطبيعة لدراسة كل منهما بشكل مستقل عن الآخر لتجعل هوة بين مجال العمل الإنساني وقوانين الطبيعة.

وعندما أصبحت البيئة تتعرض للضرر الناتج عن الأنشطة الإنسانية، جعلت هذه الهوة في موضع مساءلة. وتمكن المفكرون من ربط هذه الاهتمامات البيئية بالقضايا الاجتماعية، مثل التكنولوجيا والسكان والنظم المدرسية والطبية وبشكل أعم حدود الحضارة الصناعية ونظام قوتها وتقنياتها.

وازداد ذلك الاهتمام منذ أن دخلت البيئة المشهد السياسي والإعلامي والمدني والاقتصادي، وهذا يعني في المجال الاجتماعي، ومن تم أصبحت بالضرورة موضوع دراسة لعلماء الاجتماع.

فمنذ نهاية الستينيات من القرن العشرين، تم تنظيم العديد من التظاهرات الكبرى في إشارة إلى الضرورة الملحة للإنسانية لتكريس نفسها لمسألة البيئة: الأعمال المختلفة، بما في ذلك أعمال كارسون (1962) وتقرير ميدوز (1962). 1972) ثم بروندتلاند (1987)، مؤتمرات القمة العالمية المختلفة التي نظمتها الأمم المتحدة، وبروتوكولات مختلفة مثل بروتوكولات مونتريال أو كيوتو، ناهيك عن صعود الأطراف البيئية منذ ترشيح ديمون في فرنسا في عام 1974 إلى عدد لا يحصى من جمعيات حماية البيئة: كل هذا دليل على أن البيئة هي الآن مصدر قلق اجتماعي كبير، إن لم تكن القضية الملحة الوحيدة التي يجب معالجتها[12].

ويعد كل من Dunlap و Catton[13] أول الرواد الرئيسيين في إنشاء علم اجتماع بيئي. وهم أول من ندد بغياب علماء الاجتماع عن القضايا البيئية وأيضا عمى الناس (الدول الغنية) تجاه طرق حياتهم[14].

إن إدراج الإنسان في الطبيعة يعد دليلا على أن علم الاجتماع يرفض الاستثناء الإنساني. يزعم كاتون ودانلوب أننا ندرك أن البيئة الفيزيائية الحيوية موجودة وأننا نعتمد عليها؛ إنهما يفتحان الباب أمام علم اجتماع بيئي يعتبر أن العالم الطبيعي (الفيزياء الحيوية) يفرض قيودا واكراهات: فمسألة علم الاجتماع ليست مسألة حتمية تفسيرية بل يجب أن تدمج العالم الطبيعي كمكون مما تصبح عليه المجتمعات. لذلك يريدان أن يضطلع علم الاجتماع بمكانة متميزة ترتكز على الطريقة التي تتأقلم بها المجتمعات مع الطبيعة.

وقد طور كل من” كاتون” و” دنلوب” نموذجا جديدا منافسا في مجال علم الاجتماع أطلقا عليه النموذج البيئي الجديد(NEP)  يأخذ في الاعتبار إدخال الإنسان والمجتمع وكل الواقع الاجتماعي في عالم بيوفيزيائي، وضمناه أربعة مبادئ أساسية هي[15]:

-1  على الرغم من اتصاف الإنسان بصفات خاصة ومميزة كالثقافة والقيم والتكنولوجيا، إلا أنه واحد من أنواع كثيرة لا تعد ولا تحصى تعتمد على بعضها في النسق البيئي الكبير.

-2  إن العلاقات الإنسانية لا تتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية فقط ولكن تتأثر كذلك بعلاقات متشابكة من الأسباب والنتائج وما يترتب على ذلك من ردود أفعال في نسيج البيئة الطبيعية، وعليه فإن الأفعال الإنسانية الهادفة لها كثير من النتائج غير المقصودة أو ما يسمى بالوظائف الكامنة.

3 – يعيش الناس ويعتمدون على بيئة بيولوجية فيزيائية محدودة تفرض قيودا حيوية وفيزيائية على العلاقات الإنسانية.

-4  رغم أن كثيرا من قدرة الإنسان على الاختراع والقوة المستوحاة أو المستقاة من عدة اختراعات قد تبدو للوهلة الأولى أنها تحمل في طياتها قدرة فائقة ، إلا أنه لا يمكن إلغاء القوانين الايكولوجية أو تجاوزها.

يوضح دانلوب أن المشكلات البيئية مرتبطة بالعوامل الفنية والديمغرافية والثقافية والاجتماعية والشخصية. ويربط كل عامل منها بمؤلف[16]:

Paul Ralph  Ehrlich :  يريد أن يذكر أن الانفجار السكاني للكوكب يؤدي بالضرورة إلى الضغط على البيئة.

White Lynn : يربط بين المسيحية والكوارث البيئية، بحجة أن “المسيحية هي أكثر الأديان التي عرفها العالم”.

Schnaiberg Allan : الرجوع إلى شنايبر المقصود منه هو الإشارة إلى عامل “النسق الاجتماعي” الذي يذكرنا بأن النماذج السوسيو – اقتصادية للإنتاج والاستهلاك كانت تفضل دائما انساقا منخفضة التكلفة (اقتصادية، وحتى اجتماعية)، ولكنها تسبب ضغطا قويا على النظام الإيكولوجي من وجهة نظر استغلال الموارد والعوامل البيئية الخارجية.

Pogo comics : يشير نظام الشخصية إلى شخصية الكوميدي بوجو، التي أقامها Walt Kell والتي ظهرت مغامراتها بين عامي 1948 و 1975. وبهذه الشخصية يرتبط بالشعار التالي: “التقينا بالعدو وهو نحن”. وعلى الرغم من أن التعبير ظهر من فم الشخصية في عام 1953 (كيلي ، 1953) ، إلا أنه انتشر على نطاق واسع انطلاقا من عام 1970 وسيحقق من خلاله الاحتفال باليوم الأول للأرض نجاحا كبيرا في الولايات المتحدة[17].

استنتاجات

من خلال ما تم عرضه، نستنتج على:

ـ إن هناك تعدد للأفكار واختلاف على مستوى النظريات، إلا أن ما يتم الاتفاق بشأنه هو أن المفكرين الاجتماعيين يتجهون نحو دراسة الظواهر الاجتماعية وتفسيرها وفهمها في إطار النسق البيئي الكلي.

ـ أن تناول الظواهر الاجتماعية يقتضي الأخذ بالاعتبار الجانب الاجتماعي والبيئي في إطار ما يعرف بعلم الاجتماعي البيئي.

ـ أنه يقتضي من الباحثين في علم الاجتماع البيئي العودة إلى ما تم مراكمته من مفاهيم ونظريات اجتماعية بهدف إضافة تصورات جديدة تغني البحث في هذا الفرع السوسيولوجي الجديد.

بيبليوغرافيا

ـ بن رمضان يوسف: المسالة البيئية في الرصيد المعرفي لعلوم الانسان والمجتمع، موقع اتحاد اداعات الدول العربية.

ـ ماركس كارل: مخطوطات كارل ماركس، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الطباعة الحديثة، القاهرة 1974

ـ هماش ساعد: سوسيولوجيا البيئة في ظل المدارس النظرية والاتجاهات المفسرة، الباحث الاجتماعي ـ العدد 13 ـ 2017.

ـ Boudes  Philippe : L’apport de la sociologie de l’environnement à l’analyse des modes de vie. Contextes et perspectives,  September 2008.

ـBoudes  Philippe: La sociologie de l’environnement : objets et démarches , Manuel de sociologie de l’environnement, July 2012.

ـBoudes  Philippe: Simmel et l’approche sociologique de l’environnement, Émulations – Revue des jeunes chercheurs en sciences sociales, 2008.

ـCatton, W.R. Jr. and R. E. Dunlap,. Environmental Sociology: A New Paradigm, The American Sociologist 13, 1 , 1978.

ـELOI  Jean-Serge: L’ÉCOLE DE CHICAGO (I), NAISSANCE DE LA SOCIOLOGIE AUX ÉTATS-UNIS, UTLB 2015/2016

ـMORMONT Marc: La sociologie au risque de l’environnement, Exposé Lausanne 22 janvier 2015.

ـNuma Broc : Peut-on parler de géographie humaine au XVIIIe siècle en France ?. In: Annales de Géographie, t. 78, n°425, 1969.

[1] – أستاذ علم الاجتماع بجامعة عبد المالك السعدي ـ تطوان

[2] MORMONT Marc: La sociologie au risque de l’environnement, Exposé Lausanne 22 janvier 2015, p : 1-16

[3]  Numa Broc : Peut-on parler de géographie humaine au XVIIIe siècle en France ?. In: Annales de Géographie, t. 78, n°425, 1969. P : 58

[4]  Numa Broc : Ibid. , P : 57-58

[5]  ماركس كارل: مخطوطات كارل ماركس، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الطباعة الحديثة، القاهرة 1974، ص: 144

[6] ELOI  Jean-Serge: L’ÉCOLE DE CHICAGO (I), NAISSANCE DE LA SOCIOLOGIE AUX ÉTATS-UNIS, UTLB 2015/2016

[7] Boudes  Philippe: Simmel et l’approche sociologique de l’environnement, Émulations – Revue des jeunes chercheurs en sciences sociales, 2008,  P : 8

[8] Boudes  Philippe: Simmel et l’approche sociologique de l’environnement, Ibid,  P : 8

[9] Boudes  Philippe: Simmel et l’approche sociologique de l’environnement, Ibid,  P : 10

[10]  بن رمضان يوسف: المسالة البيئية في الرصيد المعرفي لعلوم الانسان والمجتمع، موقع اتحاد اداعات الدول العربية، ص: 27

[11] Boudes  Philippe: La sociologie de l’environnement : objets et démarches , Manuel de sociologie de l’environnement, July 2012 , P : 117 – 118

[12] Boudes  Philippe: Simmel et l’approche sociologique de l’environnement, Ibid, , P : 5

[13] Catton, W.R. Jr. and R. E. Dunlap,. Environmental Sociology: A New Paradigm, The American Sociologist 13, 1 , 1978, p: 41-49.

[14] Boudes  Philippe : L’apport de la sociologie de l’environnement à l’analyse des modes de vie. Contextes et perspectives,  September 2008 P : 5

[15]  هماش ساعد: سوسيولوجيا البيئة في ظل المدارس النظرية والاتجاهات المفسرة، الباحث الاجتماعي ـ العدد 13 ـ 2017، ص: 181ـ 198

[16]  Boudes  Philippe : L’apport de la sociologie de l’environnement à l’analyse des modes de vie. Contextes et perspectives, Ibid, P : 6-7-8

[17]Boudes  Philippe : L’apport de la sociologie de l’environnement à l’analyse des modes de vie. Contextes et perspectives, Ibid, P : 6-7-8

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.