منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مجتمع الفضيلة/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

مجتمع الفضيلة/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي: 

“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”

هناك اختلاف بيّن وواضح بين مجتمع يثرب، قبل الهجرة النبوية الشريفة، ومجتمع المدينة، عقب هجرته، صلى الله عليه وسلم، إليها، ثم إن هذا الرسول القائد الأعظم، صلى الله عليه وسلم، كان قد تمتع بصفات وسمات لم تتوفر لسواه، من قبل ولا من بعد، وتميز بخلق تكاملت فيه الفضائل جميعها مما جعله محط أنظار تهوي إليه أفئدة الجميع، وتتفانى في ارضائه النفوس، فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته رضي اللَّه عنهم إلى امتثالها، وما يأتي بإرشاد أو توجيه إلا ويتسابقون إلى التحلي به، بمثل هذا السلوك النموذجي استطاع، صلى الله عليه وسلم، أن يقيم في المدينة المنورة أسما وأرفع مجتمع عرفته الإنسانية، بعد أن عمل على حلحلة كل المشكلات التي كانت قد استشرت وانتشرت في مجتمع يثرب، من قبل، وقبل أن تغدو المدينة المنورة التي نشأت وتكونت في احضانها كل القيم والمثل الإسلامية النبيلة التي تدعو الإنسان إلى السمو الروحي تمثلاً وتشبهًا برسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، ذلك النموذج الإنساني الذي عمل على الارتقاء بالنفوس والأرواح فصنع منها ملائكة يمشون على الأرض، حتى غدا العديد من صحابته أنوارًا ونجومًا زاهرة، يهتدي بهديها كل من أحب الهدى وكره الضلال، فكانت أقوله وأفعاله ماءً صادف قلوبًا ظمأى ونفوسًا عطشى، فتلقفته بشوق ولهفة، لتصنع منه حبًا ونباتا وزرعًا ينتفع به من تهوى أفئدتهم إلى حب الخير، قال تعالى:

(ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الفتح:29.

بمثل هذه الدرر النفيسة والأحاديث الشريفة، التي وردت في كتب السيرة وكتب الحديث الصحاح، ربى النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، أصحابه الكرام البررة على التوادد والترابط الاجتماعي والتكافل الاقتصادي في ما بينهم فكانوا نعم من حمل أمانة الكلمة، فسطروا أسماءهم بمداد من نور وأحرف من ذهب في سجل التاريخ الإنساني الخالد والباقي ما بقيت في الدهر بقية في هذا الوجود.

والكاتب، هنا، يسعى، جاهدًا، إلى تدعيم بحثه ببضع نماذج من الدرر التي نثرها رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، ليعلي من الروح المعنوية لدى الصحابة وليرتفع في قلوبهم الإيمان فتطمئن نفوسهم إلى ما ينتظرهم من ثواب ونعيم لا ينفد، فشكلوا، بحق، نموذجًا فريدًا من البشر، عندما حملوا على عاتقهم مشاعل النور ونشروا المعاني السامية والقيم الرفيعة التي جاءت بها رسالة الإسلام التي حثت المجتمع المسلم على التمسك بجميل الصفات وكريم الأخلاق، (عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، أن رجلا سأل النبي، صلى الله عليه وسلم،: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)[1]، يرشدنا هذا الحديث إلى أهمية تقديم الطعام إلى المحتاجين، باعتبار أن هذا العمل هو من الفضائل في الإسلام، كما يلفت الحديث الانتباه إلى أهمية وقيمة العمل كوسيلة لكسب الرزق، مما يعني أن على المسلم مضاعفة الجهد حتى يتمكن من توفير الطعام له ولمن تلزمه نفقته، كما أن عليه أن يتصدق من جهده وعرقه حتى يدخل في زمرة من وصفهم القرآن بقوله تعالى:

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) الإنسان: 8-10.

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر:9.

ولا يزال رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، في أول خطبه عند مقدمه إلى المدينة، يكرر دعوته لأصحابه ويحثهم على فصيلة بذل الطعام وتقديمه لكل ذي حاجة، وهذا هو زرارة يروي للتاريخ ما رأته عيناه وما سمعته أذناه: (عن زرارة بن أوفى، حدثني عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة انجفل الناس قبله، وقيل قد قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قدم رسول الله قد قدم رسول الله ثلاثا، فجئت في الناس لأنظر فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)[2]، والحديث، بجانب ذلك، يحث على فضل الحرص على صلة الرحم في المجتمع المسلم ليغدو كالجسد الواحد فيقول: (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)[3]، كما روي عنه في حديث آخر: (عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، جالسا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء)[4]، والأحاديث عن اطعام الطعام وفضله وكثرة ثوابه، في يوم البعث والنشور، وهو يوم عصيب، لا تنقضي ولا تنتهي: (عن أبي سعيد عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)[5].

ويتجاوز التوجيه والارشاد النبوي، في أحاديثه، حد التماسك الاجتماعي، إلى أمر يعتبر في غاية الأهمية، ألا وهو توفير الأمان بين الناس حتى يعيش كل أفراد المجتمع المسلم في أمن وأمان: (عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)[6]، إذ لا يريد الإسلام أن يشيع في الناس الخوف، بل لابد من بث الطمأنينة في النفوس، وقد من الله تعالى على أهل مكة بنعمتي توفير الاطعام، وتوفير الأمن، قال تعالى:

(الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) قريش:4.

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ) العنكبوت: 67.

لقد وضع رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، من خلال أقواله وأفعاله، الأسس الراسخة لبناء مجتمع إنساني يتسم بفضيلة الأخلاق الحميدة التي تضمن له العيش دون تعب ولا نصب، فقد جاء في سنن الترمذي (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)[7].

لا شك في أن الحديث عن أحاديث رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة، يشتمل فوائد جمة وكثيرة، ولذلك سنورد، هنا، بعضًا منها لتعم الفائدة وليكتمل النموذج الرسالي:

  • (عن النبي،: صلى الله عليه وسلم، قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)[8].
  • (ثبت في الصحيح عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[9].
  • (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)[10].
  • (عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله: صلى الله عليه وسلم، قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)[11].
  • (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله)[12].
  • (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)[13].
  • (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة)[14].
  • (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)[15].

لعل ما ذكر، هنا، من أحاديث لا يعدو أن يكون قطرة من محيط بلا ساحل، وقيضًا من فيض كثير، مما ازدحمت به كتب السير وروته كتب الحديث، وهي تحث المجتمع المسلم على التكاتف والتراحم والتكافل، فقد أورد ابن خزيمة في صحيحه: (قال أبو الدرداء سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ما من ثلاثة نفر في قرية ولا بدو فلا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية وقال المسروقي: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: إن الذئب يأخذ القاصية)[16]، وفي هذا الحديث، وغيره من الأحاديث، نجد أن الإسلام قد حرص، أشد الحرص، على الجماعة وعلى الإكثار من الإنفاق في سبيل الله تعالى، ففتح، للمسلمين، الكثير من أبواب الخير والبر، ومما يروى في هذا الباب أن عمر بن الخطاب قال لصهيب: ما وجدت عليك في الإسلام إلا ثلاثة أشياء، اكتنيت أبا يحيى وقال الله عز وجل “لم نجعل له من قبل سميا”، قال: أنه قال: وإنك لا تمسك شيئا إلا أنفقته، قال: إنه قال: وإنك تدعى إلى النمر بن قاسط وأنت من المهاجرين ممن أنعم الله عليه. فقال صهيب: أما القول أني تكنيت أبا يحيى فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كناني أبا يحيى، وأما القول أني لا أمسك شيئا إلا أنفقته فإن الله تعالى يقول: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) سبأ: 39، وأما القول أني أدعى إلى النمر بن قاسط فإن العرب تسبي بعضها بعضا فسباني طائفة من العرب بعد أن عرفت أهلي ومولدي فباعوني بسواد الكوفة فأخذت لسانهم ولو كنت من روثة ما انتسبت إلا إليها. قال: صدقت)[17]، وكذلك تحثنا آيات القرآن العظيم على البذل والعطاء، انفاقًا في سبيل الله وانتظارًا للأجر والثواب منه، يقول تعالى:(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) البقرة: 245.


[1]/ صحيح البخاري ج1/ص13.

[2]/ سنن ابن ماجه ج2/ص1083.

[3]/ صحيح مسلم ج4/ص1999.

[4]/ صحيح البخاري ج5/ص2242.

[5]/ سنن أبي داود ج2/ص130.

[6]/ صحيح مسلم ج1/ص68.

[7]/ سنن الترمذي ج4/ص573.

[8]/ صحيح البخاري ج1/ص13.

[9]/ أضواء البيان ج3/ص42.

[10]/ تفسير ابن كثير ج4/ص214.

[11]/ صحيح مسلم ج4/ص1996.

[12]/ سنن الترمذي ج4/ص323.

[13]/ صحيح مسلم ج1/ص63.

[14]/ صحيح البخاري ج6/ص2729.

[15]/ صحيح مسلم ج4/ص1986.

[16]/ صحيح ابن خزيمة ج2/ص371.

[17]/ المستدرك على الصحيحين ج3/ص450.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.