منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اعتناء بني مرين لأهل الذمة| الرعاية الاجتماعية في عهد بني مرين

الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

اعتناء بني مرين لأهل الذمة| الرعاية الاجتماعية في عهد بني مرين

بقلم: الدكتور عبد اللطيف بن رحو

المبحث التاسع: الرعاية الاجتماعية لأهل الذمة في العهد المريني

يمدنا الونشريسي بإشارات قيمة عن أهل الذمة وأوضاعهم في المجتمع المغربي، فيتضح من نوازل وفتاوى المعيار كثرة أعداد اليهود في المغرب، وأنهم كانوا ينعمون بتسامح تام ومودة من جانب جيرانهم المسلمين.
وتشير إحدى النوازل أن أحد المسلمين كان له جار يهودي تربى معهم، وكانت علاقة الأسرة المسلمة بالجار اليهودي تتسم بالصداقة والود وحسن الجوار. يذكر الونشريسي عن القابسي حين سئل عن النازلة: «وأما جارك من أهل الذمة، فيستقضيك حاجة لا مأثم فيها، فتقضيها له، فلا بأس.»
هذا الاختلاف الديني لا يحول دون البر والصلة والاحترام، كما لا يجوز الانتقام من أهل الذمة بإجبارهم على ترك دينهم، أو اضطهادهم في عقائدهم، وحسبهم أن يعترفوا بسلطان الدولة ويقدموا له الإخلاص حتى يكون لهم مالنا وعليهم ما علينا. هذه هي مبادئ التسامح الديني في الإسلام التي قامت عليها حضارتنا، وهي توجب على المسلم أن يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعا، وأن يذكرهم بالإجلال والاحترام، وألا يتعرض لأتباعهم بالسوء، وأن يكون معهم على حسن المعاملة، رقيق الجانب، لين القول، يحسن جوارهم ويقبل ضيافتهم، وأوجب الإسلام على الدولة المسلمة أن تحمي أماكن عبادتهم، وألا تتدخل في عقائدهم، ولا تجور عليهم في الحكم، وتسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم كما تصون كرامة المسلمين وحياتهم.

المطلب الأول: مفهوم أهل الذمة

  • الفرع الأول: الذمة لغة

رجل ذمي معناه رجل له عهد، والذمة: العهد منسوب إلى الذمة، والذمة أهل العقد. والذمة الأمان. فالذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق، وسمي أهل الذمة ذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. ولهذا سمي المعاهد ذميا، لأنه أعطي الأمان على ذمة الجزية التي تؤخذ منه.
وفي القاموس المحيط الذمة: العهد والكفالة.
وأهل الذمة: المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم. ومنه الذمي: المعاهد الذي أعطى عهدا يأمن به على ماله وعرضه ودينه.

  • الفرع الثاني: الذمة اصطلاحا

عرف الإمام القرطبي الذمة فقال: «هي كل حرمة يلزمك إذا ضيعتها ذنب.»
ويروي أيضا الإمام القرطبي عن ابن العباس والضحاك وابن زيد أن الذمة العهد.
وعرفها الشيخ الطاهر بن عاشور فقال: «الذمة ما يمت به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار مما يجب في المروءة أن يحفظ ويحمى يقال في ذمتي كذا، أي ألتزم به وأحفظه.»
ثم عرفها الكفوي فقال: «مختلف فيها فمنهم من جعلها وصفا وعرفها بأنها وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له وعليه، والمراد بالذمة العقل. ومنهم من جعلها ذاتا وهو اختيار فخر الإسلام عليه بالرحمة، ولهذا عرفها بأنها نفس لها عهد فإن الإنسان يولد ولا ذمة صالحة للوجوب له وعليه بإجماع الفقهاء.»

  • الفرع الثالث: أهل الذمة في القرآن الكريم والسنة النبوية

1 -من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿لَّا يَنْه۪يٰكُمُ اُ۬للَّهُ عَنِ اِ۬لذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِے اِ۬لدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيٰ۪رِكُمُۥٓ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ يُحِبُّ اُ۬لْمُقْسِطِينَۖ﴾ [سورة الممتحنة الآية:8]
مما جاد به الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير الآية الكريمة أن البر الذي ذكر في الآية هو حسن المعاملة والإكرام والقسط. وأن هذه الآية جواز لمعاملة أهل الذمة بالإحسان وجواز الاحتفاء بأعيانهم.
وبين القرطبي معاملة أهل الذمة انطلاقا من الآية السالفة الذكر فقال: « لا ينهاكم الله على أن تبروا الذين لم يقاتلوكم، وهم خزاعة صالحوا النبي ﷺ على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا، فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم، ثم قال وتعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل. وأن القاضي إسماعيل بن إسحاق دخل عليه ذمي فأكرمه، فأخذ عليه الحاضرون في ذلك، فَتَلا هذه الآية عليهم.»

2 -من السنة النبوية: فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما.»
وفي شرح الحديث عند ابن حجر أن الذمي منسوب إلى الذمة: وهي العهد ومنه: ذمة المسلمين جميعا. والمعاهد من أهل الذمة من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أم هدنة من السلطان أم أمان من مسلم.

المطلب الثاني: الرعاية الاجتماعية لليهود في العهد المريني

لم تضع الدولة المرينية أية عقبات أمام اليهود، فقد أتاحت لهم قدراً كبيراً من الحرية داخل نطاق الدولة، التي كان على رأسها السلطان، وكان هذا السلطان يستند في حكمه على مبدأ الوراثة. ويمكن التعرف على طبيعة علاقة سلاطين بني مرين مع اليهود من خلال ما تركه لنا المؤرخون والفقهاء. فقد صدرت الفتاوى بتحريم قتال الذميين واليهود منهم إذا لم ينقضوا العهد فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم إلا أن ينقضوا العهد.
وكان لليهود حكم ذاتي في الجانب الديني وهذا ما يرويه لوتورنو عن طائفة اليهود في العهد المريني، يقول: «وقد كان لهم طائفة تتمتع بالحكم الذاتي الديني التام، على ألا يتسبب عن ممارستهم لطقوسهم الدينية أي مضايقة للسكان المسلمين.
ولم يكن المجتمع المغربي في عهد بني مرين بأقل من غيره من المجتمعات الإسلامية تسامحا نحو اليهود. لذلك نجد منهم في هذا العصر أقلية كان لها دورها وتأثيرها المباشر وغير المباشر في الحياة المغربية. فاليهود تمتعوا بحقوقهم المادية والمعنوية في ظل حكم الدولة المغربية.
وعلى كل فقد عرفــــوا في كثير من نواحي المغرب ولاسيما فــاس، وعاشــــــوا جنبـــا إلى جنب مع المغـــــــاربة المسلمين كما نالوا عطف الرسميين وغيرهم من رؤساء بني مرين الذين قربوهم إليهم وأغدقوا عليهم عطفهم وأدخلوا بلاطهم ومجالسهم وأطلعوهم على أمورهم الخاصة.
وقد ذكر المؤرخون أن أهل الذمة، خصوصا اليهود، عاشوا في المجتمعات الإسلامية عيشة كريمة محترمة لا يمسهم سوء ولا يصيبهم أذى إلا في أحوال نادرة، نظرا لما تمتعوا به في هذه المجتمعات من تسامح ديني واجتماعي، ولم يكن المجتمع المغربي في عهد بني مرين، بأقل من غيره من المجتمعات الإسلامية تسامحا نحو اليهود.
ويمكن أن نقف عند جملة من المعاملات التي تدخل في الجانب الاجتماعي، وأقرها سلاطين بني مرين اتجاه طائفة اليهود في المغرب زمن حكمهم.

  • الفرع الأول: رعاية السلطان يعقوب بن عبد الحق لليهود

في هذا الجانب تشير المصادر التاريخية إلى أن السلطان يعقوب بن عبد الحق اهتم بفئة اليهود، بل وحذر من التعرض لهم، وجعل لهم رعاية تحت السلطة، وهذا الأمر يشير إليه بتفصيل صاحب الذخيرة السنية بقوله: «وفي ثاني شوال من هذه السنة (674ه) قتل اليهود بفاس، قامت عليهم العامة بسبب جارية ادعت أن أحد اليهود افتضها قهراً في داره فقتل منهم أربعة عشر رجلا ولولا ما اتصل الخبر بأمير المسلمين وركب بنفسه في جماعة من حشمه وأمر بطرد العامة عن مواضع اليهود وكفهم عنهم لم يبق منهم أحد ثم أمر مناديا ينادي فنادى بالمدينة ألا يتعرض أحد ليهود الذمة.»
وكان لليهود وضع داخل هذه الدولة من خلال خليفة بن حيون بن رقاصة المشرف على القصر السلطاني، وإمداده بكل ما تحتاجه عائلة السلطان.
ويؤكد نفس الحدث صاحب روض القرطاس، حين قامت العامة على اليهود فقتل منهم أربعة عشر ألف يهودي، فقام السلطان أبو يوسف بكف العامة عنهم، ونادى منادي بأن لا يتعرض لهم أحد.
فأنزل السلطان يعقوب بن عبد الحق اليهود الملاح حول فاس الجديدة، وأخرجهم من فاس الادريسية بعد نهب أمتعتهم وقتل منهم عدد كثير.
ومن بين الرعاية أيضا التي لقيتها اليهود على يد السلطان يعقوب بن عبد الحق، رفع الظلم والاعتداء عنهم، وألغى المكوس على العامة ومنهم اليهود، وكذلك الرسوم التي كانت تدفع على الرتب والمناصب.

  • الفرع الثاني: رعاية السلطان يوسف بن يعقوب لليهود

اعتنى السلطان يوسف بن يعقوب بالطائفة اليهودية، والتي تعتبر رعية من بقايا رعاياه في بلاد المغرب، وأوصلته عنايته الخاصة باليهود أن استخدم حاجبا يهوديا وهو خليفة بن حيون بن رقاصه وعنبر الخصي. رغم أن هذه الحجابة لم تدم طويلا لأن السلطان قام باعتقالهم بسبب الثقل الذي شكلوه داخل البلاط، فتخوف منهم بسبب أعمالهم المريبة.

  • الفرع الثالث: رعاية السلطان أبي سعيد عثمان لليهود

السلطان أبو سعيد المريني من السلاطين الذين خصصوا لليهود أماكن لسكنى خاصة، قريبة من قصورهم وشملهم بالرعاية الحسنة.
ففي عهده وصل التسامح مع اليهود ذروته، فقد أمر العامة بالكف عن اليهود والتعايش معهم كأبناء وطن، رغم اختلاف العقيدة. واستقبل المغاربة اليهود بروح من التسامح خصوصا اليهود المطرودين من الأندلس.

  • الفرع الرابع: رعاية السلطان أبي الحسن المريني لليهود

إن السلطان أبا الحسن قاعدة شاذة عن غيره من ملوك بني مرين، حيث استغنى عن عنصر اليهود ولم يستخدمه ولم يقربه.
رغم ذلك ورعاية لهم أصدر أبو الحسن المريني ظهيرا بخصوص أهل الذمة حدد فيه الضرائب التي يطالبون بها، وأصدر هذا الظهير بتاريخ 16 محرم 739ه/1339م وقد جاء فيه ما يلي: «كما لا سبيل لهم «اليهود» إلى أن يكلفوا مغرما ملزماً ولا يطالبون بشيء من الوظائف والتكاليف أو تحرف بحرفة من الحرف، فيلزمه ما يلزم المسلمين في ذلك من غير حيف ولا طلب زائد.
ورفع فيها أيضا تضعيف المخازن في الاختفاء، ولم يبق لذمي ولاية على مسلم في المجابي.
وأسقط الجزية عن أهل الذمة خصوصا اليهود، يقول ابن مرزوق: «وصارت أخت الجزيات المضروبة على أهل الذمة بل أشد، فأسقط ذلك، وكان يجتمع فيه لا يحصى قدره.»
ويمكن القول إن اهتمام الدولة المرينية بالطائفة اليهودية كمواطنين مغاربة رغم اختلاف العقيدة الدينية، دليل على قيم التسامح والوسطية والاعتدال مع غير المسلمين سواء كانوا يهود أم نصارى.

المطلب الثالث: الرعاية الاجتماعية للنصارى في دولة بني مرين

عاش النصارى في كنف الدولة المرينية كما عاش اليهود، في ود وسلام بين أفراد المسلمين في بلاد المغرب الأقصى.
وكان النصارى يمثلون فرقة ضمن فرق الجيش المريني وكان قائدهم يطلق عليه اسم قائد جند النصارى. وحرص السلاطين بني مرين على جمعهم في مكان واحد عرف بحي الملاح بالقرب من البلد الجديد. وكان لهم دورهم في الحياة السياسية وخاصة خلال عصر نفوذ الوزراء.
ومن خلال تتبع المصادر التاريخية نجد أن هناك فرقة من الجند تقطن مراكش، والتي جنى عليها من قبل يوسف بن محمد بن أبي عياد الذي عقد له من قبل السلطان أبي ثابت المريني على مراكش. غير أنه خان العهد وتأبط شرا، فأجهز على هذه الفئة من النصارى بالقتل والسبي، فعلم بذلك السلطان فخرج له دفاعا عن هذه الفئة من النصارى، فألحق به الهزيمة، وتمكن من قتله وفئة من أتباعه فعلقت رؤوسهم على أبواب مراكش، انتقاما لقتلهم للنصارى.
فقصة الحادثة دلالة على العناية التي أولاها المرينيون للنصارى خصوصا لما هضم حقهم واستعلي عليهم بغير ذنب.
وتجدر الإشارة إلى أنه كان للنصارى المعاهدين أحباس على كنائسهم في بلاد المغرب، وكان القساوسة يستغلونها وينفقون من ريعها على مصالح كنائسهم، وما يتوفر من ذاك يأخذونه لأنفسهم.
والملاحظ أن معظم أهل الفتوى المغاربة كانوا يرون أن المبنى من الكنائس القديمة لا يتعرض له، وإن كان يمنع من الأحداث فيه، ولكن إذا انتقل أهل الذمة في بلد الإسلام من موضع إلى آخر ولم يخرجوا عن العهد والذمة فسكنوا فيه وأرادوا إحداث كنيسة لإقامة شعائرهم الدينية فإنهم يمكنون من بنائها ولا يمنعون منها، وجدير بالذكر أنه وجد لأهل الذمة في المدن المغربية أحياء خاصة بهم، فنجد في داخل حواضر المغرب الكبيرة حيا للنصارى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.