منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأمن في القصة القرآنية

اشترك في النشرة البريدية

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه الكريم وبعد: فإن من أهم وأعظم النعم التي أنعم الله بها على البشرية، نعمة الأمن والأمان، تلك النعمة التي لن تجد البشرية سعادتها إلا بها، وقــد من الله جل في علاه على قريش بهذه النعمة العظيمة حيث قال في محكم التنزيــل ]الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف[ [قريش: 4]. وفي القرآن الكريم عشرون صيغة لمادة أمن نستخلص منها أن الأمن الحقيقي لأي فرد أو جماعة مهما كانت قوتها لا يكون إلا من عند الله تعالى. وقد ضربت القصة القرآنية أروع الأمثلة في بيان مشاهد الأمن، لاعتمادها منهجا يفهمه جميع الناس، لذا سيكون هذا البحث الموسوم بـ (الأمن في القصة القرآنية) مكونا من:

مقدمة: وقد ذكرتها:

المحور الأول: مصطلح الأمن في ضوء القصة القرآنية، ويتضمن:

أولا: تعريف الأمن في اللغة والاصطلاح والسياق القرآني.

المزيد من المشاركات
1 من 27

ثانيا: مفهوم القصة القرآنية لغة واصطلاحا.

ثالثا: أنواع الأمن في السياق القرآني.

المحور الثاني: مشاهد آمنة في ضوء القصة القرآنية، ويتضمن:

أولا: إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

ثانيا: لوط عليه السلام.

الخاتمة: وفيها النتائج التي توصل اليها البحث.

المحور الأول: مصطلح الأمن في ضوء القصة القرآنية:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

وردت مادة أمن في القرآن الكريم بصيغ متعددة في مواضع مختلفة مبثوثة بين آيات الذكر الحكيم لتحمل كل صيغة من هذه الصيغ معنى الطمأنينة وراحة البال والعيش في سلام، ولتضيف في كل موضع معنى لنوع جديد من أنواع الأمن التي تمكن البشرية جمعاء من العيش باستقرار وأمان، بعيدين كل البعد عن كل ما يخيفهم ويقلقهم ويحول دون تحقيق خلافة الله في الأرض كما أرادها سبحانه، وسيتبين ذلك في الآتي:

أولا: تعريف الأمن في اللغة والاصطلاح وفي السياق القرآني:

1ـ مفهوم الأمن لغة: ضد الخوف، وعلى هذا المعنى يدور، وهو: يدور حول الشعور بالاطمئنان والاستقرار وعدم الخوف.[1]

2ـ مفهوم الأمن في الاصطلاح: للإسلام نظرته الشمولية للأمن لاستيعابه كل شيء مادي ومعنوي، كما أنه حق للجميع أفرادا وجماعات، مسلمين وغير مسلمين، ومفهوم الأمن في القرآن الكريم شمولي باحتوائه على مقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة، حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، بل حذرت الشريعة الإسلامية من خطورة الحرمان من الأمن المعنوي الذي يظهر في صورة الخوف من انعدام الأمن.

ولله در عمر بن عبد العزيز إذ قال لأحد عماله الذي كتب إليه: (إن مدينتنا قد تهدمت، فإن رأى أمير المومنين أن يقطع لنا مالاً نرممها به)، فكتب إليه عمر: (إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونقّ طرقها من الظلم فإنه عمارتها)[2]

أما في الاصطلاح المعاصر فالأمن هو: الإجراءات الأمنية التي تتخذ لحفظ أسرار الدولة وتأمين أفرادها ومنشآتها ومصالحها الحيوية في الداخل والخارج، كما أنه الطمأنينة والهدوء والقدرة على مواجهة الأحداث والطوارئ دون اضطراب[3].

3 ـ مفهوم الأمن في السياق القرآني: إن أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان، في الأصل مصادر ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان نحو قوله تعالى: ]وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون[[الأنفال: 27] أي ما ائتمنتم عليه، وقوله تعالى: ]إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً[[الأحزاب: 72].

وقد اختلف في تحديد المعنى المراد من الأمانة، فقيل هي الفرائض، وقيل الدّين، وقيل الْحُدُود، وقيل الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْغسْل من الْجَنَابَة وقيل هي الشرائع والأحكام وقيل غير ذلك[4]

ولأهمية الأمن في القرآن الكريم، فقد جعله الله سبحانه منة ونعمة من أعظم النعم التي منّ الله بها على خلقه قال تعالى: ]وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون [[القصص: 57]. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الاية: يقول تعالى: ]وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [ [القصص: 57]. أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبا لهم: ]أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا[ يَعْنِي: هَذَا الَّذِي اعْتَذَرُوا بِهِ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ فِي بَلَدٍ أَمِينٍ، وحَرَم مُعَظَّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضع، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْحَرَمُ آمِنًا فِي حَالِ كَفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، وَلَا يَكُونُ آمِنًا لَهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا وَتَابَعُوا الْحَقَّ[5]؟ ونستطيع القول بأن الإيمان بالله والخوف منه، والعمل الصالح هما أساس تحقيق الأمن، بل مفتاح تحقيق الأمن للمسلم في دنياه وأخراه، ولعل من أهم الأمور التي يتحقق فيها الأمن النفسي للإنسان: عندما يضرع إلى الله عز وجل ذاكراً فيأمن قلبه، ويرتاح فؤاده وهذا هو المعنى الذي أشار إليه القران الكريم في قوله تعالى: ]الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب[ [الرعد: 28]. إنه الأمن النفسي، والأمن القلبي، والأمن الروحي، الذي ينعكس نتيجة الإيمان بالله، بل إن تأثير هذا الأمن يمتد ليشمل جميع أنواع الأمن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي……الخ.

ثانيا: مفهوم القصة القرآنية لغة واصطلاحا:

1 ـ القصة لغة: قال ابن فارس: “قصُ: القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر، إذا تتبعته.

2 ـ القصص القرآني اصطلاحا: هو ذكر أخبار الأمم السالفة وأحوال الأنبياء مع أقوامهم ما يشبه الأحداث المعاصرة للنبي صلى الله عليه وسلم وحاله مع قومه، ويستعيد تلك الأحداث في هذا الزمان وفي كل زمان”[6].

ثالثا: أنواع الأمن في ضوء القصة القرآنية:

تعرضت القصة القرآنية لذكر جميع أنواع الأمن التي يحتاجها بني الإنسان، وبينت كيف يمكن تحقيقها من خلال الآيات القرآنية في الآتي:

 1 ـ الأمن السياسي: يظهر هذا النوع من الأمن في سياق القصة القرآنية في حديث القرآن الكريم عن أصحاب الكهف، قال تعالى: ]فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا[ [الكهف: 19]، فالقرآن الكريم يبين حالة فتية استيقظوا من نومهم ويوصون بعضهم بعضا أن يكونوا على حذر حتى لا يشعر بهم أهل زمانهم، ويظهر الأمن السياسي من خلال قولهم (وليتلطف) أي في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، (ولا يشعرن بكم أحدا) والمقصود ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى العلم بنا، فسمي ذلك إشعارا منه بهم لأنه سبب فيه، فأهل ملتهم إذا عرفوا أمرهم قتلوهم بالحجارة أو يعيدوهم إلى ملتهم. لذلك يوصون الرسول أن يكون حذرا لبقا: ]وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [[الكهف: 19-20] فما يفلح من يرتد عن الإيمان إلى الشرك، وإنها للخسارة الكبرى.

2 ـالأمن النفسي: إنّ حالة الاطمئنان والاستقرار النفسية، عالجها القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة، فأصبح المنظور القرآني لموضوع الأمن، له رؤيته الخاصة حسب قضايا الإنسان المختلفة الزوايا والمتعددة المواضيع، فهو يصور الأمن بوصفه مشتقاً من مفهوم الإيمان، بمعنى التصديق القلبي بالشيء، الذي يقود إلى حالة نفسيّة مستقرة، ويمكن أنْ نطلق عليه مصطلح (الأمن النفسي). كقوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون[[البقرة: 277]، وقوله تعالى: ]ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ[ [آل عمران: 154]، نلاحظ في هذه الآية المباركة، اقتران الأمن بالنعاس، وهو تعبير عن حالة الاطمئنان، التي توّلد حالة الراحة النفسية حيث يسترخي الإنسان، ويستيجيب فيها للنوم الطبيعي، على عكس حالة الخوف التي تولد القلق وتبعد النوم عن الانسان، يقول سيد قطب -رحمه الله-: “ولقد أعقب هول الهزيمة وذعرها، وهرجها ومرجها، سكون عجيب. سكون في نفوس المؤمنين الذين ثابوا إلى ربهم، وثابوا إلى نبيهم. لقد شملهم نعاس لطيف يستسلمون إليه مطمئنين! والتعبير عن هذه الظاهرة العجيبة يشف ويرق وينعم، حتى ليصور بجرسه وظله ذلك الجو المطمئن الوديع:

«ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ».. وهي ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين، فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين، ولو لحظة واحدة، يفعل في كيانهم فعل السحر، ويردهم خلقاً جديداً، ويسكب في قلوبهم الطمأنينة، كما يسكب في كيانهم الراحة، بطريقة مجهولة الكنه والكيف! أقول هذا وقد جربته في لحظة كرب وشدة، فأحسست فيه رحمة الله الندية العميقة بصورة تعجز عن وصفها العبارة البشرية القاصرة!”[7].

الامن الاقتصادي: القرآن الكريم يربط بين موضوع الأمن وموضوع الاقتصاد ربطاً مباشراً، حيث ينعكس تأثير أحدهما على الآخر بشكل مباشر، فإذا وجد الأمن انتعش الاقتصاد، وإذا ازدهر الاقتصاد تحقق الأمن والعكس صحيح. فالأمن لا يتحقق بوجود الفقر والحرمان، والقرآن الكريم وضع لنا استراتيجة أمنية غاية في الدّقة، حيث قال: ]الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[، فالمجتمع الجائع لا يمكن أن يستقر أمنياً، لأنّ الفقر يولد عند الإنسان الفقير (أقصد الفقير غير المحصّن بالإيمان والتقوى والأخلاق القويمة، وغير ذلك من الفضائل)، حالة من الهلع والخوف من الحاضر، ويأساً من المستقبل، إضافة إلى انهيار عزيمته وقواه النفسية، فيصبح صيداً سهلاً لكل من يقدّم له سدّ خلته، وبذلك يسيطر عليه ويسخره كيف شاء وأنّى شاء، وهذا ما يحصل فعلا في تجنيد المجرمين والإرهابيين في جميع البلدان، ولقد بينت القصة القرآنية تحقق الأمن الاقتصادي في أكثر من موضع في كتاب الله تعالى، أكتفي بذكر مثال واحد منعا للإطالة: الأمن الاقتصادي الذي أنعم الله تعالى به على أهل القرية التي ضرب بها المثل: فقال تعالى: ]وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون[[النحل: 112]. والآية كما هو معلوم مكية، والبيئة التي يعيشها المسلمون ينعدم فيها الأمن بسبب أذى المشركين، فكان فيها تحذير للمشركين؛ وتنبيه وتعليم للمسلمين لتهيئتهم لمرحلة مقبلة آتية، وقد استفاد المسلمون منها.

3 ـ الأمن في الأوطان: الأمن في الأوطان هو دعوة أبينا إبراهيم -عليه الصلاة السلام-، وفي ذلك يقول الله تعالى: ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير[ [البقرة: 126]. وفي سورة إبراهيم عليه السلام تكرر الدعاء في قوله تعالى: ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَام[ [إبراهيم: 35].

المحور الثاني: مشاهد آمنة في ضوء القصة القرآنية

لقد بين كتاب الله تعالى أحوال عباده المؤمنين في تمتعهم بنعمة الأمان وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلين الذين ضحوا بأنفسهم في نشر دعوة التوحيد، فكان ثوابهم أن منّ الله عليهم بالأمن في الدنيا والآخرة ويظهر ذلك من خلال القصة القرآنية.

أولا: قصة إبراهيم عليه السلام:

تعد قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه مضرب المثل في الإيمان بالله والوثوق بوعده، حيث أنهم لما قرروا تحريقه بالنار أوقدوا ناراً عظيمة، فلما ألقوه فيها قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال ابن عباس أنه قال: “كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ” قال تعالى: ]قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم[[الأنبياء: 69] فلما كان قلبه مطمئن بالإيمان أمنه الله على نفسه، وقلب خاصية النار وجعلها بردا وسلاما ليحقق له الأمن النفسي والمكاني وهو داخل النار، والناظر إليه يهيأ له أنه يحترق فيها، لكن الله بقدرته قلب موازين الأمور، وخرج إبراهيم عليه السلام آمنا سالما من كل سوء وبذلك حقق الأمن الاجتماعي لكل الخائفين الذين آمنوا معه، وثبت لمعذبيه أن الأمان لمن آمن بالله وتوكل عليه حق التوكل. وفي سورة الذاريات ذكر الله تعالى قصة إبراهيم مع الملائكة لما دخلوا عليه وهو لا يعرفهم، فقام تجاههم بواجب الضيافة وجعل ماله لهؤلاء الضيفان، حيث قدم لهم الطعام، فلما لم يمدوا أيديهم خاف إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ ذلك لأن العرب كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ بخير، وإنه يحدث نفسه بشيء، فلما خاف، قالت الملائكة: لا تخف، وكُن آمناً، فإنّا ملائكة ربك أرسلنا الله تعالى إلى قوم لوط الذين فعلوا الأمر العظيم الذي يستحقون بسببه العذاب الاليم، ومما زاد في طمأنينتة ونزول السكينه عليه تبشيرهم له بغلام عليم، يقول تعالى في شأنه: ]هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِين، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُون، فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينفَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكلُون، فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيم[[الذاريات: 24-28] هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتنبيه لقومه إن تمادوا على غيهم أن يحل بهم ما أحل بقوم لوط، ومذكرا قريشاً لما فعل بالأمم قبلهم، وتهديدا لهم بحرمانهم من نعمة الأمن التي كانوا ينعمون بها دون غيرهم من القرى حولهم، إذا كفروا وعصوا ليزدجروا ويتعظوا، وفيها أيضا اشارة خفية إلى نوع من أنواع الأمن النفسي وهو الخوف من عدم وجود الولد والذرية مع وجود الكبرو العقم عند زوجته سارة فبشره الله عز وجل بالولد رغم ذلك عن طريق هؤلاء الضيف المكرمون، وهم الملائكة الذين أمنوه بعد أن كان خائفا منهم بالبشارة بالولد العليم.

ثانيا: قصة لوط عليه السلام:

بالرغم من دعوة لوط عليه السلام، وإخباره لهم أنه رسول الله إليهم وأنه يريد لهم الخير بدعوته لم يؤمن له قومهُ، بل قالوا: أخرِجوه ومن آمن معه من أهلِه بحجةِ أنهم أناس يتطهرون، ثم هددوه بالقتل رجماً بالحجارة إن لم يكف عن دعوته، عِند ذلك دعا لوط ربهُ أن يُنجيه وأهله مما يعملون، فأنجاه الله وأهله إلا امراته كانت من الغابرين، فهلكت مع قومها الذين أهلكهم الله، بالصيحة، كما قال تعالى: ]فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون[[النمل: 56]. ]فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِين، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيل[[الحِجر: 73-74]. لقد بين الله تعالى خوف لوط عليه السلام من قومه، وخوف لوط عليه السلام كان على ضيوفه، لأن قومه كانوا معروفين بأنهم كان من عاداتهم إتيان الرجال، ولقد أمّنّه الله تعالى بأن أنزل العقوبة على قومه ونجّى لوطاً وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، قال تعالى مبيناً ذلك: ]وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين[[العنكبوت: 33]. ونلاحظ أن في قصة لوط عليه السلام مع قومه إشارة إلى نوع من أنواع الأمن الاجتماعي والأمن النفسي والأمن الشخصي، إذ إن المجتمع الذي تنتشر فيه الرذيلة والعصيان مجتمع خائف متزعزع مضطرب، ولما جاءت الرسل لسيدنا لوط أصبح عنده خوف نفسي من إيذاء قومه للضيوف، حينئذ أمنته الملائكة بأنهم لن يستطيعوا أن يصلوا إليهم لأنهم رسل الله جاءوا بالعذاب الذي أصاب قومه بسبب عصيانهم وتمردهم على لوط عليه السلام، وإنزال الأمن والسكينة على قلبه وقلب من آمن معه، وهذا العذاب سيكون مآل حال كل من تسول له نفسه ببث الرعب في قلوب الناس بأية طريقة كانت من ممارسة الفاحشة، أو مداهمة البيوت كما فعل قوم لوط عليه السلام  وغيرها من أنواع الفساد.

الخاتمة:

بعد التطواف بين الآيات الكريمات والقصص القرآنية توصل البحث إلى النتائج الآتية:

أولاً: لا يستطيع الفرد أن يشعر بالأمن والطمأنينة والاستقرار في مجتمعه إلا في ظل شرع الله تعالى.

ثانياً: تحقق الأمن يعني السعادة الدنيوية والأخروية.

ثالثا: فقدان الأمن يعني الشعور بالقلق والاضطراب وعدم استطاعة الإنسان القيام بالتكاليف الشرعية.

رابعا: من سنن الله في الكون أن النعم تدوم بالشكر وتزول بالكفر، فنعمة الأمن التي لا يستطيع الإنسان العيش دونها لحظة واحدة تستحق شكر الله عليها، ولا يكون شكرها إلا بالمحافظة عليها بالإيمان والعمل الصالح، فإذا زال الإيمان والعمل الصالح زالت نعمة الأمن والأمان.

خامسا: مشاهد الأمن ظهرت جليا في قصص الأنبياء مع أقوامهم، فبالرغم من شدة العناد والغرور والإيذاء الذي كانوا يلاقونه من أقوامهم، إلا أنهم كانوا ينعمون بالأمن الذي كانوا يستمدونه من الله بسبب قوة إيمانهم وصدق أعمالهم الصالحة التي تزيدهم همة وعزيمة وحرصا شديدا على تبليغ دعوتهم إلى الله وإخراج الناس من الخوف والدمار إلى الأمن والإعمار.

وختاما أسأل الله تبارك وتعالى أن يمن على الأمة الإسلامية بنعمة الأمن والأمان والسلامة والسلام ويحفظ الأمن في أرضننا الحبيبة ويجنبها الفتن ما ظهر منها وما بطن.

المصادر والمراجع:

     القرآن الكريم

  1. الإسلام والأمن الدولي، محمد عبد الله السمان، دار الكتب الحديثة ـ القاهرة، (ط2)، 1380هـ/1960م
  2. تفسير القرآن العظيم، لابن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت 774هـ)، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، (ط2)، 1420هـ/1999م
  3. جامع البيان عن تأويل آي القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري المتوفى: 310هـ تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان الطبعة: الأولى، 1422 هـ – 2001 م
  4. الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء، لابن الجوزي، عبد الرحمن مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، ط1، 1298هـ
  5. في ظلال القرآن سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت 1385هـ)، ، دار الشروق – بيروت القاهـــرة، (ط17)، 1412هـ،
  6. القصص القرآني في مفهومه ومنطوقه، الخطيب، عبد الكريم دار المعرفة، بيروت، (ط2)، 1395ه/1975م،
  7. لسان العرب لابن منظور محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الإفريقى المتوفى: 711هـ الناشر: دار صادر – بيروت الطبعة: الثالثة 1414 هـ
  8. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان مكتبة وهبة، القاهرة، (ط13)، 1425ه/2004م

[1]  ـ لسام العرب لابن منظور، محمد أحمد بن مكرم، ص13، 21، 22

[2]  ـ ،الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء، لابن الجوزي، عبدالرحمن مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، ط1، 1298هـ، ص46

[3]  ـ الإسلام والأمن الدولي، محمد عبدالله السمان، دار الكتب الحديثة ـ القاهرة، (ط2)، 1380هـ/1960م، ص81

[4]  ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري،، ج6، ص34

[5]  ـ تفسير القرآن العظيم، لابن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت 774هـ)، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، (ط2)، 1420هـ/1999م، ج6، ص246

[6]  ـ القصص القرآني في مفهومه ومنطوقه، الخطيب، عبد الكريم دار المعرفة، بيروت، (ط2)، 1395ه/1975م، ص40. وانظر: القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، مكتبة وهبة، القاهرة، (ط13)، 1425ه/2004م، ص300

[7]  ـ  في ظلال القرآن سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت 1385هـ)، ، دار الشروق – بيروت – القاهـــرة، (ط17)،

1412هـ، ج1، ص2264

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.