منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تنزيه ابن برجان مما نسب إليه من القول بالحلول والاتحاد

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

من أهم المسائل التي شغلت الفكر الكلامي والصوفي قديما وحديثا؛ قضية “الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود”، التي أثارت نقاشا كبيرا بين مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية؛ أثمر مواقف عقدية وعلمية متباينة تراوحت بين القبول والتساهل، أو الرفض والرمي بالكفر والزندقة، وبين من يحاول استحضار النسق والسياق رغبة في فهم أبعاد القضية من جهة وفي تفصيل وتدقيق أبعادها وخلفياتها ومعطياتها الفكرية والمصطلحية من جهة أخرى، دفعا للجور والظلم وتحقيقا للعدل والإنصاف في الحكم على الناس.

ورغم ذلك تبقى تهمة ” القول بالحلول والاتحاد” من أكثر وأخطر التهم التي التصقت بأهل التصوف على مدار التاريخ الإسلامي، وقد نسب القول بهما إلى شخصيات بارزة كابن عربي الحاتمي، وابن سبعين، والحلاج، والبسطامي…وغيرهم كثير. كما نجد من بين أهم الشخصيات التي اتهمت بالحلول والاتحاد في الغرب الإسلامي: الإمام الصوفي المفسر ابن برجان رحمه الله ، حتى أن هذه التهمة كانت سببا من أسباب استقدامه من الأندلس إلى مراكش من أجل محاكمته، إضافة إلى قضايا أخرى متعلقة بالمخاوف السياسية للسلطان من الحركات الصوفية بالأندلس.

ومن بين العلماء الذين نقلوا هذه التهمة في مواطن متعددة من كتبهم نجد ابن تيمية و الإمام البقاعي في كتابه مصرع التصوف، ومستندهم عبارات تناقلها الناس عنه تقليدا، أو نسبة بعض الكتب المتضمنة لشبهة القول بالحلول والاتحاد من دون التأكد  من صحة نسبتها إليه، أو إشارات فهموها على غير مقصود صاحبها، متغافلين في نفس الوقت على نصوص صريحة قطعية تنفي ما أطلقه البعض عنه رحمه الله تعالى، وابن برجان لم يكن عالما عاديا، فقد كانت له مكانة علمية مرموقة جعلت البعض يلقبه “بغزالي الأندلس” .

المزيد من المشاركات
1 من 4

وسيتناول هذا البحث بالدراسة والتحليل دعوى وجود شبهة الحلول والاتحاد في عقيدة ابن برجان رحمه الله، وذلك من خلال دراسة المسألة من زاوية نقدية تناقش خلفيات التهمة وأسبابها، وتحديد مصدرها، مع البحث في نصوصه رحمه الله و تحليلها لمعرفة مدى تطابقها أو تعارضها مع التهمة ولوازمها.

وتتمثل أهمية الموضوع في كونه يشكل بحثا مستقلا حول  هذه القضية، يسعى إلى جمع شتاتها من جميع الجوانب، إذ لا نجد عند من تكلم عن ” تهمة الحلول والاتحاد في كلام ابن برجان “، سوى شذرات يسيرة في خلال ترجمته، وعلى سبيل المثال نجد الدكتور” فالح حسني عبد الكريم” في مقدمة تحقيقه لكتاب ” تنبيه الأفهام” ينفي التهمة من دون استفاضة في ذكر التفاصيل المتعلقة بها ، ولم يعط هذا المبحث الأهمية التي يستحقها بعكس تلك البحوث التي اهتمت بنفي التهمة عن متصوفة آخرين كابن عربي، والحلاج… وحتى إن كان ابن برجان أقل شهرة من هؤلاء عند أهل التصوف، إلا أن كثرة الدراسات مؤخرا عن هذه الشخصية المهمة، أولت هذا البحث أهمية متميزة خصوصا مع صدور التهمة على يد علماء بارزين في الفكر الإسلامي كابن تيمية رحمه الله.

ومن بين البحوث التي درست شخصية ابن برجان رحمه الله على قلتها:

  • منهج الإمام ابن برجان في تفسيره، إعداد فاتح حسني محمود عبد الكريم، ( رسالة دكتواره).
  • ابن برجان الأندلسي وجهوده في التفسير الصوفي وعلم الكلام، بحث نشر في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 23، العدد الأول، 2007.
  • المدخل للمنحى العقدي في تفسير ابن برجان، مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى.

فنظرا لما سبق وكذلك قلة البحوث التي ناقشت هذه الجزئية المرتبطة بالبحث في ما أطلقه ابن تيمية، أو البقاعي في حق ابن برجان، أو ما أطلقه الفقهاء عليه في زمانه، حتى كانت النتيجة أن أمر السلطان برمي جثة الإمام في المزبلة بعد موته رحمه الله بمراكش!!،  فلهذا كله أحببت البحث والتنقيب في تحقيق مدى صحة التهم التي نسبت إليه مع التعريج على بعض القضايا المتعلقة بهذا الموضوع المهم.

ولتحقيق هذه الغاية سنركز على الإجابة على التساؤلات الآتية: ما معنى الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، والفرق بينهما ؟ ؟ وهل حقا ثبت القول بالحلول والاتحاد عند ابن برجان رحمه الله؟ وما هي الأدلة التي تنقض وتبطل هذه التهمة عنه من خلال كتبه رحمه الله؟

أما المنهج المعتمد في بناء مباحث الموضوع فهو المنهج التحليلي الذي يساعد في تحليل الجزئية المختارة، مع التركيز على الأسلوب النقدي بعد جمع المعلومات وملاحظاتها اعتمادا على التحليل والمناقشة.

وهدف البحث هو الكشف عن حقيقة هذا الادعاء وهو نسبة القول ب( الحلول والاتحاد) إلى الإمام ابن برجان رحمه ، وإبراز الأدلة التي تنقض هذه التهمة من خلال نصوصه رحمة الله عليه.

وأما خطة البحث فقد جاءت في مقدمة وثلاثة مباحث وهي:

  • المبحث الأول: التعريف بالإمام ابن برجان.
  • المبحث الثاني:. تحديد الفرق بين الحلول و الاتحاد، ووحدة الوجود.
  • المبحث الثالث: تحقيق دعوى الحلول والاتحاد في كلام ابن برجان.
  • ثم خاتمة.

المبحث الأول: التعريف بالإمام ابن برجان.

في هذا المبحث سأحاول اختصار ترجمة هذا الإمام لكثرة من ترجم له من الباحثين، فهو عبد السلام بن عبد الرحمن المشهور عند العامة بمراكش ب(سيدي أبو الرجال) المحدث العارف المفسر المتكلم، المتوفى في مراكش سنة (536ه) وقد سماه عبد السلام كل من ترجم له.

أولا: اسمه ونسبه:

يقول الإمام الذهبي عنه في (سير أعلام النبلاء: ” الشيخ الإمام العارف القدوة، أبو الحكم، عبد السلام ابن عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن اللخمي، المغربي، الإفريقي، ثم الأندلسي، الإشبيلي، شيخ الصوفية” [1]

ويعرفه ابن خلكان في (وفيات الأعيان) بأنه ” أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان اللخمي، عرف بابن بَرَّجان وكان عبدا صالحا، وأكثر كلامه على طريق أرباب الأحوال والمقامات” [2].

ثانيا: شيوخه وتلاميذه:

لم تحدثنا المراجع عن شيء من شيوخه الذين تلقى عنهم العلم والمعرفة، ولا شك أن رجلا مثل ابن برجان في علمه وفقهه وسعة اطلاعه يحيلنا مباشرة على وجود مشايخ تلقى عنهم، وتكاد المراجع تتفق على تسمية شيخ واحد له وهو أحمد بن محمد بن منظور، «كان من أفاضل الناس، حسن الضبط، جيد التقييد للحديث، كريم النفس خيارا، رحل إلى المشرق ولقي بمكة: أبا ذر عبد بن أحمد وصحبه، وجاور معه مدة، وكتب عنه الجامع الصحيح للبخاري، وغير ما شيء، توفي بإشبيلية سنة (469). “[3]

أما تلاميذه: فيعرف منهم: الإمام الحافظ، أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، الأندلسي، المولود في إشبيلية سنة (514)[4] ، ومن تلاميذه أيضا أبو القاسم القنطري[5]، سمع منه ابن برجان صحيح مسلم، ومن تلاميذه أيضا صالح بن علي بن علي الهمداني[6]، مالقي، أبو الحسن، روى عن أبي بكر بن العربي، وأبي الحسين شريح، وأجاز له من أهل الأندلس: ابن برجان، ومنهم أيضا أبو عبد الله بن خليل القيسي[7].

ثالثا: ثناء العلماء عليه:

أثنى عليه الإمام الذهبي كما ذكرنا في البداية، وقال فيه أبو جعفر أحمد بن الزبير في (صلة الصلة): “من أجل رجال المغرب، إماما في علم الكلام ولغات العرب والأدب، عارفا بالتأويل والتفسير، نحويا بارعا، نقادا ماهرا، إماما في كل ما ذكر، لا يماثل بقرين، مشاركا في علم الحساب والهندسة، أخذ من كل علم بأوفر حظ، مؤثرا لطريقة التصوف وعلم الباطن، متصرفا في ذلك، عارفا بمذاهب الناس، متقيدا في نظره بظواهر الكتاب والسنة، جاريا في تأويل ذلك على طريقة السلف وعلماء المسلمين وما عليه السواد الأعظم، ثم نبذا من وجوه التأويل، وفهم آيات التنزيل، وما يجري مع المعروف ولا ينافر المألوف من غير تعارض ولا مخالفة.”[8]

ووصفه ابن الأبار ب(غزالي الأندلس) وقال فيه وعن ابن العريف: ” كانوا نمطا واحدا في الانتحال وصلاحية الحال”[9]

رابعا: مؤلفاته:

ذكر لابن برجان ثلاثة مصنفات ثابتة وهي:

  • التفسير، وقد طبع مؤخرا تحت عنوان: ( تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم وتعرف الآيات والنبأ العظيم) الطبعة الأولى، دار النور المبين للنشر والتوزيع، 2016، وهي أفضل من طبعة دار الكتب العلمية.
  • شرح أسماء الله الحسنى وقد طبع في مدريد، وهناك طبعة لدار الكتب العلمية، سنة 1971، تقديم الدكتور أحمد شفيق.
  • الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد، هذا الكتاب لا يزال مخطوطا، وقد ذكره ابن برجان في مواطن من تفسيره، ألفه ابن برجان لبيان أن القرآن والسنة لا يتعارضان، يقول أبو جعفر ابن الزبير: ” وألف كتاب الإرشاد قصد بها إلى استخراج أحاديث صحيح مسلم بن الحجاج من كتاب الله تعالى..”[10]

خامسا: عقيدته:

أما عقيدته فهو على نهج الصوفية المتكلمة من أهل السنة، ملتزم بالكتاب والسنة، لم يصرح بأشعريته ولا تجده يذكر ذلك في كتبه، إلا أن تصريحه بنظرية الكسب في الأفعال، وجواز تأويل الآيات المتشابهة مع جواز التفويض، قد يدفعنا الى الجزم بأنه كان أشعريا، وهذا نص يوضح فيه رحمه الله معتقده بشكل مجمل  فيقول: ” “وعلومهم هذه مبنية على قواعد الإيمان العلي، وهو أن الله تعالى هو الأحد الصمد ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى على سواء التوحيد الأعلى، وقواعدهم التي أسسوا عليها أساطيل بنيانهم هي أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، ولا يفوته شيء، ماضي الأمور لديه كمستقبلها، إن شاء ردها فكأنها لم تكن، وإن شاء أمضاها فكأنها لم تزل، وإن شاء أن يصعد ولا يخلو منه السفل، وإن شاء نزل ولا يخلو من العلو، من غير تكييف لصعود ولا نزوله، سوى الإيمان بأن له نزولا وصعودا، وأنه في كل مكان، ومع كل موجود كون مكان ولا معية صحبة ولا حركة ولا انتقال، بل هي صفات له وأوصاف يوصف بها، اتصف بها في وجوده الأزلي، وما هنا من كريم أسماء وأوصاف وصفات موجود عن وجوده خلقا وأمرا مأخوذ مما هنالك وتلك، منزهة عن أوصاف المخلوقين ونعوت المحدثين، وهو الذي لا يتعذر عليه أن يتصف بما شاء، وله المثل الأعلى بكل وجه وبكل معنى، إن شاء تكلم ولا يزداد الكلام بالكلام قدره، وإن شاء لم يتكلم ولا ينقصه ترك الكلام قوة، ولا يعتوره حديث السكوت والكلام، إن شاء أسمع الخلق كلاما بلا إلهام، وإن شاء قوى أبصار العباد على رؤيته”[11]

المبحث الثاني: تحديد الفرق بين الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود.

من المصطلحات الشائعة في كتب الفرق والعقائد عموما مصطلحات:(الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود)، ومن الباحثين من لا يفرق بينها فيطلق الحلول والاتحاد على وجدة الوجود والعكس أيضا، فهل هناك فرق بينها؟ أم أنها ألفاظ تدل على المعنى نفسه(؟

وهذا ما سنجيب عنه من خلال ما يلي:

المطلب الأول: تحديد المصطلحات ( وحدة الوجود- الحلول والاتحاد)

أولا: معنى وحدة الوجود لغة واصطلاحا.

  • من الناحية اللغوية يراد بالوحدة: الانفراد، يقول ابن فارس: ” الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد.. ووحد الشيء: جعله واحدا، والواحد: المنفرد بذاته في عدم المثل والنظير”[12].

والوجود يطلق على الوصف الذي تشترك فيه الكائنات فيميزها عن المعدومات[13].

ومعناه لا يحتاج إلى تعريف لأنه معرف عند عموم الناس.

  • من الناحية الاصطلاحية يمكن القول إنه من الصعب تحديد مفهوم اصطلاحي لوحدة الوجود، لأن تناول المصطلح يختلف بين الفلاسفة والمتصوفة حسب نظرة كل واحد منهم، تبقى المحددات المشتركة بينهم كالعلاقة بين الحق والخلق، والذات الإلهية والأعيان، الله والعالم، عاملا مساعدا لإعطاء تصور عام حول وحدة الوجود، يمكن القول بأنها: ” وجود الكائنات عين وجود الله تعالى، ليس وجودها غيره ولا شيء سواه البتَّة”[14]

ثانيا: معنى الحلول والاتحاد لغة واصطلاحا.

  • من الناحية اللغوية فالحلول: جمع حل وهي من أصل الفعل حل ومنه يحل ويحل حلا وحلولا ومنها حل المكان، حل المكان أي نزل به كاحتله وبه فهو حال. [15]

نقول المحل يعني مجتمع القوم، أو المكان الذي ينزل فيه الناس.[16]

  • من الناحية الاصطلاحية يمكن التعبير عنه بحلول الشيء في الشيء الآخر، وقد قسمه الجرجاني إلى قسمين، يقول رحمه الله: ” -: “الحلول السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد؛ فيُسمى الساري حالاًّ، والمسري فيه محلاًّ.

الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفاً للآخر كحلول الماء في الكوز”[17].

يعني في الاصطلاح العقدي، حلول الله تعالى في مخلوقاته أو في بعضها، كاعتقاد بعض النصارى بحلول الله الذات الإلهية في عيسى عليه السلام، حلول اللاهوت في الناسوت، أو بعض الغلاة الذي عاقبهم سيدنا علي  بن أبي طالب معتقدين بحلول الذات الإلهية في جسده، فالحلول يقتضي بكون الإشارة إلى أحدهما هو إشارة إلى الآخر أيضا.

  • بالنسبة للاتحاد فهو: ” امتزاج الشيئين، واختلاطهما حتى يصيرا شيئاً واحداً”[18]
  • وقد تعددت تعريفات القائلين به واختلفوا في بيان المراد منه، فعرفه محمود أبو الفيض المنوفي فقال:   «شهود الحق من غير حلول أو ملابسة كما يحدث من الأجسام للأجسام»[19]، وهو مفهوم مختلف عما ذكره الجرجاني، حيث جعل الاتحاد امتزاجا يقتضي الملابسة والحلول، وهذا يقتضي تغايرا بينهما، فالاتحاد يتعين فيه إثبات ذات واحدة فقط، خلافا للحلول الذي يقتضي وجود وجودين، يعني أن الحلول يقبل الانفصال، بينما الاتحاد لا يقبله، على العموم تقاسيم الحلول والاتحاد كثيرة تبحث في مظانها عند القوم.

المطلب الثاني: تحديد الفرق بين وحدة الوجود والحلول والاتحاد.

يتبين مما تقدم وجود فوارق واضحة بين المصطلحات التي تم تعريفها، فوحدة الوجود تختلف عن مصطلح الحلول والاتحاد، إذ أن وحدة الوجود تعني نفي التعدد خلافا للحلول والاتحاد التي تقتضي التعدد بعد وجود الحلول أولا والاتحاد والامتزاج ثانيا، كما يعتقد النصارى في عيسى عليه السلام، يقول الإمام الجويني رحمه الله: ” أصل مذهب النصارى أن الاتحاد لم يقع إلا بالمسيح عليه السلام دون غيره من الأنبياء، واختلفت مذاهبهم فيه، فزعم بعضهم أن المعنى به حلول الكلمة جسد المسيح..”[1]، وهو ما يعبرون عنه بحلول اللاهوت بالناسوت، ومع ذلك هناك من جعل وحدة الوجود مطابقة للاتحاد كما عبر القاشاني في تعريفه للاتحاد: ” شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل به موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل (شيء) موجوداً به معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتَّحد به، فإنه محال” [2]، فوحدة الوجود عنده لا تختلف عن الاتحاد، فيحملها على معنى حسن باعتبار أن الموجود يتعلق به الوجود من جهة الحق الخالق الموجد، فكل هذه الموجودات تستمد وجودها من الله تعالى، فهي بمثابة الظلال التي تتعرض للتلاشي والغياب بحضرة الخالق تعالى، لأنه القائم عليها فيتحد به الكل لأن وجودهم يرتبط به تعالى،  فوجودهم ليس ذاتيا، هذا المعنى نفسه ذكره النابلسي رحمه الله مدافعا عن أهل التصوف ممن اتهمهم بالقول بوحدة الوجود على المعنى القبيح المتمثل في كون الموجودات هي الذات الإلهية نفسها، يقول رحمه الله: ” إن من الافتراءات الواضحة البطلان من عوام المؤمنين على الخواص من أهل الله تعالى العارفين بفهمهم من قولهم: أن الله هو الوجود الحق- أن معنى ذلك أن الله هو الموجودات كلها وإقامة النكير عليهم بذلك، وقولهم أيضا بأن الله هو المخلوقات وحاشى لله أن العارفين يقولون بذلك، وإنما دخل الطعن عليهم من عدم فهم القاصرين لكلام العارفين وعدم تمييز الجاهلين بين القول بأن الوجود هو الله ، والقول بأن الموجود هو الله، فظنوا أنه لا فرق عند العارفين بين الوجود والموجود، والفرق واضح لا خفاء فيه: فإن الوجود عند العارفين حقيقة واحدة قديمة والموجودات كلها حقائق كثيرة مختلفة  غير موصوفة بذلك.”[3]

يتبين مما تقدم وجود فوارق واضحة بين المصطلحات التي تم تعريفها، فوحدة الوجود تختلف عن مصطلح الحلول والاتحاد، إذ أن وحدة الوجود تعني نفي التعدد خلافا للحلول والاتحاد التي تقتضي التعدد بعد وجود الحلول أولا والاتحاد والامتزاج ثانيا، كما يعتقد النصارى في عيسى عليه السلام، يقول الإمام الجويني رحمه الله: ” أصل مذهب النصارى أن الاتحاد لم يقع إلا بالمسيح عليه السلام دون غيره من الأنبياء، واختلفت مذاهبهم فيه، فزعم بعضهم أن المعنى به حلول الكلمة جسد المسيح..”[1]، وهو ما يعبرون عنه بحلول اللاهوت بالناسوت، ومع ذلك هناك من جعل وحدة الوجود مطابقة للاتحاد كما عبر القاشاني في تعريفه للاتحاد: ” شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل به موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل (شيء) موجوداً به معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتَّحد به، فإنه محال” [2]، فوحدة الوجود عنده لا تختلف عن الاتحاد، فيحملها على معنى حسن باعتبار أن الموجود يتعلق به الوجود من جهة الحق الخالق الموجد، فكل هذه الموجودات تستمد وجودها من الله تعالى، فهي بمثابة الظلال التي تتعرض للتلاشي والغياب بحضرة الخالق تعالى، لأنه القائم عليها فيتحد به الكل لأن وجودهم يرتبط به تعالى،  فوجودهم ليس ذاتيا، هذا المعنى نفسه ذكره النابلسي رحمه الله مدافعا عن أهل التصوف ممن اتهمهم بالقول بوحدة الوجود على المعنى القبيح المتمثل في كون الموجودات هي الذات الإلهية نفسها، يقول رحمه الله: ” إن من الافتراءات الواضحة البطلان من عوام المؤمنين على الخواص من أهل الله تعالى العارفين بفهمهم من قولهم: أن الله هو الوجود الحق- أن معنى ذلك أن الله هو الموجودات كلها وإقامة النكير عليهم بذلك، وقولهم أيضا بأن الله هو المخلوقات وحاشى لله أن العارفين يقولون بذلك، وإنما دخل الطعن عليهم من عدم فهم القاصرين لكلام العارفين وعدم تمييز الجاهلين بين القول بأن الوجود هو الله ، والقول بأن الموجود هو الله، فظنوا أنه لا فرق عند العارفين بين الوجود والموجود، والفرق واضح لا خفاء فيه: فإن الوجود عند العارفين حقيقة واحدة قديمة والموجودات كلها حقائق كثيرة مختلفة  غير موصوفة بذلك.”[3]

[1]  الجويني: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م)  ص 48

[2]  عبد الرزاق القاشاني، اصطلاحات الصوفية ، دون طبعة،  ( مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980م) ص 24

[3]  النابلسي، كتاب الوجود ومرآة الشهود، نقلا عن كتاب: لعلي فرجالي، التصوف بين مؤيد ومعارض، ( دار الطباعة المحمدية، 1988م) ص 103.

يتبين مما تقدم وجود فوارق واضحة بين المصطلحات التي تم تعريفها، فوحدة الوجود تختلف عن مصطلح الحلول والاتحاد، إذ أن وحدة الوجود تعني نفي التعدد خلافا للحلول والاتحاد التي تقتضي التعدد بعد وجود الحلول أولا والاتحاد والامتزاج ثانيا، كما يعتقد النصارى في عيسى عليه السلام، يقول الإمام الجويني رحمه الله: ” أصل مذهب النصارى أن الاتحاد لم يقع إلا بالمسيح عليه السلام دون غيره من الأنبياء، واختلفت مذاهبهم فيه، فزعم بعضهم أن المعنى به حلول الكلمة جسد المسيح..”[20]، وهو ما يعبرون عنه بحلول اللاهوت بالناسوت، ومع ذلك هناك من جعل وحدة الوجود مطابقة للاتحاد كما عبر القاشاني في تعريفه للاتحاد: ” شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل به موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل (شيء) موجوداً به معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتَّحد به، فإنه محال” [21]، فوحدة الوجود عنده لا تختلف عن الاتحاد، فيحملها على معنى حسن باعتبار أن الموجود يتعلق به الوجود من جهة الحق الخالق الموجد، فكل هذه الموجودات تستمد وجودها من الله تعالى، فهي بمثابة الظلال التي تتعرض للتلاشي والغياب بحضرة الخالق تعالى، لأنه القائم عليها فيتحد به الكل لأن وجودهم يرتبط به تعالى،  فوجودهم ليس ذاتيا، هذا المعنى نفسه ذكره النابلسي رحمه الله مدافعا عن أهل التصوف ممن اتهمهم بالقول بوحدة الوجود على المعنى القبيح المتمثل في كون الموجودات هي الذات الإلهية نفسها، يقول رحمه الله: ” إن من الافتراءات الواضحة البطلان من عوام المؤمنين على الخواص من أهل الله تعالى العارفين بفهمهم من قولهم: أن الله هو الوجود الحق- أن معنى ذلك أن الله هو الموجودات كلها وإقامة النكير عليهم بذلك، وقولهم أيضا بأن الله هو المخلوقات وحاشى لله أن العارفين يقولون بذلك، وإنما دخل الطعن عليهم من عدم فهم القاصرين لكلام العارفين وعدم تمييز الجاهلين بين القول بأن الوجود هو الله ، والقول بأن الموجود هو الله، فظنوا أنه لا فرق عند العارفين بين الوجود والموجود، والفرق واضح لا خفاء فيه: فإن الوجود عند العارفين حقيقة واحدة قديمة والموجودات كلها حقائق كثيرة مختلفة  غير موصوفة بذلك.”[22]

فكل العوالم موجودة بإيجاد الله تعالى لا بنفسها، فوجوده الحق الباقي، ووجود غيره مرتبط به، كما أن تفسير معنى وحدة الوجود على معنى أن الله هو الموجودات ذاتها يعتبر افتراء على عموم السادة الصوفية، لذا ينبغي الرجوع إلى مقاصدهم عند تناول مثل هذه المصطلحات.

وبذلك يمكن أن نخرج بمجموعة من الفوارق المختلفة من خلال التعاريف السابقة نجملها فيما يلي:

  • الحلول يقتضي حلول الشيء في الشيء كحلول الماء في الإناء دون أن يفقد أحدهم هويته فتحل الذات الإلهية في الذات البشرية أو في بعض مخلوقاته، وهذه عقيدة بعض النصارى وبطلانها لا يحتاج إلى بيان.
  • الاتحاد كاتحاد الماء باللبن من خلال امتزاج واختلاط بين الشيئين، فالاتحاد أكثر قربا وتداخلا، وهذا المعنى قبيح جدا، ولا يجوز في حق الله تعالى.
  • هناك من جعل الاتحاد بمعنى وجدة الوجود كما أشرنا من كلام القاشاني، حيث حمل الاتحاد على معاني جيدة، وذلك بالفناء في الذات الإلهية حبا وشوقا مع اعتقاد أن الوجود متعلق به لا بنفس الإنسان، فكل الموجودات مرتبطة بوجود الله تعالى.
  • تبين من خلال كلام النابلسي أن وحدة الوجود عند الصوفية لا يقصد بها حلول الذات الإلهية في المخلوقات، فالوجود الحقيقي متعلق بالله تعالى لأنه صاحب الوجود، بينما وجود غيره ليس ذاتيا.
  • إن الحلول والاتحاد تقتضيان وجود ذاتين، مع امكانية حلول إحداهما في الأخرى أو اتحادها بها، بينما تقتضي وحدة الوجود وجود ذات واحدة، وهذا يحيلنا مباشرة إلى أهمية الرجوع إلى المعنى من هذه المصطلحات في كتب الصوفية قبل أن نطلق حكما جائرا في حقهم، لأن هذه المصطلحات تختلف معانيها حسب عقيدة كل قوم.
  • من وجهة نظري لا ينبغي الخلط بين المصطلحات، فالقائل بوحدة الوجود يرى أن الخالق والمخلوق كليهما مشتركان في صفة الوجود، وأن الوجود واحد مشترك بينهما، والخلاف ليس إلا في العوارض والظواهر، وهذا واضح من كلام النابلسي رحمه الله، أما القائل بالحلول والاتحاد، فهو يرى استقلالًا في الوجود بين الاثنين، إلا أن أحدهما يحلّ في الآخر ويمتزج به، ومن هنا يمكن القول إن ابن عربي وابن سبعين والحلاج وغيرهم من أصحاب وحدة الوجود لا الحلول والاتحاد.

المبحث الثالث: تبرئة ابن برجان من القول بالحلول والاتحاد.

لا بأس أن نبدأ من واقعة وفاة ابن برجان رحمه الله وما حصل له أثناء جنازته، لأن هذه الواقعة تثبت ما ذكره بعض الفقهاء من تهمة الحلول والاتحاد في حقه رحمه الله، حتى وصل الحال أن يأمر السلطان برمي جنازته في المزبلة بعد وفاته، وفي هذا الشأن يحكي ابن الزيات خبر اشخاصه إلى مراكش وما حصل بعد ذلك فيقول:  ” وأرسل السلطان علي بن يوسف بن تاشفين يستدعيه إلى مراكش في نحو 536/1141، ولما أشخصه أبو الحكم ابن برجان من قرطبة إلى حضرة مراكش، سئل عن مسائل عيبت عليه، فأخرجها على ما تحتمله من التأويل، فانفصل عن أكثر من النقد… فأمر السلطان أن يطرح[ ابن برجان] على المزبلة، ولا يصلى عليه، وقلد فيه من تكلم فيه من الفقهاء، فدخل على ابن حرزهم رجل أسود، كان يخدمه ويحضر مجلسه، فأخبر أبا الحسن بما أمر به السلطان في شأن أبي الحكم، فقال له أبو الحسن، إن كنت تبيع نفسك من الله فافعل ما أقول لك، فقال له: مرني بما شئت أفعله، فقال له: تنادي في أسواق مراكش وطرقها، يقول لكم ابن حرزهم: احضروا جنازة الشيخ الفاضل الفقيه الزاهد أبي الحكم بن برجان، ومن قدر على حضورها ولم يحضر فعليه لعنة الله، ففعل ما أمره به، فبلغ ذلك السلطان، فقال من عرف فضله ولم يحضر جنازته فعليه لعنة الله.” [23] الحكاية نفسها ذكرها ابن حجر مع بعض الزيادات من بينها تصريحات ابن برجان نفسه رحمه الله، يقول ابن حجر”: ولما أحضر إلى مراكش قال: والله لا عشت ولا عاش الذي أشخصني بعد موتي. وعقدوا له مجلس مناظرة وأوردوا عليه المسائل التي أنكروها فأجاب وخرجها مخارج محتملة فلم يرضوا منه بذلك لكونهم لم يفهموا مقاصده وقرروا وكذلك السلطان أنه مبتدع…. “[24]

هذه المسألة كانت لها أبعاد أُخَرُ مرتبطة بالجانب السياسي كذلك، نظرا لالتفاف العامة حول المتصوفة، بسبب اهتمام رجال التصوف بمشكلات الفقراء والمساكين، وهذا الأمر أزعج السلطة مما أدى إلى امتحانهم واختبارهم.. ” وازداد إقبال الناس على التصوف وأقطابه، مما أقلق المرابطين، فهب المرابطون للدفاع عن ملكهم بضربات استباقية، للحد من نفوذ الصوفية، فقاموا باستدعاء ابن برجان وابن العريف إلى مراكش للتحقيق، وحرق المرابطون كتب الغزالي، واغتنم الموحدون- الثائرون على المرابطين- هذه الأجواء فربطوا ثورتهم بالغزالي مدعين أن ابن تومرت قد تتلمذ على يد الغزالي.”[25]

يتضح من خلال هذه الأحداث ما يلي:

  • نكاية بعض الفقهاء بالرجل واتهامه بأمور متعلقة بالتصوف، حتى وصل الأمر إلى حد عزم السلطان على رميه على المزبلة، وهذا يحيلنا مباشرة على أهم تهمة لاحقت المتصوفة وهي الحلول والاتحاد، وقد كان السلطان وبعض الفقهاء يمتحنون أهل التصوف في ذلك الوقت وهذا واضح من خلال المسائل التي سئل عنها.
  • اعتقاد عامة الناس صلاح ابن برجان، هذا الصلاح اكتسبه بعلمه وزهده وفضله، مما جعل السلطان يمتنع عن الدخول في صراع مع العامة، وجعله لا يعمل بنصيحة الفقهاء في ذلك الوقت.
  • ارتباط ابن برجان بأحداث سياسية أطلق عليها ثورة المريدين، مما أدى إلى امتحانه من طرف المرابطين.

بناء على ذلك انتقد بعض العلماء ابن برجان في بعض المسائل ، لكن يبقى أهم ما انتقدوه فيه “القول بالحلول والاتحاد”، الغريب أنه لم ينقل أحد منهم من النصوص الصريحة ما يعزز به التهمة، سوى بعض النصوص التي لا تدل صراحة على ما اتهموه به متغافلين أو غافلين عن نصوص أخر صريحة تنفي عنه هذه الفرية بشكل واضح لا يحتاج المرء معها إلى تفكر أو نظر، ومن الذين ذكروا هذه التهمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فرغم مكانته العلمية في تقويم المذاهب والأفكار، فإنه لم يستند في كلامه على نص واحد يعزز رأيه، والغالب أن ابن تيمية رحمه الله لم يقرأ له، وإنما اكتفى بسماع ما أشيع عنه، فنقل ذلك كما فعل غيره، فلما ذكر إنكار بعض العلماء على أبي طالب المكي وما وقع في بعض كلامه من الحلول، أدرج ابن تيمية ابن برجان من غير داع، ناقلا كلام الخطيب البغدادي في إنكار بعض العلماء على أبي طالب رغم أن ابن برجان ولد بعد الخطيب بسنوات، وقد يظن القارئ أن المتكلم بذلك هو الخطيب البغدادي نفسه وليس ابن تيمية ، يقول رحمه الله: ” وكذلك ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه: إن جماعة من العلماء أنكروا بعض ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات، وما وقع في كلام أبي طالب من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ الذين أخذوا عنه: كأبي الحكم ابن برجان ونحوه..”[26]

ومن الذين شنعوا كثيرا على ابن برجان بعبارات قاسية تضمنت التكفير والتشنيع الشديد، برهان الدين البقاعي، حيث نقل دون أن يسند عن عبد الرحمن ابن خلدون ما يلي: ” وقال العلامة قاضي القضاة أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون: إن طريقة المتصوفة منحصر في طريقين: الأولى: وهي طريقة السنة، طريقة سلفهم الجارية على الكتاب والسنة، والاقتداء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين، والطريقة الثانية: وهي مشوبة بالبدع، وهي طريقة قوم من المتأخرين يجعلون الطريقة الأولى وسيلة إلى كشف حجاب الحس؛ لأنها من نتائجها، ومن هؤلاء المتصوفة: ابن عربي، وابن سبعين، وابن برجان، وأتباعهم ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها، مشحونة بصريح الكفر ومستهجن البدع”[27]، هذا النص  لم أعثر عليه فيما بحثت في مؤلفات ابن خلدون، ولعل البقاعي فد عثر عليه في نسخة غير متوفرة،  نعم هناك نص مشابه له دون أن يذكر ابن برجان، حيث قال عن المتصوفة  : ” “توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملأوا الصحف منه، مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره، وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم. وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم، فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم”[28]

الواضح من النص المنقول خطورة ما اتهم به ابن برجان وكيف جعله البقاعي في مصاف ابن عربي وابن سبعين رغم وجود فوارق بينهم، رغم أن ابن عربي قد نفى عن نفسه الحلول والاتحاد في مواطن كثيرة من كتبه، ومن أقواله: ” اعلم أن الله واحد بالإِجماع، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد في شيء” [29]، وقال أيضا: ” من قال بالحلول فهو معلول، فإِن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد إِلا أهل الإِلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول” [30]، وما كان ظاهره الحلول فقد جعله بعضهم مدسوسا عليه كما ذكر الشعراني، والمطلوب حمل المتشابه على المحكم من كلامه، وللقوم مصطلحاتهم تحتاج إلى تفسير انطلاقا من مقاصدهم، يقول السيوطي رحمه الله مدافعا عنهم: ” واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد، إِشارة منهم إِلى حقيقة التوحيد، فإِن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد. والتوحيد معرفة الواحد والأحد، فاشتبه ذلك على من لا يفهم إِشاراتهِم، فحملوه على غير محمله ؛ فغلطوا وهلكوا بذلك.. إِلى أن قال: فإِذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً بإِجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية، وإِنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله ، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في عيسى : اتَّحَد ناسوتُهُ بلاهوتِهِ. وأما مَنْ بالعناية، فإِنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإِن وقع منهم لفظ الاتحاد فإِنما يريدون به محو أنفسهم، وإِثبات الحق سبحانه” [31]، فإذا كان هذا في ابن عربي رغم نصوصه المشتبهة،  فالأمر يسير مع ابن برجان ، الغريب أن البقاعي نسب له كتابا ليس من مؤلفاته، وهو كتاب عين اليقين.

يقول البقاعي: ” وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة وما يوجد من نسخها بأيدي الناس مثل: الفصوص والفتوحات المكية لابن عربي، واليد لابن سبعين، وخلع النعلين لابن قسي، وعين اليقين لابن برجان… فيتعين على ولي الأمر بإحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة، ويتعين على من كانت عنده التمكين منها للإحراق.”[32]

هذا الكتاب الذي نسبه البقاعي للإمام ابن برجان رحمه الله لا يصح نسبته إليه، حيث  ” لم يثبت له مثل هذا الكتاب، ولم يذكر أحد من العلماء ألبتة نسبته لابن برجان، بل إني لم أجد هذا الكتاب أصلا، ولم يذكر ابن برجان هذا الكتاب في تفسيره كعادته في ذكر بقية كتبه… لكن العجيب في الأمر أن الإمام البقاعي في كتابه مصرع التصوف- يذم ابن برجان، في حين أنه قد أكثر النقل عنه في تفسيره بما يزيد على ستين موضعا، ولم يلمح بذم او نقيصة، بل وصفه بالأستاذ. فهل هذا يشكك بنسبة مصرع التصوف للبقاعي، أم أن تأليف أحدهما نسخ الآخر؛ كأن يكون ألف أحدهما أول زمانه والآخر متأخرا؟ “[33]

وعلى العموم فهذه التهمة لا تستند إلى حجج قوية وأدلة واقعية من نصوص ابن برجان، وهذا ما سأوضحه من خلال سرد النصوص الدالة على إنكاره تهمة الحلول والاتحاد، بناء على قاعدة رد المتشابه من أقوال العلماء الى المحكم منها.

فمن بين النصوص القطعية التي ينفي فيها ابن برجان تهمة الحلول بل ويستنكرها استنكارا عظيما، حيث جعل القول بها كفرا، يقول رحمه الله: ” “وقد أوقعت الفتنة بهذه اللطيفة المخلوقة والمحدثة المعمورة المملوكة أقواما بالقول في الحلول، والقول بذلك كفر صراح، كيف تشبه الخليقة الحقيقة، بل كيف يمثل العبد المربوب بربه الخالق العلي الكبير وهو القائل جل قوله{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى:11 “[34]

وهذا النص واضح في نفي الحلول عنه، حيث اعتبر القول به من الكفر فكيف يمكن أن نتصور نسبة الحلول إليه؟!.

وفي إطار تفسيره للحديث الذي يعتبر عمدة أصحاب الحلول والاتحاد، أنكر عليهم جهلهم بالمعنى الصحيح للحديث وتأويله  الشيء الذي أوقعهم في خطأ عظيم،  فيقول رحمه الله: ” هذا كما يقول سبحانه وله الحمد: [ إني لأطلع على قلب عبد فأجد الغالب عليه ذكري إلا كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي الذي يبصر به، ورجله الذي يمشي بها، ويده التي يبطش بها][35]     العبد عبد، والرب هو الرب الحق لا محالة، وقد جهل قوم تأويل هذا حتى وقعوا في العظيمة[36]، فلا وجود للتمازج بين الخالق والمخلوق، فالعبد عبد، والرب رب، كما ظن ووهم غلاة المتصوفة حتى وقعوا في “العظيمة “، وبمثل هذه العبارة قال ابن عربي رحمه الله: ”  فكما لا يكون الرب عبدًا، كذلك لا يكون العبد ربًّا، لأنه لنفسه هو عبد، كما أن الرب لذاته هو رب. فلا يتصف العبد بشيء من صفات الحق بالمعنى الذي اتصف بها الحق، ولا الحق يتصف بما هو حقيقة للعبد” [37]، وهذا أقطع مما نسبه البعض إليه من كلام مؤول أو مدسوس.

ونلمس من ابن برجان هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: :[ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ] البقرة: 203، قال رحمه الله: ” وقد استولى المذكور الحق على الفؤاد فامتلا به، وعلى الجوارح فصرفها إليه، جعله جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه على اشارته وموضع تكليمه ومحادثته، من غير اتحاد ولا حلول، بل قدرة من عزيز حكيم.”

وأغلب الذين يتهمون ابن برجان بالحلول والاتحاد إما أنهم لم يقرأو كتبه، أو أنهم سمعوا نسبة التهمة إليه فقبلوها تقليدا، أو اعتمدوا في ذلك على كتاب لا تصح نسبته إليه، فالقراءة التجزئية السطحية غالبا ما تكون خاطئة، مرة أخرى نجد ابن برجان يبرئ نفسه من هذه التهمة، في إطار شرحه لأحد الأحاديث القدسية يقول رحمه الله:” وتارة يعبر عن هذا التقريب والتخصيص بقوله: { ابن آدم مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعريت فلم تكسني..}[38] واعلم فهمنا الله وإياك عنه أن هذا التقريب ليس بممازجة ولا بحلول، بل هو ما عبر عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { مولى القوم منهم}[39]، ألا ترى أنه متى وصفه بطاعته والإيمان به والرضا عنه أضافه إليه ونسبه إليه بالولاية والحفاوة والتقريب، وإذا وصفه من حيث هو نسبه إلى أصله، وأضافه إلى محتده، كذلك مولى القوم ينصرهم وينصرونه ويحالفهم ويحالفونه” [40]

فإذا كانت هذه النصوص قاطعة في نفي الحلول عنه فما هي النصوص الأخرى التي جعلت ابن تيمية والبقاعي وغيرهم يتهمونه بالحلول والاتحاد؟! وقد أشرنا سابقا إلى تسرع ابن تيمية رحمه الله في الحكم عليه، علما بأنه لم يشر إلى أي نص من نصوصه، فاكتفى بالحكم عليه دون أن يذكر ما يدل من كلامه على ذلك، ويمكن القول  إنهذه التهمة فهمت من عبارات صرح فيها ابن برجان رحمه الله بوجود الله في كل مكان، يقول ابن تيمية: ” والقسم الثالث من يقول: هو فوق العرش وهو في كل مكان ويقول: أنا أقر بهذه النصوص، لا أصرف واحدا منها على ظاهره، وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في المقالات الإسلامية، وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية، ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي وابن برجان وغيرهما، مع ما في كلام أكثرهما من التناقض.” [41]

فهذا التصريح بوجود الله في كل مكان جعلت الكثير يتهمونه بالحلول، غافلين عن نفيه لهذا اللازم في عبارات متعددة، لأن حقيقة الوجود عند الله تختلف عن حقيقة وجود المحدثات، فوجوده لا في حيث، ولا أين، ولا في متى، وعندما يشير إلى لفظ المكان تجده رحمه الله ينفي عن الله تعالى معنى المكان المحدود أو الحيز المادي الجسماني بأبعاده المعروفة، فلا يربط معية الله بالعلم فقط كما هو قول بعض العلماء والمفسرين، فالله تعالى عنده في كل مكان حيث لا مكان، وهذا تصريح منه على نفي المكان المادي المحدث المحدود،  وحتى لا يفهم أحد عنه القول بالحلول تجده ينفي بشكل صريح اللوازم المترتبة عن هذا القول، يقول رحمه الله: ” حقيقية وجوده لا في حيث، ولا في متى، ولا أين، إذ أحكام الخليقة وتوابع الوجود لا تناله، ولا ينبغي لها الوصول إليه بوجه، بل هو الذي حجبها عنه بها وبما شاء من أحكام مشيئته ونعوت تعاليه وشموخ عظمته، له المثل الأعلى في السماوات والأرض فيما سفل وفيما علا، وهو العزيز الذي امتنع عن ما لا يجوز عليه ويستحيل لديه، الحكيم الذي أحكم الموجودات شاهدة له… وهو على ذلك النزيه القدوس عما أوجده في الخليقة، كذلك وجوده العلي، وهو في كل مكان بحيث لا مكان، ومع كل شيء لا صحبة ولا حلول” [42]

فالتعبير عنه سبحانه وتعالى أنه في كل مكان لا يقصد بها الأمكنة الوجودية، فالله منزه عن ذلك، لذلك قال هو في كل مكان بحيث لا مكان، فقد نفى عنه المكان المادي الوجودي، فالله تعالى في كل مكان بحيث لا مكان يحده، وهو مع كل شيء مصداقا لقوله تعالى: ( وهو معكم أينما كنتم)[ الحديد: 4]، وكقوله تعالى: ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق: 16]، فيحمل النص على ظاهره دون تأويل مع نفي اللوازم الفاسدة، لذلك عبر بقوله لا صحبة ولا حلول، ولا اتحاد ولا ممازجة، فهو يؤكد نفي هذه اللوازم حتى لا يدع عليه مدع، أو يتقول عليه متقول، ولا كلام فوق كلامه بعد بيان مقصوده  بنفسه.

وفي نص طويل ممتع يزيل كل هذه الاشكالات المتعلقة بعقيدته وطريقته في فهم هذا الوجود ومصطلحات المكان والزمان، وما يجب في حق الله وما يستحيل، مع نفيه للحلول والممازجة صراحة، يقول رحمه الله محددا معنى المكان : ” أصفق الإجماع على أن المكان محاط، والمحيط به وحاصره هو الله خالقه…  وهو معكم أينما كنتم غير متصل بخلق، ولا مفارق، وغير مماس للكون ولا مباعد، بل منفرد بنفسه، متحد بوصفه، سبحانه وله الحمد، كما أن ليس كمثله شيء فكذلك ليس كوجوده وجود، وليس كشأنه شأن، كان في أزل أزله بأسمائه ووصفه وصفاته، وهو الآن على ما لم يزل عليه”[43] ، ويقول _رحمه الله_ موضحا ومؤكدا هذا المعنى: ” ليس كمثله شيء، فهو مع كل شيء بما هو، ثم هو مع الواحد بما هو، ومع الاثنين بما هما، ومع الجميع بما هم من حيث هم، بمعنى القيام والقيومية والإيجاد كله، هو معهم أينما كانوا بما هو من حيث هو هو، غير مفارق العرش ولا مباعد للمعية بقرب لا أقرب منه حضورا ومشاهدة ومعية بما هو، وهو بعيد عنهم ببعد لا أبعد منه نزاهة وعلاء وقدسا، لا يجوز عليه الحلول في المحال ولا تصرف الزمان ولا حوالة الأحوال، بل لهم المكان والزمان والأحوال، وله العرش مستوى ومكانة وعلوا، ينزل الأمر بالروح يدبر الأمر يفصل الآيات.”[44]، كلامه لا يحتاج إلى توضيح بعد هذا التوضيح، فإثبات المعية من حيث هي ثابتة لا نحتاج معها إلى تأويل، مع تأكيده على نفي المستحيلات في حقه تعالى تنزيها له، ومنها الحلول وتصرف المكان والزمان، بل هو مصرفها وخالقها، فالله سبحانه يتعالى عن قوانين الزمان والمكان، فقد كان سبحانه وتعالى ولا وجود للزمان والمكان، كان الله ولم يكن معه شيء، فمذهبه في الوجود واضح، فكل ما أوجده الله تعالى هو غيره، وما سواه فهو عبد له، ولا يشبهه وجود، ولا يماثله شيء، وهذا رد على من يقول بوحدة الوجود، يقول رحمه الله مبينا هذه النقطة: ” فإذا المعلوم ببداية العقول أن جميع ما أوجده هو سواه، وما هو سواه فهو عبد له، هو القائم به، القيوم عليه بما هو بقاؤه ودوام وجوده، وأنه جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه الآن كما لم يزل بما لم يزل ولا يزال كذلك أمدا وأبدا إلى ما لا نهاية، كما لم يزل من غير بداية.

وهو فيما خلقه بوجود علي لا يشبهه وجود ولا يماثله شيء، ولا يتصوره وهم ولا يكيفه عقل، وهو فيها بأسمائه وصفاته لا يغب عنه شيء، وهو الشهيد القريب، لا يعجزه شيء ولا يتعذر عليه.”[45] ، والتنزيه الذي يعنيه ابن برجان هو تنزيه الله تعالى أن يكون متعينًا بأحد مخلوقاته، مقيدًا به، فيشبه متعينًا آخر، فيلزم الشرك والمماثلة، والله تعالى لا يشبهه في الوجود أحد، فهو صاحب الوجود الحق سبحانه وتعالى.

فهذه النصوص صريحة في نفي الحلول والاتحاد عنه ، أو القول بوحدة الوجود التي لازمت المتصوفة في كثير من الأحيان، وقد يطلقها البعض عليهم دون تمحيص أو دراسة شاملة، فيتوهم وجود الحلول من خلال عبارات متشابهة لا يعني صاحبها ما يفهم القارئ منها، نبه الإمام الغزالي رحمه الله إلى هذا الوهم في مقدمة كتابه المستصفى فيقول رحمه الله: ” ” فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما، وكما أن السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى في المرآة حتى كأنها موجودة في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها، فكذلك الحضرة الإلهية بجملتها يتصور أن تنطبع بها نفس الآدمي، والحضرة الإلهية عبارة عن جملة الموجودات فكلها من الحضرة الإلهية إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله، فإذا انطبعت بها صارت كأنها كل العالم لإحاطتها به تصورا وانطباعا. وعند ذلك ربما ظن من لا يدري الحلول، فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة، وهو غلط لأنها ليست في المرآة ولكن كأنها في المرآة.”[46]، فهم يقصدون الوجود الحقيقي الأزلي الذي لا يبدأ ولا ينتهي، إذ كل الموجودات مستمدة وجودها من الخالق تعالى، فهي موجودة بغيرها لا بذاتها، وهذه الموجودات تمثل الحضرة الإلهية إذ هو موجدها وخالقها، ولم يقصدوا أن الله تعالى هو جنس المخلوقات، فهذا مما لا يتصور، أو أن الله تعالى يحل في مخلوقاته أو في بعضها، فقد تم البيان من خلال كلام ابن برجان ألا وجود لعقيدة الحلول والاتحاد، أو القول بوحدة الوجود ، فقد كان على عقيدة أهل التصوف المعظمين للأثر ومذهب السلف، وكان على عموم نهج السادة الأشعرية في العقائد رغم أنه لم يصرح بأشعريته بوضوح، إلا أن نصوصه في الكسب والأفعال والتأويل تلمح بوضوح إلى منهجه العقدي رحمه الله تعالى.

وإن كان قد تبين لنا مما سبق أنه لا ابن برجان ولا غيره من الصوفية المسلمين دعوا إلى مثل هذه الأفكار الخطيرة، أمكن لنا أن نستنتج مدى ثقل الاتهامات التي كالها ابن تيمية والبقاعي  لابن برجان وغيره من الصوفية الذين تم وصفهم بـ”الاتحاديين الملحدين”، وإن كان ابن تيمية قد ذكر الحلول عن ابن برجان دون أن يصفه بوصف الإلحاد كما فعل مع ابن عربي أو ابن سبعين رحم الله الجميع.

خاتمة:

وختاما نقول إن ابن برجان قد أوضح في كلامه موقفه من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ولم يترك أي مجال للمتهمين له بعدم التفريق بين الخالق والمخلوق، كما نفى عن نفسه الحلول والاتحاد، بل واعتبره عظيمة من العظائم تصل بصاحبها إلى حد الكفر، وساق أدلة عديدة توضح مذهبه بجلاء، وتبين أن فلسفته الصوفية موافقة لما عليه الكتاب والسنة، ولا يليق بعد ذلك أن نردد تهما دون الاطلاع على حقيقتها، والنظر إلى كتبه بإنصاف وموضوعية.

ومن الغرابة أن نغض الطرف عن مجموع نصوصه الواضحة في نفي الحلول، ونتعلق بعد ذلك بنصوص متشابهة، أو نسبة كتاب له دون بينة، لذا لابد من النظر بعين الإنصاف والعدل دون تقليد لمذهب أو شيخ، فما ذهب إليه ابن برجان لا يخرج عن عقيدة أهل الحق من نفي التشبيه والتمثيل وتنزيه الخالق عن المحدثات، وتفرده بالوجود المطلق، حيث لا يشاركه أحد في وجوده سبحانه وتعالى على الحقيقة، لأن الوجود قائم به، فهو واجب الوجود، وغيره ممكن الوجود، والذين يتلقفون الكلمات المتشابهة لاتهام عموم أهل التصوف دون الرجوع إلى مقاصدهم، فلا شك في خطئهم واختلال منهجهم في التعامل مع النصوص، مِن ثَمّ فنحن ملزمون بالعودة إلى مصطلحات القوم وفهمها قبل إصدار الأحكام بالكفر والزندقة…

كان ابن برجان _رحمه الله_ وسيظل من العلماء الكبار الذين أبدعوا في وصف الكلمات وتحرير العقائد مراعيا في ذلك مقاصد الدين، كما أن كثيرا من جوانب حياته تحتاج الى مزيد من الدراسات الجادة للاستفادة من تراثه وعلمه، وهو من العلماء الذين يتميزون بالسهولة في تناول العقائد عامة بعيدا عن القواعد التجريدية التي قد تنحوا إلى التعقيد، فلغته سهلة ميسرة، مختلفة عن صياغات علم الكلام القديم.

 

  • _لائحة المصادر والمراجع.
  • اصطلاحات الصوفية ، عبد الرزاق القاشاني، دون طبعة، ( مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980م)
  • التشوف إلى رجال التصوف، ابن الزيات، الطبعة الثانية، تحقيقأحمد توفيق، ( المغرب: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1984م)
  • التصوف بين مؤيد ومعارض، علي فرجالي، ( دار الطباعة المحمدية، 1988م)
  • الجرجاني ،التعريفات، بدون طبعة، تحقيق: محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، ص 250،  جميل صليبا، المعجم الفلسفي،  دون طبعة، (بيروت: دار الكتاب اللباني، مكتبة المدرسة، 1982م، ) 2/548
  • المقدمة، الطبعة الأولى،( بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 2005م )
  • الحاوي للفتاوى، جلال الدين السيوطي، 2ج، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد اللطيف حسن بن عبد الرحمن، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1421ه/200م)
  • الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري المراكشي، الطبعة الأولى، تحقيق: إحسان عباس، ( تونس: دار الغرب الإسلامي، 2012)
  • الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، ابن بشكوال، الطبعة الثانية، اعتنى به:السيد عزت العطار الحسيني، ( القاهرة: مكتبة الخانجي،1344ه/1955م)
  • الفتوحات المكية، الطبعة الأولى، محي الدين بن عربي،  بتحقيق أحمد شمس الدين،( بيروت:  دار الكتب العلمية، م1999)
  • القاموس المحيط، الفيروزآبادي، بدون طبعة، ( بيروت: دار الكتب العلمية)
  • تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم، وتعرف الآيات والنبأ العظيم، ابن برجان، الطبعة الأولى، 5ج، ( الأردن: دار النور المبين للنشر والتوزيع، 2016)
  • سير أعلام النبلاء، الذهبي، 25ج، الطبعة الثالثة، تحقيق مجموعة من المؤلفين تحت إشراف: شعيب الأرناؤوط ( دار النشر: الرسالة، سنة 1405ه/1985م)
  • شرح أسماء الله الحسنى، ابن برجان، 2ج، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، ( بيروت: دار الكتب العلمية،2010م)
  • صلة الصلة، ابن الزبير الغرناطي، الطبعة الأولى، تحقيق شريف أبو العلي العدوي، ( مصر: مكتبة الثقافة الدينية، 1429ه)
  • عن نظرية الاتصال عند الصوفية، سارة بنت عبد المحسن، ( السعودية: دار المنارة) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، الجويني، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م)
  • لسان العرب، ابن منظور، الطبعة الأولى، السعودية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية .
  • لسان الميزان،10ج، ابن حجر، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة،( دار البشائر الإسلامية، 2002م)
  • مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ، عام 1416هـ)
  • المستصفى، الغزالي، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ – 1993م)
  • مصرع التصوف، أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، برهان الدين البقاعي،  تحقيق عبد الرحمن الوكيل ( بيروت:  دار الكتب العلمية 1400ه/1980م)
  • المعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي، ابن الأبار، الطبعة الأولى، اعتنى به: محمد بن عبد الله بن  أبي بكر القضاعي، ( مصر:  مكتبة الثقافة الدينية، 1420ه/200م)
  • معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر 6/90
  • النشاط الاقتصادي في المغرب في القرن السادس، عز الدين عمر موسى، ( بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2003)
  • وفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق: إحسان قدوس،( بيروت: دار صادر، د.ت)
  • اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، عبد الوهاب الشعراني، دون طبعة، ( بيروت: دار إحياء التراث العربي- مؤسسة التاريخ العربي)

[1]   الذهبي، سير أعلام النبلاء، 25ج، الطبعة الثالثة، تحقيق مجموعة من المؤلفين تحت إشراف: شعيب الأرناؤوط ( دار النشر: الرسالة، سنة 1405ه/1985م)  14/465

[2]   ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان قدوس،( بيروت: دار صادر، د.ت)  4/230

[3]   ابن بشكوال، الصلة في تاريخ أئمة الأندلس، الطبعة الثانية، اعتنى به:السيد عزت العطار الحسيني، ( القاهرة: مكتبة الخانجي،1344ه/1955م)  (ص 518)

[4]  الذهبي، سير أعلام النبلاء، 21/198

[5]  المصدر نفسه ، 20/455

[6]   محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، الطبعة الأولى، تحقيق: إحسان عباس، ( تونس: دار الغرب الإسلامي، 2012)  2/126

[7]  الذهبي، سير أعلام النبلاء، 20/517

[8]  ابن الزبير الغرناطي، صلة الصلة، الطبعة الأولى، تحقيق شريف أبو العلي العدوي، ( مصر: مكتبة الثقافة الدينية، 1429ه) ص 33

[9]  ابن الأبار، المعجم في أصحاب القاضي الإمام أبي علي الصدفي، الطبعة الأولى، اعتنى به: محمد بن عبد الله بن  أبي بكر القضاعي، ( مصر:  مكتبة الثقافة الدينية، 1420ه/200م) ص 16

[10]  ابن الزبير، صلة الصلة، القسم الرابع،  ص 32

[11]  ابن برجان، تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم، وتعرف الآيات والنبأ العظيم، الطبعة الأولى، 5ج، ( الأردن: دار النور المبين للنشر والتوزيع، 2016)  2/ 1139-1140

[12]  ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر 6/90

[13]  انظر مادة وجد: ، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، بدون طبعة، ( بيروت: دار الكتب العلمية) ،(1/334)، وابن منظور، لسان العرب، الطبعة الأولى، السعودية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، (3/445)

[14]   الجرجاني ،التعريفات، بدون طبعة، تحقيق: محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، ص  250،  جميل صليبا، المعجم الفلسفي،  دون طبعة، (بيروت: دار الكتاب اللباني، مكتبة المدرسة، 1982م، ) 2/548

[15]  الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 1/1274

[16]  لسان العرب، مادة (حل)

[17]  الجرجاني، التعريفات، ص 92

[18]  المصدر نفسه ، ص 9

[19]   سارة بنت عبد المحسن، عن نظرية الاتصال عند الصوفية، ( السعودية: دار المنارة) ص 32

[20]  الجويني: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م)  ص 48

[21]  عبد الرزاق القاشاني، اصطلاحات الصوفية ، دون طبعة،  ( مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980م) ص 24

[22]  النابلسي، كتاب الوجود ومرآة الشهود، نقلا عن كتاب: لعلي فرجالي، التصوف بين مؤيد ومعارض، ( دار الطباعة المحمدية، 1988م) ص 103.

[23]  ابن الزيات: التشوف إلى رجال التصوف، الطبعة الثانية، تحقيق أحمد توفيق، ( المغرب: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1984م)  ص 170

[24]  ابن حجر،  لسان الميزان،10ج،  الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة،( دار البشائر الإسلامية، 2002م) ، 4/13

[25]  عز الدين عمر موسى، النشاط الاقتصادي في المغرب في القرن السادس، (  بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2003) ص 85، نقلا عن كتاب تنظيمات الموحدين، ص 35.

[26]  ابن تيمية، مجموع الفتاوى،    تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ، عام 1416هـ)   5/458

[27]  برهان الدين البقاعي، مصرع التصوف، أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل ( بيروت:  دار الكتب العلمية 1400ه/1980م)ص 167.

[28]  ابن خلدون، المقدمة، الجزء 2، الفصل 18، (بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية  2005) ص 167

[29]  ابن عربي،  الفتوحات المكية، نقلا عن  عبد الوهاب الشعراني  ،  اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، دون طبعة، ( بيروت: دار إحياء التراث العربي- مؤسسة التاريخ العربي) ، ج1. ص80.

[30]  المصدر نفسه السابق، ص 81

[31]   جلال الدين السيوطي، الحاوي للفتاوى، 2ج، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد اللطيف حسن بن عبد الرحمن، ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1421ه/200م) 2/134

[32]  البقاعي: مصرع التصوف، 167

[33]  الدكتور فاتح حسن عبد الكريم، مقدمة المحقق، تنبيه الأفهام ص 27

[34]  تنبيه الأفهام، ج2 ص 681

[35]  أخرجه أحمد، (17671)، والحاكم، (245)، وقال:  صحيح على شرط مسلم ولا أعرف له علة، والبيهقي في شعب الإيمان (7216).

[36]   ابن برجان، شرح أسماء الله الحسنى،2ج، الطبعة الأولى،   تحقيق: أحمد فريد المزيدي، ( بيروت: دار الكتب العلمية،2010م)  ص 1/32

[37]  محي الدين بن عربي، الفتوحات المكية،  الطبعة الأولى، بتحقيق أحمد شمس الدين،( بيروت:  دار الكتب العلمية، م1999)، مج 1، الباب 68، ص 553

[38]  أصله في صحيح مسلم بألفاظ مختلفة:  رقم (2569) في البر والصلة، باب فضل عيادة المريض.

[39]  رواه الترمذي رقم (657) في الزكاة، باب في كراهية الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومواليه، وأبو داود رقم (1650) في الزكاة، باب الصدقة على بني هاشم، والنسائي 5 / 107 في الزكاة، باب مولى القوم منهم، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم اسمه أسلم.

[40]  تنبيه الأفهام، ج 3، ص 1265

[41]  ابن تيمية، الفتاوى، 5/229

[42]  تنبيه الأفهام، ج1، ص 153

[43]  تنبيه الأفهام، ج1، ص 104

[44]  المرجع السابق: ج 4 ، ص1954

[45]  تنبيه الأفهام، ج1، ص151-152

[46]  الغزالي، المستصفى، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي ( بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ – 1993م)  ص 23

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.