منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مكانة العقل في القرآن الكريم

اشترك في النشرة البريدية

1) مقدمة:

لا أحد يشكّ في ما للقرآن الكريم من توجيهات سديدة يسديها إلى النّاس أجمعين أبرزها دعوته إلى التفكّر و حسن النظر في ملكوت السماوات و الأرض عن طريق أكبر نعمة خصّ بها الإنسان فاكتملت بها إنسانيّته – ألا و هي نعمة العقل- هذه الملكة التي تميّز بها الإنسان عن بقيّة سائر الكائنات. فكان بذلك إنسانا مكرّما مفضلا على كثير ممّن خلق الله تفضيلا، يصدق عليه قوله تعالى: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”.
فلقد رفع الإسلام من شأن العقل و أوكل إليه المسؤوليّة في كلّ شيء بحيث أعتبره شاهدا و دليلا على كلّ الأفعال و الأقوال الشرعيّة المطالب تنفيذها فهو كما يقول الشاطبي: “مورد التكاليف بحيث إذا فقد ارتفع التكليف رأسا و علم و فاقده كالبهيمة المهملة”
و لقيمته الجليّة و الجليلة اعتنى به القرآن الكريم و أحاطه بمكانة هامّة تتّفق مع أهميّته و مكانته.

2) تعريف العقل:

– لغة: عقل بمعنى أمسك و قيّد فيقال عقلت المرأة شعرها أي أمسكته.
– اصطلاحا: وردت هذه المادّة بصيغ متعدّدة في الماضي و المضارع و بصيغة المفرد و الجمع و بمعاني متعدّدة فقد ورد العقل بمعنى:
* الوعي: كقوله تعالى:” أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ”.
* الفهم: كقوله تعالى: “وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ”.
* الإدراك: كقوله تعالى: ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”.
* الاعتبار: كقوله تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا”.

كقوله تعالى: “فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”
و وردت هذه المادّة بمعاني أخرى كمعني التذكير و الفطنة و الهداية و غيرها.

3) مكانة العقل في القرآن الكريم

أ) أهميّة العقل:

إنّ للعقل كما أومأنا مكانة متميّزة في القرآن الكريم ذلك لأنّه لا فهم لأيّ شيء إلاّ بالعقل- بل لا فهم للقرآن الكريم إطلاقا بمعزل عن العقل فالعقل حضي بمكانة مهمّة في سور القرآن الكريم فتردّد في غالبيتها- و اعتبر القرآن الكون بأسره لغزا، مفتاحه التفكّر و النظر لما أسّس بنيانه على آيات لا يعملها إلاّ أولو الألباب فصرّح تعالى بذلك قائلا: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا”.

ب) لزوميّة إظهار الحجّة المرتكزة على العقل من خلال القرآن الكريم:

من هذا المنطق الذي لاحظناه في باب أهمّية العقل تتأكّد قيمة هذه الملكة التي أوردها القرآن الكريم- ففي معرض مجادلة كلّ من كان في قلبه مرض من المشكّكين و الدّهريّين و أصحاب الفتن و الزيغ و الأهواء فنجد القرآن الكريم يدعوهم إلى إقامة الحجّة و البرهان مع إحاطتهم علما بأن لا حجّة و لا برهان خارج دائرة العقل و أحكامه فيقول تعالى: “هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ” . فالحجّة و البرهان أساس مستند كلّ دعوى- فقد عجز المشركون عن الحوار النزيه المعقول بعد ما استعرض عليهم الرسول صلّى الله عليه و سلّم قصص الأوّلين لغرض الاعتبار و الإنذار زاد في تعجيزهم بقول الله تعالى:” آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ” .
و يعلّق الشيخ: محمد الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير و التّنوير على هذه الآية بقوله: “الاستفهام مستعمل في الإلجاء و إلزام المخاطب بالإقرار بالحقّ و تنبيهه على خطئه و هذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية و العبادة”.
المشركين سببه فقدان البرهان و الحجّة حيث واجههم بهما النبي صلّى الله عليه و سلّم مواصلة لهذه الآية بقول الله تعالى:”أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.”

ج) العقل و التقليد من خلال القرآن الكريم:

المزيد من المشاركات
1 من 18
مقالات أخرى للكاتب

طبعا إنّ من لا يرتكز في حججه على مبدأ العقل و حكمه أصبح كلامه هراء لا يبتّ للفكر بأيّة صلة، بـــل أنّك إذا دعوت أحـــدهم إلى إتّبـــاع منطق الحكمة و العقل أعرض و أنكر و أصرّ علـــى التقليد و الإتباع الأعمى و من هذا المنطق اعتبر القرآن الكريم التقليد قيدا للعقل و عائقا لنشاطه، و سببا في الفتنة و الضلال، فرواسب الجاهلية لمّا ألغاها الرسول عليه السلام من أذهان أهلها إلى التطهّر منها، لأنّ ذلك مدعاة إلى اختراق أحكام العقل و قوانينه، بل إلى دوْس التشريعات السماويّة التي أقيمت ركائزها على مبدإ العقل – فلمّا آمن أهل الجاهليّة بالبحيرة و السّائبة و الوصيلة و الحام، د لّهم عليه السلام إلى إتباع مناطق العقل فأرشدهم إلى ذلك في قوله تعالى: “مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”.
إذا فلا غرابة أن نعت الله سبحانه و تعالى هذا الصنف من البشر بأبشع النعوت فقال في شأنهم :”وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ”
و من هنا ندرك خطورة التقليد و التعصّب إلى إتباع أحكام الظّلال دون الاستشارة بضياء العقل و نوره، و كلّ ذلك سبب في فساد الكثير من المجمّعات التي طغى عليها طابع الجمود و الانحطاط.

د- الظنّ و إخلاله بمبادئ العقل من خلال القرآن الكريم:

هذا و نجد فريقا آخر يكاد يكون شبيها بأصحاب التقليد و المعوّقين لعقولهم و هي الفريق الذي أهمل أصحاب استعمال عقولهم فباؤوا بضلال مبين و لو أنّهم تدبّروا في ما في إهمال استعمال العقل من وعيد ينتظرهم، ما تواصوا لحظة واحدة في تحريك ألبابهم، فعدم استعمال العقل في المسائل الهامّة من حياة الإنسان سبب في دخول الكثير إلى نار جهنّم مصداق قوله تعالى: “وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ” ذلك لأنّ الله تعالى ميّز الإنسان عن البهيمة بالعقل، و في ذلك تشريف و تكريم لخلقته الحسيّة و الروحيّة، غير أنّ هذا الإنسان لم يعتبر بما أنعم الله به عليه، فكان في تفكيره كالنعامة بل أضّل – يدلّنا على ذلك قوله تعالى:” أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا” .
فزاد الله في شدّة قبح وصفهم فصنّفهم إلى أشرار الدّواب على وجه الأرض و نطق بذلك فقال: “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ” وما كان الله ليصفهم بهذا لولا دعوته إلى سلوك مسلك العقل الهادي إلى صراط مستقيم، لذلك فإنّ كلّ من يهمل استعمال عقله كان من أهل من يتّبع الظنّ فيزيغ عن حجج العقل و قوانينه، و لذلك فحسب نودي بالتخلّي عن المسلك و الاهتداء بهداية الفكر حتّى يتجنّب كلّ ما من شأنه أن يكون سببا في تضليل النّاس و إفسادا لمعتقداتهم .
يقول تعالى: “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ”.

هـ – العقل و نواميس الكون من خلال القرآن الكريم:

لا يختلف اثنـــان في مـــا للكون من تماسك و ترابط وطيدين و في ما عليه من إبداع حيّر فيه العقول و الألباب فكان آية بيّنة على وجود مبدع خلقه على هذه الشاكلة. إذ أنّ الإنسان بعد استعمال فكره في مختلف الظواهر الكونيّة توّصل إلى إثبات هذه الحقيقة التي دعا القرآن إلى إثباتها عن طريق ملكة العقل، و الآيات الحاثّة على هذا المجال “فكاد لا” نعدّ، من ذلك قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و في قوله تعالى: “أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ و قوله تعالى: قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ” .
و هكذا فالعقل يحافظ على مكانته التي أرادها الله أن يكون عليها فهي مكانة عظمى تتناسب مع سرّ و عظمة هذه الملكة حتّى قال الشاطبي: ” لو عدم العقل لارتفع التديّن” .

و- الإيمان و العقل من خلال القرآن الكريم:

إنّ من أغلب من لا يستعمل عقله و يتبع هواه لا إيمان له. بمعنى أنّ الدّين عاندوا و جادلوا في إثبات وجود الله و صفاته و بعثة أنبيائه و رسله و غير ذلك من المسائل العقائديّة التي يعرفها كلّ مسلم. إنّما كان مرتكزهم في ذلك على إتباع أوامر نفوسهم المضلّلة و على تركهم و حيادهم عن مبادئ العقل حتّى لقد شبّههم الله تعالى بشرّ الدّواب و عدّهم من أهل الكفر – فخاطبهم قائلا: “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ” فلو أنّهم تفكّروا ما كفروا، لذلك فقد اعتبر الإيمان مقرونا بالعقل، و الكفر مقرونا بالرجس لعدم استعمال العقل، و في هذا يقول تعالى: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ” .

إنّ ما ورد في القرآن الكريم من مكانة عالية للعقل و حثّ على التفكير إنّما هو إعلان عن فضل جدوى هذه الملكة التي لا يستطيع بحال أن يستغني عنها أحد، فهي مصدر كلّ شيء وطريق موصل إلى سبيل النجاة و الهدى.

فهرس المصادر و المراجع

1- القرآن الكريم
-ش-
– الشابي: علي
2- العلم في الإسلام
سلسلة آفاق إسلامية – عدد02
– الشــاطبي: إبراهيم بن موسى
3- الموافقات في أصول الشريعة
دار الكتب العلمية- ط 1- 1425 هـ /2004م

– ع-
– ابن عاشور: محمد الطاهر
4- تفسير التحرير و التنوير
الشركة التونسية للنشر – تونس
– عبد الباقي: محمد فؤاد
5- المعجم المفهرس في ألفاظ القرآن الكريم
دار الكتب المصرية- 1364هـ/ 1944م
-ف-
– ابن فارس: أحمد
6- معجم مقاييس اللّغة
دار الفكر – 1399هـ/1979م
– الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب
7- بصائر ذوي التمييز
المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- ط3- 1416هـ/1996 م

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.