منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التداوي ـ من هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة -2-

يعقوب زروق

اشترك في النشرة البريدية

في المقال السابق من هذه السلسلة رأينا هديه صلى الله عليه وسلم في النظافة وفي الطعام والشراب. ونقف إن شاء الله هنا مع هديه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المرض والمرضى وفي الطب والتداوي. وفيما يلي معالم هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب:

1- إفشاء الأمل:

كان صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه عز وجل رحمة للعالمين، يبشر ولا ينفر، يفشي الأمل في الناس حتى في أصعب الظروف. يرفع معنويات المريض. ولا يخفى على الناس حسب ما يؤكده الأطباء وعلماء النفس ما للحالة المعنوية للمريض من أثر بالغ على صحته. ولذك تجده صلى الله عليه وسلم يخبر وهو الصادق المصدوق أن لكل داء دواء. عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « ما أنزل اللّه داء إلّا أنزل له شفاء».[1]

 2 – ربط المرض بالأجر والطهارة:

تجلت رحمته أيضا في أنه صلى الله عليه وسلم غير نظرة الناس للمرض بأنه نقمة، إلى أنه نعمة. وجعله للمؤمن من علامات حب الله له. فعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:« من يرد اللّه به خيرا يصب منه »[2].

المزيد من المشاركات
1 من 43

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم وهو أحب الخلق إلى الله يوعك وعكا شديدا. فعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: « ما رأيت أحدا أشدّ عليه الوجع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم»[3].

وبلغ من تأكيده على هذا المعنى أنه رفض الزواج من امرأة عندما أُخبر أنها لم تمرض قط. فعن أنس بن مالك: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم: « فقالت: يا رسول الله! ابنة لي كذا وكذا – ذكرت من حسنها وجمالها – فآثرتك بها. فقال: « قد قبلتها »، فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تشتك شيئا قط، قال: « لا حاجة لي في ابنتك [4]«.

وذكر صلى الله عليه وسلم أن المرض هو طهارة. عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على رجل يعوده، فقال:« لا بأس طهور إن شاء اللّه »[5].

ولنترك كلمة ” طهور” على عمومها. ليكون المرض طهارة من الذنوب، وطهارة للنفس، يزكيها ويهذب أخلاقها، وطهارة للبدن….

3 – عيادة المريض:

من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض. وقد ورد في الحث عليها أحاديث كثيرة. منها ما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني ».[6]

عيادة المريض فيها خير كثير، ترفع معنوياته، وتشعره باهتمام الزائر له، فتتوطد عرى المحبة بين المسلمين. وتواسي أهل المريض…

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

خيرها لا يخص المريض وحده ولا المسلمين وحدهم. فقد عقد البخاري في جامعه الصحيح أبوابا كثيرة في عيادة المريض منها: باب عيادة المغمى عليه – باب عيادة الصّبيان – باب عيادة الأعراب – باب عيادة المشرك. وقد كان غرضه رحمه الله من هذا، التنبيه إلى أن:

  • عيادة المريض ليست حقا للمسم وحده.( عيادة المشرك)
  • عيادة المريض ليست مرتبطة بالمستوى الاجتماعي للمريض.( عيادة الأعراب)
  • عيادة المريض ليس المقصود بها المريض وحده.( عيادة المغمى عليه)

ولعيادة المريض آدابا لا بد من مراعاتها. بعضها في هذه المقالة.

4 – الدعاء للمريض ومنه:

من هديه صلى الله عليه وسلم الدعاء للمريض. فعن السّائب يقول:« ذهبت بي خالتي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابن أختي وجع. فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة »[7].

ومن الأدعية المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم ما روته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أتى مريضا أو أتي به قال: « أذهب الباس ربّ النّاس، اشف وأنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما»”[8]

ومن المأثور عنه صلى الله عليه وسلم الاستشفاء بالقرآن الكريم. عن عائشة رضي اللّه عنها، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينفث على نفسه في المرض الّذي مات فيه بالمعوّذات، فلمّا ثقل، كنت أنفث عليه بهنّ، وأمسح بيد نفسه لبركتها.[9]

5 – وصف بعض العلاجات النافعة:

وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض العلاجات النافعة على وجه العموم من ذلك:

  • العسل: عن أبي سعيد، أنّ رجلا أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: أخي يشتكي بطنه. فقال: « اسقه عسلا ». ثمّ أتى الثّانية، فقال: « اسقه عسلا ». ثمّ أتاه، فقال: قد فعلت. فقال: « صدق اللّه وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا ». فسقاه فبرأ.[10]
  • الحجامة: عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: « الشّفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار، وأنهى أمّتي عن الكيّ »[11]

الحبة السوداء: عن خالد بن سعد، قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر، فمرض في الطّريق، فقدمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق، فقال لنا: عليكم بهذه الحبيبة السّوداء، فخذوا منها خمسا أو سبعا، فاسحقوها ثمّ اقطروها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب، وفي هذا الجانب ؛ فإنّ عائشة حدّثتني أنّها سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: « إنّ هذه الحبّة السّوداء شفاء من كلّ داء، إلّا من السّام ». قلت: وما السّام ؟ قال: « الموت »[12].

  • التلبينة: عن عروة، عن عائشة رضي اللّه عنها، أنّها كانت تأمر بالتّلبين للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: « إنّ التّلبينة تجمّ فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن »[13].
  • العود الهندي: عن أمّ قيس بنت محصن قالت: سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: « عليكم بهذا العود الهنديّ ؛ فإنّ فيه سبعة أشفية، يستعط به من العذرة، ويلدّ به من ذات الجنب [14]« ( العذرة: وجع وورم في الحلق.- ذات الجنب هي: رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع فتحدث وجعا. – يستعط له: يدخل في الأنف )
  • الكمأة: عن سعيد بن زيد قال: سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: « الكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين»[15]
  • الماء: عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء ».[16]

6 – الإرشاد إلى الطبيب والحث على التداوي:

لا ينبغي أن يفهم من الفقرة السابقة أنه صلى الله عليه وسلم كان طبيبا للأمراض، أو أنه حصر الأدوية فيما سبق، أو أنه وصف أدوية كل الأدواء. هذا ما يبينه تأكيده على التداوي وأمره به. والأمر على الوجوب كما هو معلوم عند الأصوليين، مالم تأت القرينة التي تصرفه عن الوجوب إلى النذب. عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تداووا عباد اللّه، فإنّ اللّه لم يضع داء إلّا وضع معه شفاء إلّا الهرم»[17]

وقد كان صلى الله عليه وسلم هو نفسه يوجه أصحابه إلى الأطباء أولي الخبرة فعن جابر، قال: « بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أبيّ بن كعب طبيبا، فقطع منه عرقا، ثمّ كواه عليه»[18]

7 – توجيه المريض إلى العناية بطعامه وشرابه:

في هذا الحديث الذي ترويه هذه الصحابية نهى عليا عليه السلام عن طعام وأرشده لآخر، ما دام ناقها لم يتعاف بعد. عن أمّ المنذر بنت قيس الأنصاريّة قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه عليّ عليه السّلام، وعليّ ناقه، ولنا دوالي معلّقة، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل منها، وقام عليّ ليأكل، فطفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لعليّ: « مه ؛ إنّك ناقه ». حتّى كفّ عليّ عليه السّلام. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « يا عليّ، أصب من هذا فهو أنفع لك [19]«.


 

الهوامش:

[1] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب: ما أنزل اللّه داء إلّا أنزل له شفاء.5678

[2] – صحيح البخاري – كتاب المرضى – باب ما جاء في كفّارة المرض. 5645

[3] – صحيح البخاري – كتاب المرضى – باب شدّة المرض. 5646

[4] – مسند الإمام أحمد بن حنبل – مسانيد المكثرين – مسند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه

[5] – صحيح البخاري – كتاب المرضى – باب ما يقال للمريض وما يجيب. 5662

[6] – صحيح البخاري – كتاب المرضى – باب وجوب عيادة المريض. 5649

[7] – كتاب المرضى – باب من ذهب بالصّبيّ المريض ليدعى له.5670

[8] – صحيح البخاري – المرضى – باب دعاء العائد للمريض. 5675

[9] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب الرّقى بالقرآن والمعوّذات. 5735

[10] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب الدّواء بالعسل، وقول اللّه تعالى: فيه شفاء للنّاس. 5684

[11] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب الشّفاء في ثلاث. 5680

[12] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب الحبّة السّوداء.5687

[13] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب التّلبينة للمريض. 5689

[14] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب السّعوط بالقسط الهنديّ والبحريّ. 5692

[15] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب: المنّ شفاء للعين. 5708

[16] – صحيح البخاري – كتاب الطّبّ. – باب: الحمّى من فيح جهنّم

[17] – رواه ابن ماجة وأحمد

[18] – صحيح مسلم – كتاب: السّلام. – باب: لكلّ داء دواء واستحباب التّداوي 2207

[19] – سنن أبي داود | كتاب: الطّبّ – باب: في الحمية 3856

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.