منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإعلام في الوطن العربي: الراهن والمأمول

ذ. لحسن ملواني/المغرب

0
اشترك في النشرة البريدية

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

ملخص:

الحديث عن الإعلام في الوطن العربي يكتسي أهمية كبيرة باعتبار ريادته في التغيير والتوجيه وباعتباره الشريان الواصل بين القادة والجمهور بين الموجهين والموجهين بين المبدع وجمهوره … وليس غريبا أن يحتل رتبة السلطة الرابعة لمكانته في بناء وتحقيق فحوى استراتيجيات البلدان في جميع مجالات الحياة، والحديث عن هذا الإعلام في الوطن العربي حديث تمليه خطورة إهمال مقوماته وآلياته و وثوقية محتوياته . فنحن في عصر التكنولوجيا المتطورة بكل أنواعها مما جعل الإعلام يمد بأصابعه ليؤثر في كل شيء، ولذا ينبغي التفكير العميق في جعل هذا الإعلام في مستوى التحديات والمستجدات المتلاحقة. وقد عالج هذا البحث العناصر الآتية : الإعلام وسلطته عبر العصور، ثم الإعلام في الوطن العربي :العراقيل والتحديات، وأخيرا،  من أجل إعلام في المستوى المطلوب.

كلمات مفتاحية: الإعلام، الجمهور، التوجيه، السلطة، الوطن العربي.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

المزيد من المشاركات
1 من 32

Abstract:

Talking about media in the Arab world is very important considering its leadership in change and direction and as the link between leaders and audiences, between mentors and mentees, between the creators and their audiences …. It is not strange that it ranks the fourth authority for its position in building and achieving the content of countries’ strategies in all areas of life, and talking about this media in the Arab world is dictated by the danger of neglecting its components, mechanisms, and reliability of its contents.

We are in the era of advanced technology of all kinds, which made the media broaden its effects to influence everything. Therefore, deep thought should be given to making it at the level of challenges and successive developments. We have made our article organized according to the following elements: (1) A brief introduction, (2) media and its authority through the ages, and (3) Media in the Arab World: Obstacles and Challenges, and finally, (4) for media at the requisite level.

Keywords:  media, authority, influence, Arab world, change, audience, direction.

 

مقدمة:

موضوع الإعلام في العالم يكتسي أهمية كبيرة باعتبار سلطويته وباعتباره الشريان الواصل بين القادة والجمهور بين الموَجِّهين والمُوجَّهين بين المبدع وجمهوره… وليس غريبا أن يحتل رتبة السلطة الرابعة لمكانته في بناء وتحقيق فحوى استراتيجيات البلدان في جميع مجالات الحياة، والحديث عن الإعلام في الوطن العربي حديث تمليه خطورة إهمال مقوماته وآلياته ووثوقية محتوياته.

إننا في عصر الإعلام كسلطة سائدة مهيمنة بناء على التقدم الذي حصل في مجال الوسائط فـ ” ما يميز عالمنا عن تلك العوالم التي سبقته هو تلك “الثورة” التي حدثت في مجال الاتصالات والمعلومات والوسائط، حتى أصبح الكثيرون، وهم محقون في ذلك، يختزلون كل التقدم الذي انجزه العالم المعاصر في النقلة في تكنلوجيا الاتصالات والوسائط[1]، والتطور الهائل الحاصل على هذه الوسائط حول الإعلام فجعله بمثابة الهواء الذي يدخل كل مكان بيسر وبسرعة. وانطلاقا من ذلك صار مناط التوجيه الاجتماعي والتربوي وغيرهما، وقوته تحيل على قوة الممسك بزمامه بحيث يكون له السبق والزعامة في بث ما في صالحه وما يخدم أهدافه.

المبحث الأول: الإعلام وسلطته على مر العصور

للإعلام بوسائله المتعددة تأثير بالغ الأهمية على الناس وما يحملونه من أفكار وتوجهات، و يكفيه أهمية كونه المحرك والمنخرط الأساسي في القضايا الاجتماعية والسياسية وغيرها مما له علاقة بالفرد والمجتمع من مشاكل وقضايا وحلول ومحاذير، وكل هذا يجعله وسيلة ينبغي أن تكون في قلب أعمال وسياسات الدول باعتباره المؤثر القوي دعائيا وتوجيها للعقول والأفكار، والذي ينبغي أن يعتمد عاملا أساسيا للنهوض بعقلية المجتمع لتمدينها على ضوء الإسلام والهوية والقيم النبيلة الخالدة مما يحقق آمال الشعوب ويلبي حاجاتها الثقافية والفكرية والتربوية. وكل كل السياسات والدعوات الدينية وغيرها كان الإعلام جسرها وقناتها الرئيسة في النشر والإقناع والاستقطاب، لذا اهتمت به الدول والمؤسسات اهتماما بالغا يفضي إلى تحقيق المرامي بتأثيره الفعال على النفوس والقلوب.

وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم ما استطاع من وسائل الإعلام والاتصال لنشر دعوته، فاستخدم الوفود واستخدم الرسائل، وكان اختياره في ذلك دقيقا توخيا منه صلى الله عليه وسلم إيصال ما يريده إلى مقاصده. فكان يختار الشجاع الفصيح الذكي ويجعله المتحدث باسم الإسلام والمسلمين على قلتهم آنذاك. “لقد أصبحت وسائل الإعلام تتمتع بمجال واسع للسلطة. ولا يمكن إلا أن نشير هنا إلى المونوبول الممارس على الوسائل السمعية والبصرية كالتلفزيون والإذاعة.  محمد شقرون، الآلات الحديثة للسلطة وإعادة هيكلة الدولة في المجتمعات العربية المعاصرة، الوحدة[2].

لذا فالإعلام له وزن معتبر في التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي والتربوي في كل البلدان. والإشكال القائم أن نفس الإعلام الذي يمكن أن يفيد ويطور، ويدفع نحو الإيجابي والجميل، يمكن أن يكون حجرة عثرة أمام إنجازات بإمكانها تحقيق آمال الجماهير وتلبي الكثير من حاجاتهم. و”شكل التعَالُق بين ثورة الاتصال وثروته (المال) مبعث قلق دائم بالنسبة للحكومات، كما هو مبعث قلق بالنسبة إلى الحالمين بالثروات، وهو قلق امتد ليشمل فئة المتفائلين بزمن العولمة. ولنا في الحرب الشرسة بين شركة ” ميكروسوفت “وباقي الشركات المعلوماتية الأخرى خير الأدلة على موجة النَّهم المسيطر داخل الإمبراطوريات المعلوماتية المعروفة. إن ما يصح لنا الاحتفاظ به هو أن موجة الاكتشافات والاختراعات المرتبطة بالفضاء وتطور صناعة الألياف البصرية، وتوجيه الليزر، والربط بين الصوت والصورة، انتهاء بالإبداع المؤثر للإنترنيت، كلها قفزات مكنت من تأثير في حياة إنسان نهاية اقرن العشين عبر مستويات ثلاثة:

1- نقل الأخبار وسرعة نشرها ارتباطا بممارسة الديمقراطية.

2- نقل إيديولوجيات متعددة عبر تعدد وسائطي: جريدة، تلفزة، سينما…

3- نقل الزمن الفارغ خارج أوقات العمل إلى زمن منظم يركب بين الترفيه والتثقيف من خلال تنظيم “الوقت الحر.”[3]. والإعلام اعتمادا على وسائل الاتصال الحديثة ملفوف، شكلا ومضمونا، بإيديولوجيا “تواصلية ” لا تتوقف عند حضور التواصل أو غيابه بين أطراف العملية الاتصالية، إلا أن له مزايا أساسية تعبر عن روح العصر وأهم هذه المزايا:

      سرعة الإنجاز التقني للفعل الاتصالي.

      سرعة تتابع مراحل الاتصال.

      إدماج عناصر الترفيه والفجة والتشويق.

      التركيز على الصورة في المجال الاتصالي.

      اختزال الاتصال عن بعد [المكان] في الاتصال الوجيز [الزمن][4].

هذه المزايا المرتبطة بتطور وسائل الإعلام والاتصال تجعله يتبوأ مكانة مرموقة في علاقته بالتوجيه والتطوير وبناء المخططات والاستراتيجيات من أجل التقدم و الازدهار و الوقاية من المخاطر والاضطرابات التي قد تنشأ بتراكب أسبابها وعواملها، ومن هنا يفرض الإعلام نفسه بحدة في كل مجالات الحياة: الاقتصاد، التربية، السياسة… كل هذا يستوجب إيلاء الإعلام أهمية قصوى من حيث دراسات تأثيراته، وقضاياه ومقتضياته، وأبعاده في الحياة الاجتماعية والإنسانية بكل جوانبها مع استبعاد نمط ثقافة “التبعية التي تكرس التقليد للثقافة الغربية بشقيها الفرونكفوني والانجلوأمريكي. ويشيع هذا النمط ويتكرس من خلال وسائل الإعلام العربية والأجنبية حيث يسود بين النخب السياسية والثقافية في العالم العربي”[5].

المبحث الثاني: الإعلام في الوطن العربي: العراقيل والتحديات

في كل البلدان العربية على غرار غيرها، تطور الإعلام بكل وسائله موازاة مع التطورات السوسيو ثقافية وغيرها، وأعتقد أن المُطور الأساسي للإعلام هو حسن الإصغاء للنقد الموجه إليه، اعتبارا من كون هذا النقد بكل حيثياته هو الكفيل برسم الطريق الصحيح لخطى نجاحه وبلوغه المرامي المتوخاة منه. ونعتبر انتشار الحراك النقدي المؤسَّس على حُسن النوايا والموضوعية وبعد النظر، ظاهرة صحية بإمكانها الدفع بالعمل الإعلامي نحو المتانة والقوة والجودة المأمولة. وقد انخرط الإعلام انخراطا بارزا في جبهة الصراع بين مؤيد ومعارض لنيران الربيع العربي خوفا من التأثير السلبي على وحدة الشعوب مع الحفاظ على تلاحمها بعيدا عن العنف الذي لن يفضي إلا إلى مزيد من الانحطاط والتخريب، وقد حدث ذلك فعلا في بعض الدول مما جعل هذا الربيع اسما على غير مسمى، فما تزال الشعوب تتأذى بنتائجه التي لم تحقق سوى التفتيت واستمرار الصراعات الجانبية التي لا يؤيدها المنطق ارتباطا بالوطنية واحترام الحقوق. لقد تناسلت القنوات تناسلا يتجدد بين الشهر والشهر وكل قناة تتغنى بليلاها، وكل قناة تحاول السطو على العقول مما خلق بينها صراعات كثيرة تجعل المتلقي حائرا بين حقائق تثبتها قناة وتنتقدها قناة أخرى، فصار الإعلام مشتتا ومشتتا لأذهان وثقة الجمهور في الوقت الذي كان من المنتظر أن يوحد الخطاب من أجل مصلحة الشعوب بعيدا عن الأنانيات والمصالح الفئوية الضيقة والمؤقتة.

ولعل وسائل الإعلام بتطورها وآنية التوصيل للخطابات عبرها صيرت الشعوب قطعانا مبلبلة التفكير والاختيار بين إعلام غير متجانس تتوزعه خطابات مختلفة متناقضة تحتاج إلى أدنى مستوى تواؤمي يعيد بعض الثقة إلى النفوس.

وإذا كان من المنطقي والمعقول أن يكون العصر الحالي خيرا من العصور السابقة على جميع الأصعدة فإنه للأسف نجد الإعلام العربي الذي كان وحدويا يتحدث باسم كل الشعوب في الوطن العربي الكبير فقد صار اليوم بوقا ينفخ في نار الفرقة والطعون بين المواطنين في البلد الواحد وبين مواطني بلدان وأخرى من الدول العربية وذلك تبعا لما تبثه الأنانيات التي تفكر في المصالح الشخصية فحسب بعيدا عن عوامل التواؤم والانسجام الذي تفرضه عوامل الوحدة الثقافية واللغوية والدينية…

بهذه الصفة صار الإعلام حربا بدل أن يعمل على السلام، ودافعا إلى الصراع بدل الأخوة، وعاملا في تبادل الاتهامات بدل النقد البناء المفضي إلى الصواب الذي سيفيد الكل.

والمعضلة الكبرى أن الإعلام اليوم لم يعد إعلام النخبة من حيث الإرسال بل يشارك صار إعلاما يشارك في بثه فيه الكل، هذا الكل الذي يمكن اعتباره امتدادا للإعلام السابق بكل معطياته ونشير إلى أن “هناك من يتعمد الفوضى بجمع كل هذا الكم الهائل من المعلومات المتاحة، الأصيلة منها والهامشية، المفيدة وغير المفيدة، العامة والخاصة(…)وكلما زادت الإثارة زاد معها التشجيع والتصفيق، وكلما انتشر الخبر الكاذب أكثر وأكثر، بات أقرب إلى التصديق[6].

إن هذا التدني الذي قد يلاحظ أحيانا على المستوى الإعلامي العربي مرده عدم التكوين المتين الذي يمكن الإعلاميين من القدرة على مواجهة التحديات المتوالية والمتجددة بتجدد الأيام تحديات مرتبطة بالمستجدات التي فرضها التطور وفرضتها العولمة في علاقتها بالإعلام بالدرجة الأولى، فلابد من الوعي العميق بحاجيات الشعوب في جميع المجالات، فمع ازدياد الفضائيات يظل المتلقي مشدودا إلى الفضائيات ذات الجودة الإخراجية والجمالية والحرفية إلقاء وتقديما بغض الطرف عن جدوى وخطورة فحوى الخطابات التي تستهدف ترويجها..

وفي الوقت الذي ينتظر فيه المتلقي ما يغني تفكيره ويطور قدراته من أجل تجاوز العقبات التي تقحمه في الجهل والخرافة نجد الكثير من القنوات تعمل بكل جهودها من أجل ترسيخ ملا لا ينبغي أن يرسخ وتلقين ما يجب استبعاده ونبده في المجتمع، الإعلام الموضوعي ينبغي أن يكون ناطقا بما يفيد الجميع لكون المصلحة ينبغي أن تكون جماعية في مجتمع ديمقراطي يسعى لتحقيق التمتع بالحقوق مع أداء الواجبات.

ولا بد من تحري الموضوعية في الإشارة إلى إعلاميين لهم من القدرات والمهارات والمؤهلات الشيء الكثير ولكن الظروف السياسية وغيرها تحد من الاستفادة الإعلامية من كفاءاتهم ليصير تأثيرهم على المجتمعات ضئيلا، وبذلك يرزح الإعلام في بؤرة ضيقة بلا مفعول ملموس. ويبدو الإعلام المرئي ذا منصب الزعامة مقارنة بالإذاعة والصحف والمجلات…على أن الكثير مما يبث عبر الفضائيات المتعددة قد لا يرقى إلى المأمول رغم أنه حقق طفرة لا بأس بها من خلال التفاعل المباشر مع الجمهور عبر الفضاءات العمومية كخطة للجذب والاستمالة إلى استهلاك الفقرات والبرامج الإعلامية بشكل مكثف.

الإعلام الموضوعي ينبغي أن يتجاوز الحديث باسم المذاهب والطوائف والأحلاف في عصر تتكتل فيه الدول الغربية ضمن اتحادات اقتصادية وعلمية بغية تحقيق قوة قادرة على مواجهة الكثير من التحديات…صارت قنوات إعلامية منابر لإذكاء النعرات والمصالح الضيقة مما يزيد في تفاقم المعضلات والعراقيل التي تقف دون التقدم بالمجتمع نحو المرجو والمبتغى.

الإعلام العربي اليوم عليه تحديد ذاته المتجانسة من حيث توحيد النظرة الموضوعية نحو الشؤون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتربوية من أجل ضخ دماء الوحدة والتقدم بين المواطنين والمواطنات بشكل وحدوي مبني على التضامن والتآزر والتسامح. وفي هذا الإطار لابد من لفت الأنظار والاهتمام إلى اللغة العربية الفصحى التي صارت تتضايق من قبل اللهجات التي صارت تكتسح الإذاعات والفضائيات بشكل ملفت ومؤسف، وعلى المثقفين العرب اليوم، وكل الغيورين على بقاء اللغة العربية صفية متجددة مواكبة لمستجدات العصر بكل حيثياتها مسؤولية الإرشاد والتوجيه والتحذير من كل ما من شأنه أن يعمق الهوة بين العربية ومتكلميها باعتبارها لغة تراث ودين وثقافة وعلوم و” إن النمو الكاسح لوسائل الإعلام، وخاصة التليفزيون، ولوسائل الاتصال وخاصة الـــــــــــهاتف، بأشكاله الجديدة، والانترنيت هو نمو ليس بإمكانه أن يُبقي المثقف في موقع اللامبالاة وعدم الاهتمام، لأنه نمو يرقى في تسميته وواقعه إلى مستوى الثورة التي تنعت اليوم بـ ” ثورة الإعلام والاتصال ” أو ” ثورة المعلومات”[7].

في الوطن العربي شهد الإعلام معاناة تتقاطع مع عدة مشاكل ورهانات تسعى لتحقيقها ضمانا لحرية الرأي والصفاء الإعلامي الذي لا يمكن للنهوض بالأمة بعيدا عنه، فالمضايقات المتقطعة والمتواصلة أحيانا على الأقلام الصحفية بذريعة أو بأخرى أمر يستدعي معالجته معالجة نهائية وفق قوانين مضبوطة تنظم الحقل الصحفي تنظيما يخرجه من الملابسات والملاحقات المثيرة للجدل في الداخل والخارج. والحال أن الإعلام المغربي والعربي بصفة عامة قد يكون مرتبطا بخطط واستراتيجيات ورؤى سياسية تتماشى وأهداف فئوية قد تكون ضيقة في أغلب الأحيان، والإعلام كجسر تمر من خلاله الأفكار والنوايا والمرامي…يحاول الماسكون بزمامه من أفراد ومؤسسات وأحزاب…أن يقدموه وسيلة يجعل ما يُبَثُّ من خلاله يكتسب شرعيته ومصداقيته، وإذا كان الإعلام ضمن نسج وبناء استراتيجيات الدولة فعليها أن توليه العناية الفائقة التي تجعله يستجيب لطموحات وأماني المواطنين.

إن الإعلام باعتباره الجهاز الفاضح لكل ما يعتمل في المجتمع، سيواجَه حتما من هذا الطرف أو ذاك، فالحفاظ على المصالح يقتضي الدفاع عنها بكل الوسائل، لذا فإن النزاهة والعدل هما المحَكَّان الفاعلان في إرساء القوانين ورسم القنوات “الشرعية” للعمل الإعلامي بالصيغة التي تسمح للناس والعاملين في المجال الإعلامي بدون تخويفات غير مضبوطة…فكل الانتقادات محبذة باعتبارها الخطوة الأولى نحو الإصلاحات، ولكنها في ذات الوقت ينبغي أن تستند إلى آليات مضبوطة محددة مقننة ضمن قانون الصحافة. وبذلك نمكن العاملين بالصحافة والإعلام بشكل عام من التمتع بحق الفضح وحق تسهيل الوصول إلى المعلومة ومصدر ما يبث إلى الناس من أخبار وتحقيقات وما إلى ذلك… ولا يمكن الرفع من قيمة الإعلام والصحافة في المغرب وفي جميع البلدان سوى بالتعاون والتآزر بين فعاليات المشتغلين بالإطار الإعلامي من أجل خلق آليات تحمي إطارهم العملي محققين بذلك ضمانات تحمي الجسم الصحفي والإعلامي من الطعنات والتهويلات التي من شأنها أن تفقده مصداقيته فتحُد من نجاعة رسالته في المجتمع بشكل يحقق ديناميته ويدفع به نحو تجاوز تحديات العصر. فالإعلام العربي يعاني من جوانب كثيرة يمكن إيجازها في الحرفية والمصداقية والتخصص وعلاقة والإلمام الجمهور هذا الأخير الذي ينبغي إتاحة إشراكه في الإدلاء بمواقفه وأخذها بعين الاعتبار في اتخاذ القرارات الخاصة بكثير من الجوانب الإعلامية.

المبحث الثالث: من أجل إعلام في مستوى التطلعات

يجب توظيف الإعلام بشقيه الرسمي والمستقل من أجل التنمية ضمن مخططات محكمة تجعله قاطرة نحو التطوير الإنتاجي بكل أبعاده لمواجهة كل التحديات المعرقلة للتقدم والازدهار، بحيث يسير وفق استراتيجية محكمة عامة يعتمدها القطاع الإعلامي الرسمي والمستقل، وذلك من أجل خدمة الوطن والمواطن، هذا الأخير الذي يجب فتح شعاب التواصل معه حتى يشارك في بناء رأي عام يفيد الإعلام في تبني كثير من البرامج التوعوية والاجتماعية الخاصة بالتنمية في علاقتها بما هو محلي وما هو دولي. وفي هذا المجال ينبغي الأخذ بعين الاعتبار كل التجارب الإعلامية في الدول العربية والغربية للاقتداء بها بغية رسم الأسس وبلورة ما هو كائن من أجل إعلام فعال يقود نحو كل ما هو في صالح الفرد والمجتمع في كل المجالات.

وفي هذا الإطار ينبغي على الإعلامي ألا يكتفي بعكس ما هو كائن، بل ينبغي أن يساهم بفعالية نحو نقد الأوضاع التي في حاجة إلى نقد والثناء على كل ما هو إيجابي تشجيعا على المزي والإعلام بهاته الصورة المأمولة سينخرط بامتياز في الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتربوي بحيث يصير الوعاء الذي يسع الكثير من التفاعلات الساعية نحو البدائل الممكنة في عدة مجالات.

إن استحضار الضمير وجسامة المسؤولية الإعلامية من أجل بناء ورقي الإنسان باعتباره أساس بناء المجتمعات والحضارات أمر ضروري لكل إعلام يحترم نفسه. فالمسألة الخلقية والأمانة المشروطة عنصران لازمان لكل إعلام يروم بناء أواصر تبادل الثقة بينه وبين أفراد الشعب، فقد صار الإعلام أحيانا وبشكل من الأشكال عاملا مخيفا وعاملا لاصطياد الغير وتوجيههم وجهة يستحليها البعض على حساب البعض. وعلى كل إعلامي يريد أن ينجح في مشواره أن يميز بين وظائف الإعلام محليا ودوليا وإقليميا فكل توجه في هذا الإطار له ما يميزه عن غيره، علاوة على التعمق في فهم نفسيات الجماهير وهنا ينبغي الاطلاع الدائب على الدراسات النفسية بما في ذلك البحوث الميدانية المتجدد، وكل ذلك من شأنه أن يجعل المادة والبث الإعلامي ساريي المفعول بين الجماهير الموجه إليهم، ولابد من التفكير في التبادل التجارب بين الإعلاميين قصد الوقوف على أهم الثغرات التي ينبغي استبعادها وأهم الإيجابيات التي ينبغي استحضارها والعمل على إحلالها من أجل مادة إعلامية في المستوى المطلوب. ولا بد من الإشارة إلى عمل الكثيرين على الاشتغال المستمر من أجل الرفع من قيمة الإعلام العربي ضمن التكامل وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة في المجال مع طرح مختلف المعوقات الإعلامية بشفافية تقود إلى الوقوف عناصر الإيجاب والسلب، وهي خطوات ينبغي تثمينها ضمن استراتيجية إعلامية مثمرة تعيد الألق لإعلام يشيع القيم الأخلاقية والوطنية التي ينبغي اتخاذها من أجل التعايش والوحدة. ولابد من الإشارة إلى عامل إعلامي يخدم هذا الأمر خدمة جليلة إنه اللغة العربية الفصحى، اللغة التي تتجاوز اللهجات فتجعل كل الدول العربية باختلاف لهجات شعوبها يتواصلون بيسر بلغة تجمعهم وبها يؤدون الكثير من شعائرهم الدينية التي توحدهم. وما لم يأخذ الإعلام العربي قضية النهوض بالعربية والمحافظة عليها فإن مشروعه الوحدوي المتين لن يتحقق بالصورة المثلى،يقول الدكتور سليمان إبراهيم العسكري “حتى الآن لا نستطيع – كعرب- أن نزعم أننا منتجون في مجتمع المشاهدة، فنحن بكل ما يتدفق علينا من وسائط متعددة عبر منافذ الإنترنت والفضائيات، بما فيها الفضائيات العربية، لسنا إلا مستهلكين، ومن ثم فنحن معرضون للاستلاب، ومن بين الأشياء المرشحة بادئ ذي بدء لأن تستلب منا ثقافتنا الممثلة في الشفهي والمكتوب، خاصة أننا أمة تشكل لغتها محور هويتها، وتشمل اللغة وعاء المكتوب والشفهي بين أهلها، وها نحن نرى الأداء اللغوي المتسيب على شاشاتنا العربية، بل الإزاحة المتعمدة للصيغة الجامعة لنا لغويا، صيغة العربية الفصحى…”[8].

إن العربية نكاية من بعض حُقادها عاجزة عن مسايرة العصر ومستحدثاته. ولا ندري ما الغاية من تقديم وسائل الإعلام لبرامج تستعمل فيها العامية بديلا للفصحى، بل إن الخطابات الرسمية صارت تتبنى بقصد أو غير قصد استعمال العامية، ولنشر إلى أن وسائل الإعلام والصحافة ميدانان أساسيان في التكوين الثقافي والفكري لكل الأمم. وكل تراجع في الثقافة اللغوية يشكل خطرا وانتكاسة للمردودات الفكرية والثقافية لأن ذلك النقص مرتبط بالنقص في القراءة والمطالعة، فنحن نعيش جيل الصورة وتصفح الفرجة السريع، ومن لا يقرأ لن ننتظر منه العطاء الكافي للمساهمة في نهضة الأمة، كما أن صعوبة البرامج الدراسية المثقلة بقواعد اللغة والنحو والصرف التي لا تخدم اللغة في حداثتها وديناميتها بشكل يضفي عليها المرونة المطلوبة فساهم ذلك في ضعف التحصيل والاستعمال اللغوي الفصيح للتعبير عن الحاجات والمشاعر والأفكار والثقافة بشكل عام..

ولا يخفى علينا تأثير الإعلام المسموع في اللغة إلى جانب المدرسة وامتداداتها، ولذا ينبغي التفكير والتخطيط في كيفية استثمارها لصالح الفصحى لجعلها مطواعة تساعد على انتشار ألفاظ الحضارة الحديثة والمصطلحات العلمية والتقنية، وبصدد وسائل الإعلام فإن الحكومات لم تستغل هاته الوسائل مع المناهج والبرامج الدراسية استغلالاً عقلانيًا كفيلا بالمساهمة الناجعة لصالح النهوض باللغة العربية الفصحى.

ومع سعة انتشار وسائل الاتصال البصرية وامتلاكها لجاذبية الإغراء والإثارة، ازداد تخوف الخبراء واللغويين من تحول هذه الوسائل بسلطتها إلى جلب الجماهير إلى معاول هدم للغة العربية الفصحى، إذ من شأنها المساهمة في الحط بقيمة الذوق اللغوي مما سينعكس سلبا على اللغة العربية، وإذا سلمنا بكون الإعلام المؤثر والمشكل الأقوى لتوجهات الناس، والمؤثر في سلوكياتهم وتصرفاتهم، فقد برع الغرب في صناعة الإعلام واتخاذه وسيلة للهيمنة و الاكتساح للمجتمعات بلغته وثقافته باسم العولمة وغيرها من المبررات، وتأثير الإعلام على الإنسان العربي يظهر من خلال الانسلاخ عن هويته شيئا فشيئا، صار يفتخر بلباس ولغات الآخرين مهملا تراث أجداده، الذي يشكل التمسك المرن به أساس البناء والتقدم.

إننا في عصر التكتلات وربط الصلات من أجل فرض الوجود والحفاظ على الذات والهوية، الأمر يستدعي لغة عربية فصحى سليمة تناسب العصر لتنخرط في النظام الإعلامي العربي وتجعله فاعلا يجسد التقارب والتواصل الفعال في عصر وحش العولمة، لذا يجب اتخاذ اللغة العربية الفصحى لغة قومية ميسرة لمخاطبة كل العرب وكل المسلمين في كل أقطار العالم، الأمر الذي تعجز عنه العاميات التي صارت كالتصحر بزحفها على اللغة العربية الفصحى الواسعة والجميلة والباعثة على الاعتزاز بالوحدة و توحيد الرؤى والحلول إزاء كل القضايا المتجددة وكل المشاكل المحدقة بالأمة”[9].

والعولمة تفرض على الإعلام المغربي والعربي بصفة عامة كثيرا من الإعدادات والاستراتيجيات من أجل الحفاظ قدر الإمكان على الحد الأدنى من الهوية والثقافة الوطنية. يجب التفكير في وضع الطفل وفي حاجاته الضرورية لشخصيته التي ينبغي أن تنشأ على تميز وقيم تجعلها قوية وصامدة أما العولمة بما تحمله من سلبيات لا حدود لها. والحال أن الإعلام صار مفتوحا على الكثير من المظاهر السلبية والتي تمس بالمقومات الثقافية والهوياتية وبذلك ينبغي الاحتراز من السقوط فيما أشار إليه أنور الجندي منذ سنوات حين رأى أن “أخطر ما تدعو إليه الصحافة وتلح عليه وتعمل له هو تثبيت الواقع الخاطئ الذي شكلته عادات وتقاليد ومفاهيم دخيلة ووافدة استمرت فترة طويلة حتى أصبحت من المسلمات مع الإيحاء باستحالة تغير هذا الواقع أو الكشف عن زيفه في ضوء الإسلام (…)[10]، كما ينبغي أن يصير الإعلام من أكبر العوامل في بناء مقومات الأسرة بناء يفيد المجتمع ويساهم في تحقيق مزيد من الأمن والازدهار فنستفيد ونفيد متفاعلين مع غيرنا عبر الأخذ والعطاء. وإذا كانت وسائل الإعلام مؤسسة تربوية جديدة بدأت تنافس بقوة المؤسسات التقليدية (الأسرة، المدرسة) في تحقيق التنشئة الاجتماعية للأطفال، وهذا من خلال نماذج القيم والأفكار والتصورات التي تعبر عنها وتقوم بإبلاغها إلى المتلقي “[11]. فلا ينبغي الاستهانة وغض البصر عن خطر وإيجابيات الإعلام على الأطفال باعتبارهم أساس التقدم والبناء وتحقيق ما نتمنى أن يحقق. و ” كاد أغلب الأعمال التي أنجزت في المغرب في العقود الأخيرة، وكذا بعض المقالات الدراسية المنشورة على صفحات متخصصة، على اعتبار نموذج التنشئة الاجتماعية السائدة في المغرب هو النموذج التقليدي. لكن رغم هذا فلا بد من التأكيد على التحولات الأخيرة التي عرفها المجتمع المغربي، وبالخصوص منذ الثمانينات، والتي عملت على تغيير الكثير من ملامح هذا النموذج” الطفل والإعلام[12]. على أن التغيير للتقليدي ينبغي أن يكون وفق مخططات إعلامية وتربوية حذرة حتى لا ينتهي بها المطاف في إسقاط التنشئة التربوية في النماذج الغربية القحة علما أن التشبث بالأصول والهوية مع التطور والتكيف مع المستجدات هو الوسيلة الأولى للثقة بالنفس وللتقدم في كل المجالات. وينبغي الأخذ بعن الاعتبار تكون الطفل الوجداني، فكل ما يراه ويسمع ينطبع في نفسيته فيصير جزءا من بناء وتشكيل شخصيته مما نعكس على سلوكاتهم وتصرفاهم، وبذلك يصير بالدرجة الأولى الإعلام إضافة إلى المدرسة والأسرة مربط ومقود لتوجيه السلوكي والأخلاقي للطفل. وما أحوج الطفل في عصرنا الحالي إلى التوجيه نحو الأصلح في الوقت الذي صار الإعلام قناة عالمية مفتوحة تحمل الصالح والطالح الجيد والرديء.

ولا زال الإعلام المغربي قاصرا من حيث تعاطيه مع الفعل الثقافي الذي هو رمز أصالتنا وهويتنا وتميزنا، وأقصد بالفعل الثقافي كل ما يتعلق بالإنتاج الفني (موسيقى، تشكيل، أدب،…)، فلازال التعاطي الإعلامي لهذا الجانب تعاطيا محتشما، و خير دليل على ذلك ندرة الملاحق الثقافية في شتى الجرائد الوطنية، هذه الملاحق التي ننتظر أن يحمل مقالات مرتكزة على جوانب ثقافة وفكرية وتربوية متعددة، تفتح في وجه كل المهتمين بالشأن الثقافي من المغاربة.

يجب على القائمين على الإعلام حسن الإصغاء لآراء ذا وذاك، مع التقصي والبحث وذلك بغية تجميع أنواع المعضلات والعثرات التي تحد من نجاعة الرسالة الإعلامية، ومن شأن هذا الفعل رسم الخطة التي من خلالها يمكن للإعلام أن يتقدم ويلبي حاجات الجماهير الذين ينبغي جعلهم دوما المحك الذي يبرز أهمية أو سوءات الإعلام، ولا يمكن تحقيق كل ذلك إلا إذا كانت المؤسسة الإعلامية مستقلة في رسالتها الإعلامية مع الحرص على عدم المساس بالتوجهات الحاملة للمصالح العليا للدولة.

لا أحد يكره خروج إعلام دولته من الرداءة نحو الجودة والتميز الإيجابي المبني على أسس تربوية وسياسية رشيدة مؤسسة على حسن النوايا مراعاة لحقوق المستهلكين، هؤلاء الذين من حقهم التمتع بإعلام به من الموضوعة ما ينال رضاهم ويستجيب لآمالهم.

كان الإعلام وما يزال محور الوقوف على الحقائق بحياد تام، لكنه في ذات الوقت يصير محور اللعبة السياسية بين الأطراف المتناحرة المتصارعة حول دواليب السلطة وزمامها. لذا فهو الوجه الذي يتفرع أوجها تختلف وفق الاستعمالات المسندة إليه، فأحيانا يداهن، وأحيانا يُجمل القبيح في الواقع بمسحة الخيالات المفترضة والزائفة، وكأنه أحيانا يقرر ما ينبغي أن يكون على أنه الكائن، وبذلك يضفي غطاء سميكا على الواقع الاجتماعي المرير في خضم الهيجان السياسي المدمر للتحقيقات التي تروم الإصلاح و الانعتاق…وما خفي على أصحاب الضمائر المريضة كون الإعلام إن لم يبنِ يهدمُ، وقد يصل بهدمه إلى هدم مصالح الخادعين والمخدوعين على السواء…فالصحافيون الحقيقيون دأبهم وحلمهم تحقيق الجسارة الرؤيوية التي تضفي المصداقية على الواقعة والخبر بالشكل الممكن من تجاوز الكائن إلى الأحسن الذي ينبغي أن يكون، وواجب الضمير الإنساني الحي تحري الصدق وتجاوز الأنانيات المريضة التي – في الأخير – لن تنفع صاحبها حتى…وبما أن الإعلام سيظل المؤثر الأول في مواقف الجماهير والسياسات المعتمدة أو المنتظر الاعتماد عليها، فإن الكل مسئولين وشعوبا يحاولون أن يكون الأخذ بزمام الإعلام من أولى الأولويات، مما ينشىء الصراع بين القنوات الإعلامية، وكل هذا من شأنه أن يربك صناعة القرارات الصائبة في حالة غياب الموضوعية والحياد الإعلامي.. فالإعلام بعيدا عن الحرية ليس سوى الإضلال والخداع…الإعلام بعيدا عن التشاركية في صنع القرارات والرأي المبثوث من خلاله انتهازية و سطوة جائرة…الإعلام بعيدا عن الشمولية إخفاء للحقائق ومكبر للأوهام…الإعلام بعيدا عن الاستقلالية استبداد بالرأي و الإفصاح عن القرارات الصائبة…الإعلام بعيدا عن كرامة مهنييه ضعف وإضعاف للتواصل الفعال الذي لن تقوم للمجتمع قوْمَةٌ من دونه…الإعلام بعيدا عن الصدق لعب ومضيعة للوقت والجهد ونصرة للخادعين المعتدين على الحقائق بصورتها الأصلية والواقعية…الإعلام لن يحق الحق ولن يزهق الباطل بالتطبيل والتزمير لجهة على حساب أخرى بعيدا عن العدل ووزن الأمور…الإعلام حين يبتعد عن وضع اليد على الحقائق ينغمس في دوامة من الأكاذيب والتلفيقات و التخوين و القدح المجحف في حق كل من يرد أن يدافع عن حقه في الحياة والكرامة…والفظيع جدا أن يحاول الإعلام استنادا إلى القائمين عليه المتحكمين في دواليبه إخفاء وجود النقائص والشكاوى وغياب الحاجات الأساسية للشرائح من المجتمع. وبالقدر الذي يثير السخرية، يسبب المآسي حين تؤمن به الدبابة والمدفع فتسحق كل من يقول لا للجور والظلم والظلمات…إن الإعلام يصير هو القتل بنفسه حين يصير بيد المثيرين والمهيجين للطائفية والتعصب الأعمى وعُبيَّة الجاهلية التي لن ينجو أحد من سعيرها طال الزمان أو قصر… وباختصار، شيطنة الإعلام يفضي إلى شيطنة الأوطان كبيرة كانت أو صغيرة.

ونشير في نهاية مقالنا إلى أنه رغم كل الانتقادات الموجهة للإعلام في المغرب بالخصوص، فإنه يجدر بنا أن نسجل الكثير من التقدم والانفراجات في هوامش الحريات، والتعاطي للخبر من وجهات ومصادر متعددة مما ينحو به إلى الموضوعية عبر النقاش والإحاطة والتحقق. والحراك النقدي الدائر حول الإعلام المغربي في منابر إعلامية وثقافية كثيرة ظاهرة إيجابية من شأنها توصيل إعلامنا إلى المبتغى والمأمول، والله ولي التوفيق.

يشير الباحثون إلى أن الإعلام إما أن يكون أداة تؤسس لحاضر ومستقبل أفضل وإما أن تصير وسيلة لتدمير السليم وتشويه القويم حين تؤثر سلبا على توجهاتنا واعتقاداتنا حين ترسخ ما يجب أن يستبعد وتبعد ما يجب أن يؤصل ويزرع كي يساعد على إغناء ظروفنا والرفع من معنويات التطوير وبلورة القيم الاجتماعية والاقتصادية والجمالية نحو المبتغى، وبناء على ذلك ينبغي مراعاة الجانب التربوي في الإعلام. وبناء الحضارة قائم على أسس عظيمة، يأتي في طليعتها الالتزام بمبدإ الاستمساك بالحق ومحبته والعمل على نشره، والتبرؤ من الباطل وكراهيته، ذلك أن الدول لا تسود ولا تعلو بالحديد والنار ولا بالمال، ولأنها تسود وتعلو بالخلق المتماسك، وأعلى مصادر الخلق المتماسك وأعمقها جذورا وأدومها أثرا هو الدين الحق، فهو الذي يجمع على التواد والتراحم، ويقي مما طبعت عليه النفس البشرية من الشح، ونحن إن احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات التي كانت سببا في مجده وسيادته، فمن المؤكد أننا في غير حاجة إلى استيراد قواعد السلوك والتربية والأخلاق.. إننا نحتاج إلى مواد بناء، إن العودة إلى المجد العظيم لن تتأتى إلا بالالتزام بأسس حضارتنا واتخاذ وسائلها(…) والاطلاع على ما لدى الآخرين من علم من علم وإبداع وكل مفيد، وينبغي ألا نرفض حكمة جاءت من عدو، ولا نزهد في حصاد الذكاء البشري مهما كان موطنه، بل لنستقبل الجديد من عوامل الإبداع، شرط ألا ينسينا أصولنا وثوابتنا. ” كل هذه المعطيات ينبغي أن تدخل بالدرجة الأولى في مسؤولية الإعلام باعتباره القناة المفتوحة ليل نهار ليعبرها إلينا الصالح والطالح من القيم والأفكار والمظاهر[13]. فالثورة الإعلامية من هذا المنطلق ينبغي أن تسعى إلى تقويم أدائنا اجتماعيا ودينيا وثقافيا. واليوم نجد العولمة تؤثر بشتى الوسائل وعلى رأسها الإعلام على أفكار وتقاليد الشعوب وهي الدعامة الأساسية التي توحدها وتوحد منظورها إزاء شؤون الحياة مما يدفع بها إلى الاتحاد من أجل مواجهة المصائر المشتركة. وعليه ينبغي السعي بخطى حثيثة من اجل تسخير الاعلام لصالح التنمية البشرية كعامل نهضوي ملح في هذا العصر و “إن نجاح التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة على المستوى العربي العام رهْن بتوحيد الجهود العربية المشتركة، واعتماد ركائز التنمية المستدامة التي تتناسب مع طبيعة عصر العولمة والتبدلات الإقليمية والدولية المتسارعة(…) وقدرة العرب على النهوض مجددا ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية رهن بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين العرب، وضمان استقرار الجماعات في العالم العربي، كما أن ممارسة الحريات الأساسية بصورة طبيعية، ونشر العلوم العصرية، والاستفادة من التكنلوجية المتطورة، تشكل المدخل السليم للتحرر من كل أشكال التبعية والمعوقات الاجتماعية التي تطول كرامة الإنسان كالجوع والمرض والجهل والفقر والخوف والبطالة” آفاق التنمية العربية المستدامة في المرحلة الراهنة[14].

وهنا يكتسي الإعلام الأهمية القصوى في هذا المجال، والحال أن إعلامنا حتى الآن ليس في مستوى التحديات التي تمس التنمية المستدامة كمستجد ضروري في عصر الانفجار الديمغرافي الهائل التواق إلى الحرية والتمتع بالحقوق، فكل المجتمعات في عصرنا حيث التفتح الإعلامي مما جعل البعض يرى أن ” الحكم الذي يمكن أن تصدره حول هذه المجتمعات لا يمكن ان يقوم الا على نظام قيمي وخاصة على أساس الأهمية التي تعطى في هذه المجتمعات لحرية الأفراد والجماعات.” [15].

ولقد آن الأوان أن يستغل الإعلام العربي استغلالا تام في تحقيق جملة من الأهداف التي تصب في صالح حماية المجتمع من أخطار جمة منها التصدعات الداخلية والنزاعات الدينية واحتقار الذات مع الاستلاب الأمر الذي نلاحظ بعض مظاهره في جل المجتمعات العربية، والإعلام انطلاقا من هذه المخاطر عليه “الذود والدفاع عن الاتهامات، وتوجيه الرد السليم المفحم لها، المدعم بالبراهين والأدلة الدامغة. ولبث الحماسة في نفوس المسلمين، وللرد على هجمات الخصوم الكلامية، وفي القضاء على الإشاعات والفتن “[16].

ولا بد من تنقية إعلامنا تنقية المستهدف لتكوين مجتمع منفتح وفي ذات الوقت محتفظ بمقوماته الذاتية وهويته الخاصة مع تجنيبه السقوط في الجانب العبثي والترفيهي “الثورة التكنولوجية هي مجرد جانب فقط من جوانب ثورة المعلومات ومجتمع المعلومات، هنا لابد من التركيز على الروابط المتداخلة بين التكنولوجيا الجديدة والمجتمع العولمي المتصل بعضه ببعض بشبكات الاتصالات ومعلومات عالمية وكذلك ذات الامتداد الخاصة لثقافة العرض والاستعراض في المجتمع الناهض الجديد المسمى مجتمع الترفيه المعلوماتي الذي يخترق مجالات العمل والتعليم والتربية واللعب والسياسة والتفاعل الاجتماعي لعل هذا يكون أكثر فائدة من مجرد الاهتمام المبالغ فيه فقط بالأشكال التكنلوجية الجديدة أو العولمة من دون أن ننظر إلى التشكيل الكلي لهذه الظواهر معا.

لقد أدمج كثير من أشكال الثقافة السابقة وامتصاصها بسرعة داخل الانترنيت وأصبح الكومبيوتر أداة ومصدرا مهما للترفيه والمعلومات واللعب والاتصال مع العالم الخارجي[17].

خاتمة:

لقد صار إعلامنا العربي في جل جوانبه منصرفا إلى هذا الجانب الترفيهي الذي ليس سلبيا كله ولكن طغيانه يجعله سلبيا حين يصرفنا عن هموم بناء المستقبل والسعي الجاد من أجل التقدم بغية مواجهات التحديات المتعددة المنبثقة من التطورات المستجدة بسرعة فائقة.

لقد بات جليا للعيان أن المتلقي العربي صار محاطا بكم هائل من القنوات الإعلامية فضائيات وإذاعات فصار بإمكانه البحث والانتقاء لما يشبع ميولاته. ومن هنا على المؤسسات الإعلامية أن تحاول جذب المشاهد العربي بحرفية إعلامية جيدة مستفيدة من كل المستجدات التقنية والبرمجية.

فالإعلام صار في تنافس دائم من أجل أخذ المبادرة في التأثير وفي استقطاب المشاهدين وهنا تطرح أمامنا مشكلات كثيرة منها صعوبة الحديث عن الإعلام الوطني الفعال في عالم منفتح على قنوات إعلامية متعددة ومتجددة باستمرار، لكن الارتباط بالهوية والهموم المشتركة مع الانطلاق من حاجات المشاهد الأساسية قد يكون لها الأثر في الاستمالة والجذب لتحقيق التأثير الإيجابي المفروض تحقيقه إعلاميا.

 

 

قائمة المراجع:

– بيتربورك، آسا بريغز، التاريخ الاجتماعي للوسائط من غتنبرغ إلى الأنترنيت، ترجمة مصطفى محمد قاسم، عالم المعرفة، العدد 315، مايو 2005.

– الجندي، أنور، الصحافة والأقلام المسمومة، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1985.

– راشدي، عبد المقصود، الطفل والإعلام، منشورات الشعلة، الطبعة الأولى، 2001م.

– سلام، محمد شكري، ثورة الاتصال والإعلام: من الإيديولوجية إلى الميديولوجيا، عالم الفكر، المجلد 132، يوليو ـ سبتمبر.

– شاكر، عبد الحميد، عصر الصورة الايجابيات والسلبيات، عالم المعرفة (الكويتية)،ع 311، يناير2005م.

– شقرون، محمد، مجلة الوحدة، إصدارات المجلس القومي للثقافة العربية، السنة السادسة، العدد 70-71، / ذو الحجة ـ محرم1411ه / يوليو، أغسطس 1990 م.

– شلبي، كرم، الخبر الصحفي وضوابطه الإسلامية، دار الشروق، جدة، 1984.

– ضاهر، مسعود، مجلة العربي (الكويتية) العدد 716، شوال ـ دو القعدة 1439هـ / يوليو2018م.

– العبد الجادر، عادل سالم، مجلة العربي (الكويتية)، العدد 714، شعبان ـ رمضان 1439ه / مايو 2018م.

– عبد الرحمان، عواطف، مجلة العربي (الكويتية)، العدد 591، المحرم صفر 1429ه / فبراير (شباط) 2008م.

– العسكري، سليمان إبراهيم، العربي، العدد 587، رمضان 1428هـ / أكتوبر 2007م.

– العلي، فيصل يوسف، من يصنع الحضارة؟،مجلة الوعي الإسلامي (الكويتية)، العدد 572، ربيع الآخر 1434هـ / يناير ـ فبراير 2013م.

– ملواني، لحسن، اللغة العربية جمال وإهمال، جامعة المبدعين المغاربة، الطبعة الأولى، 2018م.

[1]  بيتربورك، آسا بريغز، التاريخ الاجتماعي للوسائط من غتنبرغ الى الانترنيت، ترجمة مصطفى محمد قاسم، عالم المعرفة، ع 315، مايو 2005، ص7.

[2]  شقرون، محمد، مجلة الوحدة، إصدار عن المجلس القومي للثقافة العربية، السنة السادسة، العدد 70 ـ 71 ـ يوليو، اغسطس 1990 ـ ذو الحجة ـ محرم1411م، ص 206.

[3]  الجندي، أنور، الصحافة والأقلام المسمومة، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1985، ص 215.

[4]  راشدي، عبد المقصود، الطفل والإعلام، إعداد عبد الواحد أولاد الفقيهي، منشورات الشعلة، الطبعة الأولى 2001 ص 77.

[5]  عبد الرحمان، عواطف، مجلة العربي الكويتية العدد 591 المحرم صفرهـ1429، فبراير (شباط)2008م، ص21.

[6]  العبد الجادر، عادل سالم، العربي (الكويتية) العدد 714 شعبان ـ رمضان 1439هـ مايو2018 م ص 8.

[7]  سلام، محمد شكري، ثورة الاتصال والإعلام: من الإيديولوجية إلى الميديولوجيا، عالم الفكر، المجلد 132يوليو ـ سبتمبر، 2003 ص 82.

[8]  العسكري، سليمان إبراهيم، العربي، العدد 587، رمضان 1428هـ ـ أكتوبر 2007م، ص 11، 12.

[9]  ملواني، لحسن، اللغة العربية جمال وإهمال، جامعة المبدعين المغاربة، الطبعة الأولى 2018م، ص 55-56.

[10]  الصحافة والأقلام المسمومة، م س، ص 215.

[11]  راشدي، عبد المقصود، الطفل والإعلام، منشورات الشعلة، الطبعة الأولى 2001م ص 77.

[12]  م ن، ص 83.

[13]  العلي، فيصل يوسف، من يصنع الحضارة؟،مجلة الوعي الإسلامي (الكويتية) العدد 572 ربيع الآخر 1434هـ ـ يناير ـ فبراير 2013م، ص 2.

[14]  ضاهر، مسعود، مجلة العربي (الكويتية) العدد 716، شوال ـ دو القعدة 1439هـ ـ يوليو2018م، ص 27.

[15]  شقرون، محمد، مجلة الوحدة السنة السادسة ـ العدد 70 ـ 71 ـ يوليو ـ أغسطس 1990 ـ ذو الحجة ـ محرم 1411م، ص 207.

[16]  شلبي، كرم، الخبر الصحفي وضوابطه الإسلامية، دار الشروق. جدة 1984، ص51.

[17]  شاكر، عبد الحميد، عصر الصورة الإيجابيات والسلبيات، عالم المعرفة (الكويتية)،ع 311، يناير2005، ص 400.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.