هل نقل الناصري عن مخطوط “الابتسام”؟
هل نقل الناصري عن مخطوط "الابتسام"؟/ الدكتور الصادق الرمبوق
هل نقل الناصري عن مخطوط “الابتسام”؟
بقلم: الدكتور الصادق الرمبوق
1- من هو صاحب “الابتسام”؟
“الابتسام عن دولة ابن هشام، أو ديوان العبر في أخبار أهل الثالث عشر”، هذا هو العنوان الكامل للمخطوط الذي يعزى تحرير مسودته إلى مؤلف مجهول. ويبدو أن الملاحظة التي حررها أحمد العماري منذ أكثر من ثلاثين سنة في الموضوع ما زالت وجيهة؛ قال: «ويظهر أن انطماس اسمه ونسبه هو السبب الأول في كونه ما يزال مجهولا عند الدارسين إلى الآن».
لكن ابن زيدان نص على اسمه مرتين: أول مرة حين قال في “الإتحاف” عند حديثه عن تنكيل السلطان عبد الرحمن بن هشام بالزاوية الشرادية: «قال أبو العلاء إدريس، أحد كتبة الديوان الرحماني في الابتسام»، وثاني مرة لما استعرض قائمة بأسماء كتّاب السلطان عبد الرحمن بن هشام، فعدّه منهم؛ قال: «وأبو العلاء إدريس، مؤلف الابتسام، حسبما قال ذلك عن نفسه»، يقصد قوله في المخطوط متحدثا عن انتظامه في سلك كتاب البنيقات على عهد السلطان عبد الرحمن: «وفي سنة أربع وخمسين جلست أنا في دار المخزن كاتبا مع الأمين الذي بيده الصائر، ويكون بيدي الكناش الذي أرسم فيه الخارج، ثم بعد ذلك نقلت لخطة الكتابة، فجعلت مع الكتاب الذين بالباب، فأدركت منهم طائفة». وذكر بعضَ هؤلاء الكتاب، منهم الكتاب المشهورون: محمد غريط، وعلي بن الطيب الجناوي الذي ولاه المولى عبد الرحمن لاحقا عمالة وجدة وما حولها وقاد المفاوضات المتعثرة مع الجنرال بيجو قبل معركة إيسلي، والرئيس محمد بن إدريس، وزير السلطان عبد الرحمن، وغيرهم.
صحيح أن المخطوط ألف في الأصل، كما يدل عليه عنوانه، لتأريخ دولة السلطان عبد الرحمن بن هشام، لكن مؤلفه يفتتحه بما أدركه من أيام حكم السلطان سليمان؛ قال في الورقة الثالثة: «إن أول ما وعيناه وعرفناه دولة أمير المؤمنين أبي الربيع مولانا سليمان، أدركنا منها زمانا، وفاتنا زمان، وما فاتنا منها أكثر مما أدركناه». ويغطي المخطوط فترة زمنية تستغرق ما يقرب من سبعين سنة بالتأريخ الهجري، وستة وستين سنة بالتأريخ الميلادي، من 1206ه / 1792م تاريخ بيعة المولى سليمان سلطانا، إلى 1275ه / 1858م تاريخ وفاة «الفقيه سيدي محمد بن عبد الرحمن الحجرتي».
2- قيمة “الابتسام”:
ترجع أهمية هذا المؤلف التاريخي إلى أربعة اعتبارات: الاعتبار المرجعي، واعتبار الاستمرارية، واعتبار الانفتاح، والاعتبار الثقافي.
ولأن تناول هذه الاعتبارات ليست مما تعتني به هذه الورقة، فإننا نكتفي بالتركيز المختصر على التذكير بالحفاوة التي حظي بها المخطوط من لدن محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي، وعبد الله العروي، وعبد الهادي التازي. فكان اغتباط أول الثلاثة به حافزا له على اختصاره وتنقيحه وإثرائه ببعض التعليقات المفيدة التي جرت على منهج تجلية المسكوت عنه بشكل أضاء بعض زواياه، وجاء اهتمام ثانيهم به في محاضرة قيمة نبهت على ملاحظات مركزة كشفت السياق التاريخي لطرح فكرة الإصلاح وتمثلها في تصور النخبة المخزنية في هذه الفترة الحرجة، وتجلت عناية ثالثهم به على شكل تقديم، استغرق أربعا وعشرين صفحة، ورام عرض أهم المضامين والقضايا والمواقف بطريقة استقصائية تسلسلية مقتضبة في آن معا.
3- هل نقل الناصري عن مخطوط “الابتسام”؟
إن مخطوط “الابتسام”، بعبارة عبد الله العروي في محاضرة: “مؤرخو المغرب في القرن التاسع عشر”، هو «أصل كل ما كتب وكل ما نعرف عن حياة السلطان عبد الرحمن»، بل إنه يُعتبَر بحق ترجمة وافية لهذا السلطان وعصره، ومنه استطعنا أن نتعرف على أخباره. وما يمنح المخطوط هذا الامتياز الذي يتمتع به بين المؤرخين والمشتغلين بالمعرفة التاريخية لمغرب النصف الأول من القرن التاسع عشر، أن المرجعية التاريخية التي يستند إليها مؤرخ كعبد الرحمن بن زيدان، في “الإتحاف” خصوصا، تنهل في كثير من مروياتها وأخبارها عن أحوال دولة السلطان عبد الرحمن من مخطوط “الابتسام”.
لكن العروي يضيف: «اقرأوا ما كتبه الناصري أو ابن زيدان فستجدون أن المعلومات كلها مستقاة من كتاب الابتسام إلا النادر».
غير أن ما قرره العروي فيه نظر؛ فإذا كان ذلك أكيدا وصحيحا بخصوص عبد الرحمن بن زيدان، فإن أحمد الناصري لم يشر بتاتا في تاريخه إلى مخطوط “الابتسام”، ولا إلى صاحبه، ولم يذكر ولو مرة واحدة أنه نقل عنه. ثم إننا لم نظفر في تتبعنا لسرده أحداث عصر المولى عبد الرحمن في “الاستقصا” بشيء ذي بال يجيز لنا القول بكل يقين إن المعلومات الواردة فيه، بخصوص أيام هذا السلطان، هي، بتعبير العروي، «كلها مستقاة من كتاب الابتسام إلا النادر».
وغالب الظن أن هذا التسرع من العروي في تقرير ما هو غير ثابت ولا كائن في ما يتعلق بإكثار الناصري من النقل عن “الابتسام”، قد لحقه من الخلط بين صاحبنا إدريس أبي العلاء مؤلف المخطوط، و«أبي العلاء إدريس بن محمد الجعيدي السلاوي» الذي قال عنه الناصري في “الاستقصا” إنه المعروف «برحلته البديعة المسماة بتحفة الأحبار بغرائب الأخبار»، والتي «قد اشتملت على كل نادرة وغريبة، وأفصحت عن صنائع الفرنج وحيلها العجيبة».
ومن خلال المقارنة بين مضامين السرد التاريخي لأحداث دولة المولى عبد الرحمن وصياغته اللغوية وأساليبه التركيبية عند كل منهما في المصدرين، لم يفدنا التدقيق في دعوى نقل الناصري عن المخطوط إلا بأحد احتمالين: فإما أن صاحب “الاستقصا” لم يطلع على مخطوط “الابتسام”، أو أنه اطلع عليه لكنه أعرض عن النقل عنه، على الرغم من أننا نستبعد ذلك لحاجته إليه.
ولا بأس من التذكير بأن الناصري استهل الجزء التاسع والأخير من “الاستقصا” بعرض «الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى عبد الرحمن بن هشام وأوليته ونشأته»، متخذا ما أورد أكنسوس في “الجيش العرمرم” عن هذه الفترة مصدرا أساسيا. وقد نبه الناصري بنفسه على أن ما دونه في ثلاث عشرة صفحة الأولى من هذه الترجمة مقتبَس حصرا من مصدر وحيد هو كتاب أكنسوس؛ قال: «واعلم أن هذه الأخبار التي سردناها من أول هذه الدولة السعيدة إلى هنا، تبعنا في جلها أبا عبد الله أكنسوس، وقد ساقها رحمه الله مجردة عن التاريخ الذي هو المقصود بالذات من الفن. ونحن لما لم نعثر في الوقت على ما يحقق لنا تواريخها، رتبناها بحسب ما أدى إليه الفكر والروية، وأثبتناها لئلا تذهب فائدتها بالكلية، وعلى كل حال فهي في حدود الأربعين من مائة التاريخ، والله أعلم». وكان قد أعلن قبل هذا الإقرار، في موضعين آخرين ، بنقله عن أكنسوس، كما استمر في الاستشهاد به بعد ذلك في ستة مواضع.
وما دام أن الناصري اشتكى هنا من ضعف تحقيق الأحداث بتواريخها، فإن هذا النص كاف في إثبات أنه قد أكثر من النقل عن “العرمرم” وليس عن “الابتسام”، وأنه، بالإضافة إلى عدم علمه بوجود هذا المخطوط أو عدم تمكنه من الاطلاع عليه، فإنه لم يطلع أيضا على مخطوط “تاريخ الولاية المحمودة البدء والنهاية” الذي خصصه الزياني الفاسي للتعريف بالمولى عبد الرحمن بن هشام، فإنه لو وقع في يديه لوجد هذه التواريخ فيه مضبوطة، وأحيانا محددة باليوم والشهر. ولذلك فإن تميز “إتحاف” ابن زيدان بالضبط التاريخي لأيام حكم السلطان عبد الرحمن إنما جاءه من توفر مكتبته على مخطوطي أبي العلاء والزياني معا، وقد صرح هو نفسه بذلك لما قال في معرض حديثه عن اعتناء هذا السلطان بالمراكب الحربية: «ومن ذلك ما أفاده أبو القاسم الزيانى في كتابه المعنون بتاريخ الولاية، المحمودة البدء والنهاية، وهو من نفائس محتويات مكتبتنا، من …». كما صرح بنقله عن هذا الكتاب في معرض الحديث عن إصلاحات السلطان العمرانية بقوله: «وأصلح أبراج تطوان لما دخلها عام 1243 كما في تاريخ الولاية للزياني».
ورجوعا إلى تقرير العروي القائل بإكثار الناصري من النقل عن “الابتسام”، فإن المصادرة على المطلوب هنا لن تفيدنا بأكثر من تشابه بعض العبارات بشكل لا يقوى على أن يقوم دليلا على هذا الزعم، من قبيل قول صاحب المخطوط عند حديثه عن سفر السلطان قاصدا فتح الزاوية الشرادية: «سافر نحو الزاوية الشرادية قاصدا هدمها وتخريبها لشدة حنقه عليها، فسار إليها على طريق آسفي، ولم يدخل لمراكشة»، وقول صاحب “الاستقصا” في الموضوع ذاته: «ثم عبر إلى آزمور، ومنها إلى الجديدة، ثم سار مع الساحل حتى وصل إلى آسفي، فزار الشيخ أبا محمد صالح رضي الله عنه، وعطف إلى الزاوية الشرادية، فبغتها، وطلعت عليها راياته المنصورة بالله مع الصباح، ولم يعرج على مراكش».
فلو كان مخطوط “الابتسام” بين يدي الناصري، لنقل عنه تاريخ تجهيز السلطان عبد الرحمن للمحلة التي هجم بها على الزاوية الشرادية، حيث قال أبو العلاء إدريس في مستهل الحديث عن هذه الواقعة: «وجمع المحلة لقتال أهل الزاوية الشرادية، وذلك كان سنة ثلاث وأربعين» (1243ه)، أما وأنه لم يجد بدا من النقل في الموضوع عن “العرمرم”، فإن الناصري، وهو يستعرض طوال ثمان صفحات ما أتاح له هذا الكتاب في شأن الزاوية الشرادية، لم يذكر تاريخ هذه الواقعة لعدم وروده أصلا في “إتحاف” أكنسوس، وكفى به دليلا.
ثم إن ليفي بروفنصال نفسه، عند سرده في “مؤرخو الشرفاء” مصادرَ الناصري في العهد العلوي، لم يدرج مخطوط “الابتسام” ضمن مصادر “الاستقصا”، وقد نبه عبد الهادي التازي على ذلك في عرضه لمضامين المخطوط فقال إن المخطوطة كانت مما غاب عن البروفيسور بروفنصال في كتابه القيّم: “مؤرخو الشرفاء”.